• ×

08:08 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

الثِيُقراطية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الثِيُقراطية
للاستاذ : محمد بن سالم بن سليمان الفيفي

===========================================

تعريف الثِيُقراطية:
الثِيُّقراطية تعني حكم الكهنة (الهيرُقراطية) أو الحكومة الدينية.
تتكون كلمة الثِيُّقراطية من كلمتين مدمجتين هما "ثِيُو" وتعني الدين و"قراط" وتعني الحكم، وعليه فان الثِيُّقراطية هي نظام حكم يستمد الحاكم فيه سلطته مباشرة من الإله، حيث تكون الطبقة الحاكمة من الكهنة أو رجال الدين الذين يعتبرون موجهين من قبل الإله أو يمتثلون لتعليم سماوية، وتكون الحكومة هي الكهنوت الديني ذاته أو على الأقل يسود رأي الكهنوت عليها.
وتعتبر الثِيُّقراطية من أنواع الحكم الفردي والتي يحكمها ملك عن طريق الوراثة ولا يجوز لأحد مخالفته باعتباره خليفة الله، حتى قيل من يخالف الخليفة فقد خالف الله.

خلفية تاريخية عن الثِيُقراطية:
كان أول من سك مصطلح الثِيُّقراطية هو "جوزيفوس فلافيوس" (Josephus Flavius‏) في القرن الأول الميلادي لوصف الحكومة القائمة عند اليهود. افتخر "جوزيفوس" بأنه في حين يعترف اليونانيون بثلاثة أنواع من الحكم: الملكية، الأرستقراطية، والفوضوية، كان اليهود فريدون في كون نظام الحكم لديهم لا يندرج تحت أي من أنظمة الأحكام الأنفة. لقد فهم "جوزيفوس" الثِيُّقراطية على أنها شكل رابع من أشكال الحكومة يكون فيه ما يقوله الله في كتابه المقدس هو فقط مصدر الحكم. مع حلول حقبة التنوير في أوروبا، بدأت الثِيُّقراطية تأخذ دلالة سلبية بشكل كبير، خصوصاً على أيدي الفيلسوف الألماني "هيجل".
ولقد كانت أوروبا في عصورها الوسطى نموذج لهذا النوع من الحكم، حيث امتدت سيطرة الكنيسة ورجالها إلى كافة نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات الأوروبية، فكان لها أثرها الواضح في توليد رد فعل عنيف تجاه تدخل الدين ورجاله في حياة الفرد بأي صورة من الصور، فكان أن ظهرت الحركات القومية والمذاهب الفردية والنظريات الديمُقراطية كردود فعل لممارسات رجال الدين المسيحيين المتعدية في أرجاء أوروبا في العصور الوسطى، وكان أن ترجم الفكر السياسي الأوروبي رفضه لممارسات رجال الكنيسة في العصور الوسطى إلى رفضه للدين ذاته، فظهرت الحركات العلمانية التي ترمي إلى الفصل التام بين الدين والسياسة، مؤكدة أن الدين مكانه ليس البرلمان ولكن دور العبادة، وهي الفكرة التي تقوم عليها المجتمعات السياسية في أوروبا وأمريكا حتى وقتنا الحاضر.
وتشهد المجتمعات الإسلامية في الوقت الحالي خبرة عكسية خاصة في الدول التي تبنت مفاهيم القومية وغيرها من الأفكار التي سادت المجتمعات الغربية نتيجة لخبرتهم التاريخية السابق الإشارة إليها، فمعظم المجتمعات الإسلامية تشهد حركة فكرية قوية تحاول تقديم تفسير لحالة التدهور والتخلف التي يعيشها العالم الإسلامي، ويؤكد بعض المفكرين الإسلاميين على أن السبب الرئيسي للتدهور والتخلف في كافة مناحي الحياة والذي تشهده المجتمعات الإسلامية إنما يرجع إلى استبعاد القوانين الإسلامية من التسيد على كافة مناحي الحياة دينية ومدنية معاً، وهذا جعل فريق من العلمانيين وأعداء المنهج الإسلامي يقولون:
يدعو هذا التيار الإسلامي إلى ضرورة العودة إلى تطبيق القوانين الدينية وإلى ضرورة إعطاء رجال الدين مكانتهم الصحيحة في الهيئة الحكومية تشريعياً وقضائياً؛ بل وكاستشاريين للقائمين على السلطة التنفيذية إذا لم يكن الأخيرين متفقهين في أمور الشريعة الإسلامية، وهو ما يعتبر لب المفهوم الثِيُقراطي في الحكم.
وهذا الكلام غير صحيح على الإطلاق لأن الثِيُّقراطية شكل من أشكال الحكومات النصرانية الغربية، يحكم فيها الدولة قسيس، أو كاهن أو مجموعة قساوسة، ويكون فيها لرجال الدين سلطة في الأمور المدنية والدينية معاً.
وقد اعتقد كثير من القدماء أن إلههم، أو آلهتهم قد سلموا القوانين إلى حكوماتهم (نظرية التفويض الإلهي عند الغربيين النصارى) فقد كان يُعتقد أن مدونة (قوانين) "حمورابي" قد نزلت وحياً من السماء، وقد سميت الحكومة التطهيرية في "ماساشوسيتس" بالولايات المتحدة ثِيُقراطية.
وقد استمرت لسنوات كثيرة على أساس الطاعة للقانون الإلهي كما يفسره رجال الدين النصارى، والحكومة أو علماء الدين في الإسلام ليسوا وسطاء بين العبد وربه، فضلاً عن أن الدين الإسلامي نفسه ليس به رجال كهنوت أو رجال دين، كما أن العلماء أو الحكومة في الإسلام ليسوا أوصياء من الله على خلقه.
والثِيُقراطية كانت غايتها في هذه النظريات تبرير السلطة التي يتمتع بها الحكام في مواجهة المحكومين، حتى تكون لتلك السلطة قداسة في نفوس الناس، يخضعون لها ويتلقون أوامرها بدافع من أنفسهم، لأن سلطة الحكام مستمدة من الله، وهم خلفاء الله في أرضه، ولا يسألون أمام شعبهم لأن سلطتهم مطلقة، وإنما يسألون أمام الله الذين منحهم هذه السلطة.

