• ×

08:59 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

صفات مثالية لقاض و صاحب قضية (7)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أولا ـ الآثار السلبية في التشدد في العقوبة
إن التشدد في العقوبة والإفراط في ذلك قد تكون له آثار سلبية ألخصها فيما يلي:
أولا ـ إطالة عقوبة السجن تؤدي للنتائج السلبية التالية :
1 ـ يترتب عليه امتلاء السجون بالسجناء مما يضطر معه المسئولون إلى إطلاق سراح السجناء بالعفو بسبب وبدون سبب بين فترة وأخرى ، وذلك من أجل إفراغ السجون لغيرهم من النزلاء الجدد .
2 ـ قد يكون إطالة السجن سببا لاكتساب السجين بعضا من الجرائم ، وأسلوب الجريمة بسبب احتكاكه ببعض النزلاء المتمرسين في الجرائم ، فيتعلم شيئا من أساليب الجريمة لم يكن يعرفها من قبل فيخرج من السجن مجرما متمرسا ، مما يدل على ذلك أن بعض قضايا المخدرات الكبيرة قد تدار من السجن بواسطة سجناء متمرسين ، ولهم خبرة وعلاقة بأرباب تلك الجرائم في الداخل والخارج ، وقد يستغلون من وجد معهم لفترة في تجنيده لخدمة أغراضهم لا سيما إذا وجدوا مدخلا مناسبا لذلك كالحاجة مثلا .
3 ـ إطالة سجن المحكوم قد يكون سببا لفصله من عمله إذا طال غيابه بسبب سجنه ، أو كانت الجريمة التي حكم عليه فيها مخلة بالشرف مما يترتب عليها فصله ، وبذلك يصبح عاطلا فيدعوه ذلك لامتهان الإجرام للكسب .
4 ـ يكلف السجناء خزينة الدولة مبالغ طائلة بسبب ما ينفق عليهم من أجل الحراسة والإعاشة والرعاية الطبية والخدمات الأخرى التي توفر لهم في السجون .
ثانيا ـ رفع عقوبة الجلد .
أما رفع عقوبة الجلد والمبالغة فيه فقد يؤدي إلى الآثار السلبية التالية :
1 ـ الأحكام المفرطة في كثرة الجلد ولو بالرقم القياسي كالجلد ألف جلدة أو أكثر من ذلك أو أقل بقليل قد يكون وسيلة للحاقدين على الشريعة الإسلامية برميها بالقسوة والتزمت والتشدد ، لا سيما وأن الجلد هو من المداخل التي يدخل منها أعداء الإسلام إلى انتقاد الدولة بأنها لا تراعي حقوق الإنسان وأنها تستعمل الشدة والقسوة مع المحكومين بما يصدر ضدهم من عقوبات بالجلد متشددة ويدعون أن فيها إهانة ، وهدرا لكرامة المحكوم عليه .
2 ـ التشدد في ذلك قد يحرج المسئولين بسبب تلك الأحكام المبالغ فيها ، وإذا كانت الأحكام التعزيرية هي مبنية على الاجتهاد ، فإنه ينبغي أن يكتفي من ذلك بما يفي بالغرض حسب اجتهاد القاضي كما وضحنا ذلك سلفا ، وتقدير التعزير يخضع لاعتبارات منها حال المحكوم عليه بالتعزير ، فبعضهم يكفي في تعزيره الزجر والتوبيخ ، أو التوقيف ، أو الجلد عدد جلدات ، وكذلك ينظر لحال الجريمة هل تمثل خطرا واعتداء على الغير أم لا . ؟ ، وينظر أيضا لحال المجتمع الذي وقعت فيه الجريمة فبعض المجتمعات من يعزر فيها بعشر جلدات كمن يعزر في غيرها بمائة جلدة في حصول المقصود من التعزير ، والزجر والردع .
3 ـ إن إكثار عقوبة الجلد في العدد قد يقابل بتنفيذ هزيل غير جاد فلا يحصل به زجر ولا ردع ، والمحكوم عليه قد يعرف ذلك سلفا ، لذلك فهو لا يعيره كبير اهتمام بل قد يتلقى الحكم بالقبول والقناعة وربما بالاستهزاء لأنه يعرف بأن التنفيذ هو شكلي هزلي لا يؤلم .