أنواع الحكومات الثِيُقراطية:
تتمثل الثِيُّقراطية في ثلاثة أنواع:
أولاً: الطبيعة الإلهية للحكام.
ثانياً: نظرية الحق الإلهي المباشر.
ثالثاً: نظرية الحق الإلهي غير المباشر.
- الأول: الطبيعة الإلهية للحكام، وهو القسم الذي يقول: إن الحكام هم "آلهة" يعيشون بين البشر ويحكمونهم، وهو صنف ظهر في الممالك والإمبراطوريات القديمة في مصر والصين وبلاد فارس. وقد زالت هذه النظرية منذ زمن بعيد وآخر بقاياها كان موجودا لدى إمبراطور اليابان حتى الحرب العالمية الثانية حين انتهت والى الأبد النظرة "المقدسة" لإمبراطور اليابان.
- الثاني: نظرية الحق الإلهي المباشر، وهو القسم الذي يقوم على أساس أن الحاكم هو من البشر، وليس له من طبيعة إلهية كما كان يدعي الفراعنة، لكنهم يعتبرون أنفسهم "إن الإله اختارهم للسلطة" وقد خصهم وحدهم بممارسة السلطة دون تدخل من سكان الأرض الذين عليهم فقط طاعة حكامهم وأن معصيتهم تعتبر معصية لله. وقد اعتنقت الكنيسة المسيحية هذه النظرية فنادى بها الكهنة والقديسون بان "الإرادة الإلهية" هي مصدر كل سلطة على الأرض. وقد استخدم ملوك فرنسا هذه النظرية استخداماً كلياً لفرض سيطرتهم الدكتاتورية على الشعب وخاصة "لويس" الرابع عشر خلال القرن السابع عشر الميلادي.
- الثالث: نظرية الحق الإلهي غير المباشر، وهو القسم الذي اعتمد على نظرية الحق الإلهي غير المباشر التي ترى أن الله هو الذي يختار الحاكم ليس مباشرة بل بواسطة هداية الشعب لانتخاب هذا أو ذاك من الحكام بإرشاد وتوجيه من الإرادة الإلهية، أي الاختيار هنا يتم بطريق غير مباشر.
حيث يتم اعتبار الحاكم هو مبعوث العناية الإلهية وأنه ملهم لا يخطي ثاقب الرأي حاد البصر والبصيرة حكيم الحكماء وفقيه الفقهاء ولا يجوز لكل ما تقدم أن يعارضه أحد لأنه وحده الذي يملك الرؤية الوحيدة الصحيحة فهو يعلم والناس لا يعلمون، وهو يري والآخرون عميان، وهو يسعى دائماً للصواب والحق والعدل وإن بدا للبعض عكس ذلك. من كل ما سبق ولكل ما سبق فلا يمكن معاقبته ولا الخروج عليه ومن يفعل ذلك فقد خرج على الناموس وفقد بذلك أي حق في الرحمة والتعاطف من النظام الذي نصب قائده فوق الجميع فلا شيء له قداسة فوق قداسة الحاكم.
والحاكم في هذه الدولة دائماً على الحق حتى لو اتخذ قراراً وعاد فيه؛ فهو في المرة الأولي حكيماً وفي المرة الثانية عبقري، وربما في المرة الثالثة جهبذ. المهم أن هؤلاء الحكام ليسوا كالبشر يخطئون أو حتى يسيئون التقدير. أنهم أنبياء هذا الزمان وكل زمان يتحولون بالبلاد من نظام إلى نظام ونفس الأشخاص يصفقون ويرقصون ويمجدون النظام الأول، ويمدحون وينظمون الشعر والقوافي فرحاً، ويسطرون النثر طرباً بالنظام الثاني.

مثال تاريخي على الحكومة الثِيُقراطية:
فلورنسا:
كانت حكومتها حكومة ثِيُقراطية أثناء فترة حكم الراهب الدومينيكاني "جيرولامو سافونارولا" (Girolamo Savonarola‏) ما بين عام1494م إلى عام1498م ويمكن وصف ذلك الحكم بالثِيُقراطي. خلال فترة حكمه، لأنه في ذلك الوقت أحرقت الكتب غير المسيحية، وكذلك التماثيل، وكتب الأشعار، وغيرها من الثقافات؛ فيما عرف بــــــ "مشعلة الأباطيل" (Bonfire of the Vanities‏).

دول تحمل سمات الحكم الثِيُوقراطي:
إيران:
توصف حكومة إيران بأنها "جمهورية ثِيُقراطية". يقوم مجلس منتخب نصف عدد أعضاءه بتعيين فقيه إسلامي مدى الحياة في منصب القائد الأعلى. مجلس الخبراء، الذي يعتبر جهة تنفيذية في الحكومة، يحمل مسؤولية تحديد ما إذا كانت التشريعات القانونية مطابقة لشريعة الإسلام الرافضية؛ بالإضافة إلى مهمته في منع الناخبين الذين لا يرى فيهم الأهلية الكافية عند ترشيحهم.

الفاتيكان:
في 1929م، اعترف وبشكل رسمي بالفاتيكان كمدينة ودولة مستقلة بعد عقد اتفاقيات مع الحكومة الإيطالية. ينتخب "مجمع الكرادلة" (College of Cardinals) ، وهو تجمع لرجال الدين الكاثوليكيين، الأب الذي يكون بعد ذلك رئيساً. يُنتخب الأب لفترة تمتد إلى مدى حياته، ويحق للكرادلة فقط انتخابه. يُعين الأب وزير الخارجية المسؤول عن العلاقات الدولية. يخضع القانون هنالك لإملاءات الأب واجتماعات يعقدها رجال الدين، ولا يسمح للنساء بتولي أي منصب رسمي في الفاتيكان.
كما يمكن اعتبار حكم المهدي في السودان، وحكم طالبان في أفغانستان، حكمان ثِيُقراطيان.