ثانيا ـ الآثار الإيجابية
في التشدد في العقوبة
وقد تكون هناك آثار إيجابية في التشدد في الأحكام على المجرمين حيث تردع المجرم وتزجره عن الجريمة ، وترده إلى جادة الحق والصواب ، ويكون لذلك أثر إيجابي على غيره ممن تسول له نفسه الوقوع في الجريمة فيعتبر بتلك العقوبة التي رآها وسمع عنها فيكف عن الجريمة ، ومن ثم تقل الجرائم في المجتمع ، ويحل الأمن والاستقرار ، وتصبح للدولة هيبة فيخشى المجرمون من السلطة ( والله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النتيجة في قوله تعالى :وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ البقرة: ١٧٩ ، وهذا يتحقق فيما لو شهد الناس عقاب المجرم ، أو علموا بذلك ، وهذا المقصد في العقوبة أشارت إليه الآية الكريمة في عقاب الزاني والزانية في قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ النور: ٢ ، فقوله تعالى : (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) لعل الحكمة من ذلك ـ والله أعلم ـ ليشعر الجاني بالخجل فيرتدع ، ويرى غيره ما وقع عليه من العقاب بسبب جريمته فيزدجر .
لكن الذي يحصل في الغالب أنه لا يعلم بسجن المحكوم عليه إلا خاصته أو من هو على شاكلته ، وكذلك جلده فقد يكون الجلد في السجن أو في أماكن لا يتواجد فيها من يراد منهم الازدجار والاعتبار .
لذا فالتشدد في العقوبة قد لا يكون سببا كافيا لإصلاح الواقع في الجريمة ، وقد لا يحصل به الزجر والردع لغيره ، بل قد يكون للتشدد في التعزير آثار سلبية على المجرم حيث يستمرئ العقوبة ويتعود على الذل والإهانة فيتبلد ذهنه ويفقد الإحساس بالخجل من العقوبة ، وقد يحقد على المجتمع وعلى الدولة بسبب ما لحقه من العقاب المفرط في حال التشدد فيه ، ومن ثم فقد يتمادى في الجريمة ، ويعود إليها مرة بعد أخرى ، وهذا ما يشاهد من أهل السوابق فما إن ينتهي من عقوبة جريمة حتى يرتكب أخرى ، وقد يؤلف مع من هم على شاكلته عصابات للجريمة ، وعليه فقد يكون الاعتدال في العقاب المصحوب بشيء من الإرشاد والتوجيه والمتابعة لمن أظهر الندم والتوبة هو أكثر نفعا وأكثر جدوى ، وقد عالجت قضايا بهذا الأسلوب عند ما كنت على رأس العمل فوجدت لذلك أثرا طيبا أدى إلى المقصود من التعزير ، وكتبت في هذا الموضوع بحثا تحت عنوان ( الجانحون . . كيف تعالج قضاياهم . ؟ . ) وأرى في الأخير دعوة للعقاب بالأحكام البديلة ، وكذلك الحد من حرية المحكوم عليهم الذين لا يمثلون خطرا خارج السجن بدلا من إبقائهم في السجن ، وهذه أفكار جميلة ينبغي أن تطور من مختصين ما دامت تؤدي الغرض من التعزير .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دوافع الوقوع في الجريمة
إذا كانت المجتمعات قبل النهضة الحاضرة في أغلبها مكونة من أفراد العشيرة أو القبيلة أو الحي الذي يعرف بعضهم بعضا ، وقد تكون ثقافتهم وعاداتهم وسلوكهم في الغالب متشابهة متقاربة ، وهي مجتمعات مغلقة على أصحابها وقل أن يدخل مجتمعهم من غيرهم من يستطيع التأثير عليهم في تغيير عاداتهم وسلوكهم لأنهم يستنكرون أي سلوك يخالف ما درجوا عليه من العادات والتقاليد ، وأفراد هذه المجتمعات يتضامنون ويتعاونون في المحافظة على عاداتهم والإنكار على من يخالف عاداتهم وتقاليدهم ، وربما تضامنوا في عقابه أو نفيه فيشعر المقيم في هذه المجتمعات بالخوف والعيب عند مخالفة ما هو عليه ذلك المجتمع .
لذلك تجد المجتمع كله محافظا على ما تعود عليه من قيم وعادات ولا يستطيع الفرد فيه الخروج عن المألوف من تلك العادات والتقاليد والقيم .
أما المجتمع في وقتنا الحاضر فقد اختلف تكوين نسيجه عما كان عليه قبل النهضة الحاضرة ، وأصبح يصدق عليه قول القائل : اختلط فيه الحابل بالنابل ، كما حدثت أشياء لم تكن موجودة في الماضي وأصبح لها تأثير واضح في سلوك الفرد وتكوينه الفكري والديني والثقافي والاجتماعي ، ونستطيع تلخيص واقع المجتمع في الماضي والمؤثرات التي كانت فيه ، وواقع المجتمع في الوقت الحاضر والمؤثرات التي استجدت فيه تحت العنوانين التاليين .