الإسلام والثِيُقراطية:
في البلاد العربية والإسلامية يختلف موقع الدين عن موقعه لدى الأمم الأخرى من اليهود والنصارى في أوربا وأهل الديانات الوثنية في الصين واليابان، فبيئتنا الاجتماعية والثقافية في مجتمعاتنا المسلمة تختلف عن نظيراتها في المجتمعات غير المسلمة، وكلا البيئتان تتصفان بأنهما تعطيان أهمية خاصة للدين.
مشكلة العلاقة بين الدولة والدين تتجلى في صيغ تعتبر مختلفة عن تلك التي استخدمت لدى الآخرين، وفي الإسلام لا يوجد مفهوم واضح يقضي بفصل الدين عن الدولة، أي التفريق بين ما هو ديني وما هو دنيوي، والإسلام يتضمن كلا الأمرَيْن في الحياة الاجتماعية. لذلك فقد نشأ تفاهم ضمني بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية، أسهمت بمقتضاه المؤسسة الدينية في حشد التأييد الشعبي اللازم للسلطة القائمة، وفي المقابل أخذت السلطة السياسية على عاتقها الالتزام بمبادئ الإسلام كما يتم تعريفها من قبل النخب الدينية، والقبول بإطروحات الفقهاء في تفسير مجالات الحياة الاجتماعية.
ومنذ أن بدأت موجة المد الديني المعاصرة، أصبح يدور الحديث في أوساط المثقفين حول قيام حكم "ثِيُقراطي"، ويتحدث آخرون عن أن الحكومات المتواجدة في إيران، وفي السودان - إلى عهد قريب - وأفغانستان أثناء حكم "طالبان"، أنها حكومات "ثِيُقراطية"، فهل يعني ذلك أن الإسلام "ثِيُقراطي"؟
الجواب على هذا التساؤل محير جداً، فهو يحمل في طياته الأمرين: نعم ولا، وكلاهما قد يصح.
العديد من المفكرين في الغرب يصفون الإسلام بأنه نظام "ثِيُقراطي" في الوقت نفسه الذي يرفض فيه مفكرو البلاد العربية والإسلامية ذلك، ويردون عليه بسخط شديد. ومن جانبنا نشير إلى أنه وفقاً للمصطلحات التي يستخدمونها يعتبر كلا الطرفين محقاً اعتماداً على المعنى الذي يراد به المصطلح "الثِيُقراطية".
من وجهة نظر المفكرين الإسلاميين والمؤرخين وعلماء "الثيولوجية" الذين يرفضون فكرة أن الإسلام ثِيُقراطية يعتبر معنى المصطلح واضحاً جداً، فكما يشير هؤلاء، لا يوجد في الإسلام الصحيح كنيسة أو نظام كنسي، ولا رهبان وكهنة بالمعنى الخاص بقدسية الكاهن والمؤسسة التي ينتمي إليها. وفي الإسلام لا توجد دولة دينية على نمط الفاتيكان يرأسها البابا الذي يحيط به ويتبعه رهبان وأحبار، مثلما لا يوجد مجلس كنسي، ولا يوجد أيضاً تسلسل لرجال الدين.
ووفقاً لذلك يجادل هؤلاء بأنه طالما أن الثِيُقراطية تعني وجود حكومة تقيمها الكنيسة ويحكمها الرهبان، فإن النتيجة هي أن الإسلام ليس ثِيُقراطية، وأنه لا يمكن أن يكون كذلك جملة وتفصيلاً.
أما بالنسبة لوجهة النظر المقابلة، فإن معنى الثِيُقراطية مختلف تماماً، فهؤلاء يوافقون على أنه لا يوجد كهنوت في الإسلام بمعنى وجود سلطة مقدسة تقوم بدور الوساطة بين الإنسان والخالق، ولكنهم يقولون: بوجود نمط من الكهنوت المهم جداً بالمعنى السيسيولوجي للمصطلح.
هذا الكهنوت يتكون من فئة من الرجال المتخصصين في الدين الإسلامي يحصلون على أوضاعهم عن طريق التعلم عوضاً عن ممارسة الوساطة أو التمتع بالوضع التسلسلي، وهم من ناحية عملية يمارسون دوراً كالذي يمارسه رجال الدين المسيحي، ولكن بطرق مختلفة وعلى أسس مختلفة. وهؤلاء يعتبرون قضاة وثيولوجيين في الوقت نفسه، لأن الشأنين متداخلان في الإسلام، وبوظيفتهم تلك يقومون بتطبيق شرع الله لأكثر الأهداف عملية، لذلك فهم يمارسون السلطة بطريقة واقعية، رغم أن تلك السلطة ليست هي السلطة السياسية الصرفة.
بعض المفكرين يرون أن الإسلام من حيث المبدأ، إن لم يكن من حيث الممارسة يعتبر "ثِيُقراطياً" بطريقة أخرى أكثر عمقاً، فإذا ما كانت "الثِيُقراطية" تعني من ناحية لغوية أن سلطة الخالق فوق كل سلطة أخرى، فإن الإسلام كان دائماً عبارة عن "ثِيُقراطية" من الناحية النظرية على الأقل.
أما المسيحيين القدماء خاصة في روما القديمة كان القيصر إلهاً، وفي المسيحية يعيش القيصر والإله جنباً إلى جنب. أما في الإسلام فإن الله واحد أحد وهو خالق كل شيء والمسيطر على كل شيء ولا يشاركه في ذلك أحد، وهو مصدر كل شيء بما في ذلك سلطة الدولة وسيادة القانون ومن يحكمون ويطبقون ذلك القانون، وكل من يقول بغير ذلك فهو عدو الله، فالله له الملك من قبل ومن بعد.

الثِيُقراطية الأمريكية:
قبل أربعة عقود تقريباً، ألف "كيفين فيليبس" - المتخصص آن ذاك في الإستراتيجية السياسية - كتابه "الأغلبية الجمهورية المتصاعدة" الذي نشر عام 1969م، طرح عدة أسئلة في غاية الأهمية حول السياسة الأمريكية ونهجها الثِيُقراطي حسب رأيه، وكيف ستؤثر التغييرات السكانية والاقتصادية التي شهدتها أمريكا، على مستقبل الحزبين الرئيسيين على المدى البعيد؟

وقد كانت إجابته على هذا السؤال، والتي كانت مفاجئة في ذلك الوقت، هي أن عملية انتقال الناس والموارد من الولايات الشمالية الصناعية القديمة إلى الجنوب والغرب (وهي المنطقة التي يسميها هو دائماً "بحزام الشمس") ستؤدي إلى نشوء أغلبية جمهورية تتميز بالمزيد من المحافظة، وستهيمن على السياسة الأمريكية لعدة عقود.
وقد كان "فيليبس" متفائلاً في نظرته إلى تلك التوقعات التي توصل إليها. حيث أنه، حسب اعتقاده، أن وجود حزب جمهوري يتمتع بالمزيد من القوة، سيحافظ على الاستقرار والنظام في مجتمع يواجه الحيرة، ويواجه تغييرات عنيفة في بعض الأحيان. وقبل فترة وجيزة من نشر كتابه، انضم الرجل إلى إدارة الرئيس "نيكسون"، وذلك للمساعدة في خدمة التغييرات التي تنبأ بها.
وقد ظل "فيليبس" كاتباً سياسياً طيلة العقود التي تلت تلك الفترة، غير أنه منذ مدة طويلة هدَّأ من حماسه للتحالف الجمهوري الذي ساعد في بنائه. وكتابه الأخير (وهو الكتاب الثالث عشر) يلقي من خلاله نظرة عامة وتاريخية على العالم السياسي الذي اجتهد في بنائه التحالف المحافظ خلال العقود الماضية. فهو لم يعد ينظر إلى حكومة الجمهوريين على أنها مصدر للاستقرار والنظام. بل على العكس من ذلك، يقدم رؤية مرعبة للتطرف الأيديولوجي، والاستهانة بالمسؤوليات المالية، وتفشي خطير للطمع وضيق الأفق. (الفصل الأخير في كتابه بعنوان "الأغلبية الجمهورية الضالة"). وفي عصر الكتب الأكثر مبيعاً في كلا الجانبين من التقسيم السياسي، فإن كتاب "الثِيُقراطية الأمريكية" ربما يكون من التحليلات الأكثر خطورة لما يمر به العالم اليوم، وما يمكن أن يكون عليه بعد عدة سنوات. ومع أنه لا يخلوا من الانفعالات، إلاّ أنه وعلى العكس من التعليقات السياسية الشديدة والأكثر صراحة التي ظهرت في السنوات الأخيرة، قد تم بحثه بشكل واسع، وهو في مجمله يعد تحليلاً مقنعاً بشكل مرعب.
وبالرغم من أن "فليبس" ينتقد ما يعتبرها سياسات خطيرة لإدارة "بوش"، إلاّ أنه لا يضيع كثيراً من الوقت في تقييم أفكار وتصرفات الرئيس ومستشاريه. وبدلاً من ذلك، يقوم بتحديد ثلاثة اتجاهات عامة ومتصلة ببعضها البعض - وهو يعتقد أن كل هذه الاتجاهات ليست جديدة على عهد "بوش"، ولكنها استفحلت بفعل السياسات التي انتهجتها إدارته - وهذه الاتجاهات مجتمعة تهدد مستقبل الولايات المتحدة والعالم.
ويقول "فيليبس": أن المسيحيون الذين يؤمنون بالنبوءات، عادة ما يقومون برسم رؤيتهم للسياسة والعالم حول إشارات بعض النصابين من العلماء الإنجيليين الذين يعرفون بالعرافين - ومن بين هذه الإشارات الحرب على العراق، وسكنى اليهود في جميع أراضي إسرائيل التوراتية، وحتى ظهور الإرهاب. ويبين "فيليبس" عن قناعة تامة بأن إدارة "بوش" مدت يدها إلى هؤلاء المؤمنين وشجعتهم على أن ينظروا إلى سياسات الرئيس على أنها استجابة لفكر ما قبل الألفية (premillennialist). وهو يقترح أيضاً أن الرئيس وأعضاء إدارته الآخرين ربما يؤمنون هم أنفسهم بهذه الأمور، أي أن المعتقدات الدينية هي الأساس الذي تقوم عليه سياساتهم، وليس كمجرد تخطيط مرحلي لإقناع الشعب. والدليل الذي يسوقه "فيليبس" على هذا الأمر يثير قلقاً شديداً، ولكنه ليس حاسماً.
وهذا دليل على أن حرب أمريكا على العالم الإسلامي حرب عقدية في المقام الأول، وليست حرباً اقتصادية كما يروج لذلك العلمانيون وأمثالهم من أصحاب نظرية المدنية الحديثة. وقد اتضح ذلك في عهد حكم "بوش" الابن لأمريكا كما نوه عنه " فيليبس".
يقول "فيليبس": إن خلق ثقافة الدَّين الوطني، بالرغم من أنه تفاقم بفعل السياسات التي انتهجتها إدارة "بوش"، إلاّ أنها كانت مجال عمل الكثيرين لعدة قرون مضت ومن بين هؤلاء "ألان غرينسبان"، والذي قال عنه "فيليبس" بشكل لاذع؛ أنه تجاهل الديون المتصاعدة بشكل غير مسؤول حتى يتجنب التأثير في طفرة سوق الأسهم المالية التي ساعد في إيجادها. والأهم من كل ذلك أنه نتاج تحول الاقتصاد الأمريكي إلى اقتصاد مالي - وهو التحول من التصنيع إلى اقتصاد يعتمد على تحريك وإدارة الأموال - وهو الاتجاه الذي يقول "فيليبس": إنه تم تشجيعه عن طريق الاستغراق في النفط، وكذلك (وبدرجة أقل) بالمعتقدات الإنجيلية عن "النشوة" الوشيكة، والتي ترى في التخطيط للمستقبل أمر غير ضروري.