واقع المجتمع في الماضي
كان المجتمع قبل النهضة والاختراعات الحاضرة محدودا في عدد أفراده ، وفي المساحة التي يتواجد فيها أفراده ، ويعتبر مجتمعا مغلقا على نفسه منعزلا عن غيره بقيمه وعاداته وتقاليده ، ونستطيع أن نحدد ما يتميز به المجتمع في الماضي في النقاط التالية :
أولا ـ إن المجتمع في الماضي يتكون من أفراد العشيرة ، أو القبيلة ، أو القرية ، أو الحي ، وعادة هم من عشيرة واحدة ، أو ينتمون لقبيلة واحدة ، وتوجد بينهم روابط أسرية وقربى تجمعهم وتوحد أفكارهم ، ولهم قيمهم وعاداتهم وتقاليدهم المتميزة ، ومن يعش معهم من غيرهم لا بد أن ينصهر في مجتمعهم ، ويلتزم بقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم ، ويعتبر من مواليهم الموالين لهم .
ثانيا ـ ونظرا لكون أفراد المجتمع في الماضي محدودين في العدد والانتماء فإنهم يلتزمون سلوكا معينا وعادات واحدة ، ومن شذ عن سلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم ينتقد منهم وينكر عليه ، ويشعر بالعيب حين يخالف ما درج عليه ذلك المجتمع .
ثالثا ـ لا يستطيع الفرد في المجتمع الماضي أن يتصرف تصرفا يخالف ما درج عليه مجتمعه ، إما بوازع الدين ، وإما بما يشعر به من العيب وخشية المؤاخذة والنقد من مجتمعه فيما لو خالف ما ألفه مجتمعه .
رابعا ـ لم تكن هناك في الماضي مؤثرات خارجية تؤثر على فكر وسلوك الفرد سوى ما يكتسبه من مجتمعه ، فليست هناك تجمعات من غير أفراد المجتمع ، ولا قنوات تواصل ، ووسائل مؤثرة خارجة عن مجتمعه .
خامسا ـ لا توجد في الماضي وسائل مواصلات سريعة ومتنوعة كما هو الحال في وقتنا الحاضر ، ولا وسائل اتصالات تصله بالمجتمعات الأخرى ، وليست هناك وسائل تثقيف وإعلام يمكن أن يتأثر بها ، ولا دعاة لأفكار غريبة عن أفكار مجتمعه .
سادسا ـ كان مجال طلب العيش في الماضي هو في محيط المجتمع في الغالب ، والسعي في طلب الرزق يشغل وقت كل فرد من أفراد الأسرة صغيرا أو كبيرا ، ذكرا أو أنثى ، حيث يقضي الفرد وقته في مهنته إما مزارعا ، أو راعيا ، أو عاملا في مهنته المحدودة ، أو يعمل أجيرا في محيط مجتمعه .
سابعا ـ لا توجد في الماضي تجمعات تجمع بين أصحاب الأفكار والثقافات المختلفة في المدرسة أو الجامعة أو النادي أو الدائرة الحكومية أو المؤسسة الأهلية كما هو الشأن في وقتنا الحاضر ، بل كل منكب على عمله في محيط مجتمعه الضيق في فكره وثقافته .
ثامنا ـ كان أفراد الأسرة والمجتمع في الماضي يستيقظون مبكرين ليسعوا في مناكب الأرض لطلب الرزق ، وينامون مبكرين وليست هناك دواعي للسهر والسمر إلا ما ندر .
لذلك فالمؤثرات في سلوك الفرد في المجتمع الماضي محدودة بتلك الغرائز التي خلقها الله فيه ، وهي مع ذلك محاطة بما يتصف به الفرد من الدين والخلق والعقل ، وبما يشعر به في مجتمعه من العيب فيما لو تصرف تصرفا يعيبه عليه مجتمعه المحدود الذي يعيش فيه .
واقع المجتمع الحاضر
أما واقع المجتمع الحاضر فقد اختلفت فيه المؤثرات اختلافا كبيرا ، واختلف تكوين المجتمع ، وتعددت مشارب أفراده فكريا ودينيا واجتماعيا ، ونستطيع تلخيص المؤثرات فيه في النقاط التالية :
أولا ـ في وقتنا الحاضر كثر الناس لكثرة النسل بسبب توفر النعم والخيرات ، والرعاية الصحية ، ولذلك قلت الأمراض والوفيات ، وبالتالي كثر أفراد المجتمعات .
ثانيا ـ أصبحت المجتمعات في وقتنا الحاضر في مدن حضرية يتكون نسيجها من خليط أجناس متعددة يحملون طبائع وعادات مختلفة ، ولم تعد من جنس ونسيج وطبع واحد .
ثالثا ـ الفراغ الذي يعيش فيه الشباب في وقتنا الحاضر ، وبالأخص منهم الذين فشلوا في الدراسة ، أو لم يتخرجوا من الدراسة بمستويات تؤهلهم للعمل لم يجدوا أعمالا يشغلون بها أوقاتهم ، ويحصلون منها على دخل يصرفون منه على حاجاتهم فيشكلون فراغا قاتلا يسهل التأثير عليهم .
رابعا ـ تعددت في الوقت الحاضر حاجات الفرد ، وأصبحت مجالات الصرف في الضروريات فضلا عن الكماليات كثيرة جدا في الأكل والشرب واللباس والمسكن والمواصلات والاتصالات إذ لا بد للفرد أن يجاري في ذلك الوضع السائد في مجتمعه ممن هم في سنه وعلى شاكلته .
خامسا ـ فرضت ظروف الحياة الحاضرة أن يتكون أفراد المجتمع في المدينة أو القرية أو الحي من أجناس متعددة تكون لهم في الغالب أفكار وعادات مختلفة ، ولم تعد تربطهم أواصر القربى ، أو العشيرة ، أو القبيلة فقط كما كان في الماضي ، فقد يسكن في الحي أفراد من فئات وانتماءات متعددة بحيث لا يعرف الجار جاره ، وإن عرفه فهي معرفة شكلية قد لا يعرف اسمه أو قبيلته أو جنسيته ، وأصبح الفرد لا يهتم بذلك لأنه لا ارتباط بينه وبين الآخرين تفرض عليه أن يعرف ذلك ، وإن حرص على التعرف على جاره فلا يلبث طويلا حتى يتغير بجار آخر .
سادسا ـ أصبحت المرافق الحكومية ، والمؤسسات الأهلية من مدارس ، وجامعات ، وأندية ، وجمعيات ، ومستشفيات ، ودوائر ، وحدائق ، وأسواق وشركات وغير ذلك من وسائل التلاقي تجمع الناس باختلاف أجناسهم وعاداتهم ومشاربهم فيتأثر بعضهم ببعض في أطوار حياة الفرد من طفولته إلى أن يصبح شابا فارعا ، فكبيرا مسنا ، وعليه لا بد أن يتأثر أو يؤثر بمن رافقهم والتقى بهم وعاش معهم في درب حياته سواء في المدرسة أو الجامعة أو العمل أو المصلحة التي يشترك معهم فيها والتي يلتقي بهم فيها .
سابعا ـ اجتماع الأفراد في وقتنا الحاضر مع غيرهم والتلاقي بينهم أصبح سهلا ميسرا ، وواقعا لا بد منه شاء الفرد أم أبى ، حيث يلتقي الفرد مع غيره في المدرسة والجامعة والدائرة الحكومية والمسجد ، وفي المؤسسة والرحلة ، وفي الحديقة والنادي والجمعية ، وغير ذلك من دواعي التواصل والاختلاط والاجتماع بالآخرين .
ثامنا ـ استجدت في وقتنا الحاضر وسائل المواصلات المختلفة الحديثة التي قربت المسافات ، وأزالت العقبات ، وكذلك وسائل الاتصالات الحديثة المتنوعة التي يسرت للإنسان الاتصال بغيره والتعرف عليه وعلى أفكاره في أي بقعة كان من بقاع العالم كل ذلك بيسر وسهولة .
تاسعا ـ كذلك استجدت وسائل الإعلام المختلفة المسموع منها والمرئي ، وكذلك وسائل اكتساب المعرفة ، ومن ذلك الشبكة المعلوماتية الحديثة ( الانتر نت ) و ما تفرع عنه من وسائل التواصل الاجتماعي كـ( الفيس بوك ) , ( وتويترا ) و( ماسنجر ) وغيرها التي هيأت لمن هو في أقصى الدنيا معرفة ما بأقصاها بحيث يستطيع الوصول إليه وهو في عقر داره أو في غرفة نومه وذلك بلمسة يسيرة بالمؤشر ( الريموت ) حيث يرى ويسمع ما يريد رؤيته وسماعه من خير وشر ، وهي وسائل مغرية ومشوقة وجذابة ومؤثرة ، فإن كان يبحث عن الخير والمعرفة والثقافة فقد يجدها عبر هذه الوسائل ويستفيد منها ، وإن كان يبحث عن غير ذلك فقد يجد ما يريد .