الفرق بين الدولة الثِيُقراطية، والدولة المدنية، والدولة الإسلامية:
لقد كثر الكلام حول الدولة المدنية بيْن متقبل لها ورافض، وبين مَن يراها توافق الإسلام ومن يراها تناقضه مناقضة صريحة.
بل لم يَسلم المتقبلون لها مِن الاختلاف حولها، فمن يراها مِن جهة المضمون هي الإسلام، ومن يرى وجوب تقييدها بكونها ذات مرجعية إسلامية لتوافق الإسلام، وهذا الاختلاف يدل على عدم وضوح هذا المصطلح عند الكثيرين، أو وضوحه واختلافهم في تقبله؛ لذا أرى أن الأمر يحتاج مزيد بيان لحقيقة الدولة المدنية والدولة الثِيُقراطية، وموقف الإسلام منهما، فأقول:

الدولة الثِيُقراطية:
هي الدولة الدينية على المفهوم الذي ساد أوروبا لقرون طويلة في ظل هيمنة وسيطرة رجال الكنيسة على مقاليد الأمور؛ وهي دولة تجتمع فيها سلطة الحاكم وسلطة التقنين والتشريع بيد الكنيسة، ممثلة في البابا والقساوسة ومَن يرضون عنه ويقرونه مِن الحكام مِن الأباطرة والقياصرة والملوك والأمراء، ومَن دار في فلكهم مِن الأمراء والنبلاء والإقطاعيين، فالحكم هنا مطلق، والتشريع حق للكنيسة، وللبابا قداسة وعصمة، بتفويض إلهي.
ومن تقره الكنيسة مِن الحكام فله الحكم المطلق أيضًا مؤيد بتوفيق وإلهام مِن الرب، كما كانوا يعتقدون.
وعامة الشعب لا يتمتعون بكثير مِن الحريات؛ فهم منقادون مقلدون لــــ "رجال الكنيسة"، خاضعون لحكامهم، لا يَسلمون من تعدي أصحاب النفوذ عليهم، واستبدادهم بهم.
وهذا هو واقع أوروبا قبل عصر النهضة، وينبغي أن ننتبه إلى أنه خلال هذه الأزمنة مِن استبداد الكنيسة وطغيانها كانت البلاد الإسلامية تعيش في ظل الدولة الإسلامية لا تعرف العصمة والقداسة لحكامها، ويتمتع سائر المسلمين في بلاد الإسلام بحرية العمل والتجارة والتنقل والتملك، وحرية الفكر والرأي والاعتقاد، في ظل ضوابط الشرع وأحكامه، وقادت الأمة الإسلامية بحضارتها البشرية إلى الرقي والتقدم في ظل التسامح والعدل والأمن والأمان.
ولقد اختلط الأوروبيون بالمسلمين كثيرًا خلال هذه الأزمنة مِن خلال الحروب الصليبية والتبادل التجاري، ومِن خلال تواجد المسلمين في شرق أوروبا، وفي الأندلس "أسبانيا".
ولا شك أنهم رأوا وأدركوا الفارق الكبير بيْن خضوعهم لاستبداد الكنيسة ومَن ورائها الحكام، وبيْن ما عليه المسلمون مِن الحريات والرقي بمقاييس عصرهم، ولا نشك أن هذا كان من دوافع ثورة الأوروبيين بعد ذلك على نظامهم الثِيُقراطي.
والعجب كل العجب ممن يأتي محاولاً إسقاط مفاسد ومخازي الدولة الثِيُقراطية التي عاشتها أوروبا وحدها دون غيرها على الدولة الإسلامية؛ لكون الدولة الإسلامية دولة دينية؛ مع الفارق الكبير بين الدولة الدينية الثِيُقراطية، ومفهوم الدولة الدينية الإسلامية كما عرفها ومارسها المسلمون عبر تاريخهم الطويل.