وقد تكون هذه الوسائل موجهة من عدو يريد نشر قيم وعادات وأفكار معينة يقصد من ورائها هدم قيم ومقومات ذلك المجتمع الموجهة إليه ، ومجتمعنا لا شك مستهدف بالإفساد من كثير من أعداء الإسلام والمسلمين ، ومن ذلك ما يبثه الأعداء ويروجون له من سموم وآفات ضارة فاسدة كالتبرج والسفور والدعوة إلى الاختلاط والرذيلة وترويج المخدرات وذلك بقصد القضاء على أسباب قوة المجتمعات المحافظة ، وهدم قيمها وثوابتها من الدين والأخلاق ، ومن ذلك الدعوة للأفكار المنحرفة للتحلل من الأخلاق والفضيلة ، ويكون ذلك كله بأسلوب ماكر خادع ، وبطرق جذابة مغرية يدسون معها السم بالدسم ، وقد تعرض عادات وقيم وأخلاق سيئة مما عليه القوم والتي تختلف كليا عن القيم والعادات المكتسبة من ديننا الإسلامي الحنيف فيتأثر بها من يطلع عليها ويستمع إليها .
هذه المؤثرات لها دور كبير في إفساد الناس ووقوعهم في المعاصي والسيئات ، والمراهقون والشباب والنساء هم المستهدفون من الأعداء ، وهم أكثر عرضة للتأثر بهذه المؤثرات ، والوقوع في حبائل الخطيئة ، ومعلوم أن شباب الأمة هم عمادها ، وهم أملها في مستقبلها فهم رجال الغد الذين سيحملون الراية والرسالة والأمانة بعد آبائهم فإن كانوا صالحين صلح المجتمع واستقام أمره ، وإن كانوا غير ذلك تعرض مجتمعهم للفشل والضياع ، ومن يقع من أفراد المجتمع فريسة لهذه الهجمة الموجهة يجب استصلاحه ورده إلى جادة الحق ، والقضاء جهة معنية بذلك ، ومعنية أيضا بحماية المجتمع من الفساد والمفسدين ، لكن العقاب بالسجن والجلد قد لا يكون كافيا لاستصلاح الجانح إذ لا بد أن يكون العقاب معتدلا مناسبا للمجرم والجريمة ، وأن يتزامن مع التوجيه والإرشاد ، ولما كنت على رأس العمل تأثرت ببعض القضايا التي شاهدتها ، أو سمعت عنها ، وكان بعضها محزنا بالنسبة للواقع فيها ، ومحزنا أيضا حال أسرهم الذين تألموا لوقوع الجريمة من قريبهم ، وكانت معالجة بعض هذه القضايا غير مناسب في نظري .
إذا علم ما تقدم من أن نذر المعصية تحيط بالإنسان ، وأن دواعي الشر والفساد تأتيه من كل جانب ، وأنه غير معصوم من الوقوع في الرذيلة لنوازع الشر المخلوقة فيه ، ولدواعي الخطيئة التي تحيط به ، وللمؤثرات التي قد تؤثر عليه فيقع في الخطيئة والمعصية .
لذلك فإنه ينبغي للمسلم أن يفكر في سبيل النجاة من ذلك الخطر المحدق به ، وأن يفر إلى الله من أسباب هلاكه في الدنيا والآخرة بسبب ما قد يقع فيه من المعاصي والسيئات لقول الله تعالى :فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ الذاريات: ٥٠ ، وسبل النجاة موجودة ومتوفرة ، ولكن الأخذ بها يفتقر إلى عزم وإرادة وتصميم .
إن الله قد جعل للإنسان عقلا وسمعا وبصرا وغير ذلك من الحواس التي يميز بها بين الخير والشر ، والصحيح والباطل ، وقد جعل الله له إرادة في فعل الخير والشر ، وقد أمر بأن يستعمل عقله ولبه ، وأن يفكر في عواقب أموره ، وأن يزن تصرفاته بميزان الشرع ، فما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم فعل منه ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وما نهي عنه تركه واجتنبه جملة وتفصيلا لحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم . متفق عليه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتبع ________________

 2  0  928
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:59 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.