الدولة المدنية:
جاء ظهور الدولة المدنية في أوروبا كنتيجة للخروج على الدولة الثِيُقراطية، والتخلص مِن سيطرة الكنيسة واستبداد الحكام الذين استمدوا سلطاتهم مِن الكنيسة؛ فكان الغرض الاستقلال عن هيمنة وتدخل الكنيسة؛ لذا أعلنها الأوروبيون علمانية تفصل الدين عن الدولة صراحة، وحصروا سلطان الكنيسة التي تمثل الدين عندهم داخل جدرانها.
وأعلنها الأوروبيون ديمُقراطية ترفض سيطرة الأباطرة والملوك والإقطاعيين وتجعل الحكم فيها لكل فئات الشعب بلا تمييز.
فيحكم الشعب نفسه بنفسه، يختار مَن يحكمه، ويكون مصدر السلطات مِن نواب يمثلونه، في سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، في ظل حق الشعب في التقنين والتشريع بعيدًا عن سلطة الكنيسة؛ أي أنه في الدولة المدنية تجتمع سلطة الحكم وسلطة التشريع في يد الشعب بكل فئاته بلا تمييز.
وقد بلغ الخروج على الكنيسة مداه بانقسام الكنيسة على نفسها لما عارض القس الألماني "مارتن لوثر" ممارسات الكنيسة الكاثوليكية، واصطدم في ذلك ببابا الكاثوليك وسلطانه حتى أنكر عصمته، وأسس طائفة البروتستانت في أوروبا؛ فكانت صورة أخرى مِن صور التحرر التدريجي مِن الاستبداد السائد، فظهرت الاتجاهات الليبرالية "التحررية" الداعية إلى حرية العمل والتجارة والتنقل والتملك، والاعتقاد والعبادة بعيدًا عن تسلط الكنيسة وتعدي الملوك والإقطاعيين.
وتعددت المناهج والاتجاهات المتصارعة إلى حد التناقض في السياسة والاقتصاد والنواحي الاجتماعية والأخلاقية في ظل علمانية تفصل الدين - أي دين - عن الدنيا، وليبرالية تحررية ترى العيش في فوضى فكرية خير مِن قيود الاستبداد.
فتحولت أوروبا إلى حضارة مادية تعادي كل الأديان فتستحل الربا والزنا والخمور والشذوذ الجنسي وتتعصب للأوروبي الأبيض إلى درجة تستعبد فيها الشعوب الفقيرة، وتبيد الشعوب الضعيفة لتستولي على أراضيها وخيراتها وثرواتها بلا وخزة من ضمير.
وتمارس علمانية ملحدة وديمُقراطية طاغية ترى الحق مع من يعلي شأنها، وترى الباطل مع مَن يتصدى لها، وزاد مِن كبرها أنها حازت السبق في ميادين العالم والمعرفة والتكنولوجيا والإنتاج والتفوق العسكري؛ فجعلتها أدواتها في السيطرة على شعوب العالم أجمع باسم: العولمة، والنظام العالمي الجديد.

الدولة الإسلامية:
هي دولة دينية تلتزم بشرع الإسلام ومنهجه، وتتحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، دولة كانت واقعًا لقرون عبر تاريخ طويل، كانت السلطة الحاكمة فيها للشعب فهو يختار حكامه مِن أفراده ويبايعهم، وينتقي منهم أهل الحل والعقد أصحاب الدراية بالشرع، والخبرة بنواحي الحياة مع الصلاح والاستقامة.
دولة تعرف الشورى وحرية الرأي والتعبير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه، ولكن الشعب بسلطاته الحاكمة يخضع لشرع الله، أي أن السلطة التشريعية للشريعة الإسلامية يعمل الجميع بمقتضاها، ولا يسعهم الخروج عنها؛ فهي دولة قانون، وقانونها أحكام الإسلام، والكل أمامها سواء.
يتبين لنا مِن ذلك الفارق الكبير بيْن نظام كل دولة مِن الدول التي ذكرناها:
1- فالدولة الثِيُقراطية: دولة دينية سادت أوروبا وحدها في القرون الوسطى الميلادية، انفردت فيها الكنيسة ومَن ارتضتهم مِن الحكام بسلطة الحكم وسلطة التشريع في ظل اعتقاد بعصمة الكنيسة وقدسيتها وتفويض الرب لها.
2- أما الدولة المدنية: فهي دولة سادت أوروبا بعد عصر النهضة، أخذت بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة؛ لتتخلص مِن استبداد الكنيسة وأعوانها، دولة ينفرد فيها الشعب بفئاته وطوائفه بسلطة الحكم بالتمثيل والاختيار، وبسلطة التشريع في ظل الاعتقاد بحق الشعب في أن يشرع لنفسه ما يراه صالحًا له ونافعًا.
3- أما الدولة الإسلامية: فهي دولة حكمت المسلمين لقرون طويلة بشرع الله تعالى، لا تفصل الدين عن الدولة، دولة سلطة الحكم فيها للشعب، ولكن سلطة التشريع والتقنين فيها للشرع، أي أن الدولة الإسلامية توافق في المضمون الدولة المدنية مِن جهة أن السلطة الحاكمة فيها مِن الشعب، وتخالف الدولة المدنية في أن سلطة التشريع فيها للشرع، لا مِن الشعب، فليس للشعب فيها حق التشريع.
فالدولة الإسلامية تتناقض تمامًا مع الدولة الثِيُقراطية؛ إذ تجعل سلطة الحكم مِن الشعب بجميع طوائفه ولا تقصرها على رجال الدين، ومَن ارتضوه مِن الملوك دون غيرهم، وهي تجعل سلطة التشريع لشرع الإسلام، وترفض أن يتحاكم الناس إلى رجال الدين أو غيرهم، وترى التحاكم لغير شرع الله تعالى كفر، وخروج عن الدين؛ لكونه تحاكم للطاغوت.
ومعلوم أن الإسلام لا يعرف طبقة رجال الدين كما عرفتها الكنيسة، وإنما هناك علماء في الدين درسوه وفهموه، ونبغوا فيه علمًا وعملاً، وأي فرد يمكنه أن يكون منهم إذا حذا حذوهم، وهؤلاء العلماء تسترشد الأمة بعلمهم، فهم فئة لها دورها الهام في الأمة، قد يكون منهم مَن تختاره الأمة ليكون عضوًا في السلطة الحاكمة، أو أهل الحل والعقد، وقد يكون مواطنًا كغيره يعمل ويجتهد في خدمة دينه ثم أمته بعلمه بعيدًا عن أمور السياسة المباشرة، وهم قبل ذلك وبعده لا قداسة لهم ولا عصمة، وإن نالوا حب الناس وتقديرهم لما هم عليه من العلم والصلاح.
وهذا الجدول يبين الفرق بين نظام الدول الثلاث:
وجه المقارنة الدولة الثِيُقراطية الدولة المدنية الدولة الإسلامية
المكان والتاريخ أوروبا قبل عصر النهضة أوروبا بعد عصر النهضة العالم الإسلامي طوال تاريخه وحتى الاحتلال الأوربي العسكري لبلاده
السلطة التنفيذية للكنيسة وأعوانها لكل الشعب فالشعب مصدر السلطة لكل الشعب والشعب هو مصدر السلطة
حق التشريع والتقنين للكنيسة لكل الشعب؛ عن طريق السلطة التشريعية الشرع لله تعالى
نتائج التطبيق استبداد وطغيان وقهر صراع مذهبي وفوضى فكرية واستعباد للشعوب الضعيفة أمن وأمان وحرية حقيقية واستقرار ورفاهية

المصادر:
1- جريدة الاتحاد الإماراتية، بتصرف.
2- جريدة الشرق القطرية، بتصرف.
3- التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، تأليف: حيدر إبراهيم علي.
4- الموسوعة الكاثوليكية.
5- الثِيُقراطية؛ تعريف من قاموس ميريام وبستر.
6- حقائق العالم، إيران.
7- حقائق العالم؛ الكرسي الرسولي.




 3  0  1285
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:08 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.