• ×

11:02 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

صفات مثالية لقاض وصاحب قضية (8ـ8)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
صاحب القضية المثالي
إذا علم ما تقدم عن أهمية القضاء ، وصفات القاضي المثالي ، وأنواع القضايا التي تنظر في المحاكم الشرعية وأسلوب نظر كل قضية فإنني أرى بأنه من المناسب أن نختم هذا القول بذكر الصفات المثالية التي ينبغي لمن له قضية أن يتصف بها حين المطالبة بحقوقه .
أقول : ينبغي لمن له قضية يتنازع فيها مع غيره أن يتبع ما يلي :
أولا ـ عليه أن يتقي الله ولا يدفعه حب كسب القضية على الكذب وقول الزور لقول الله تعالى :ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ *حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ الحج: ٣٠ ، وعليه أن يلتزم القسط فيما يدعي به امتثالا لقول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ النساء: ١٣٥
ثانيا ـ عليه معرفة الطرق الشرعية والنظامية التي ينبغي أن يسلكها عند المطالبة بحقه واستصدار حكم قضائي فيما يطالب به امتثالا لقول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ النساء: ٥٩
أقول : ينبغي لمن له قضية أن يدرس قضيته ويتأمل فيها ، ومن المستحسن أن يستخير الله في الإقدام على المطالبة ، ويستشير من عنده علم ، ولديه خبرة بالأحكام الشرعية والمرافعات القضائية لحديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار ، ولا عال من اقتصد . رواه الطبراني في الأوسط . قال الألباني : حديث حسن ، وهذا عام في كل أمر يهم الإنسان بفعله ، ومن ذلك المطالبة بالحقوق ، وفي عهدنا الحاضر وجد محامون ومستشارون لهم خبرة ومعرفة في هذا الشأن ، ورب استشارة مختص وفرت لصاحب القضية وقتا وجهدا كبيرا ، واختصرت له الطريق الموصول إلى حقه .
إجراءات نظامية وشرعية مطلوبة
توجد في المحاكم ( نماذج ) يطلب نظاما من صاحب الدعوى تعبئتها واستكمال ما طلب في حقولها تسمى ( صحيفة دعوى ) ، وإذا استكملت تلك الإجراءات أحيلت القضية آليا للقاضي التي وقف عليه سراء الإحالة ، وبعض المحاكم وفرت هذه الخدمة على مواقعها الاكترونية مما يوفر وقتا وجهدا لصاحب القضية وللموظفين في المحكمة .
وسائل تساعد على كسب القضية
لا شك أن كل صاحب قضية يرغب كسب قضيته بأخصر وقت ، وأقل جهد ، ومما يساعد على ذلك كون الدعوى محررة تحريرا مختصرا واضحا حتى يستوعبها القاضي ، وكذلك الخصم المدعى عليه ، وهذا شرط قضائي جوهري في قبول الدعوى ، قال في كتاب المقنع صفحة ( 621 / 3 ) : ولا تصح الدعوى إلا محررة تحريرا يعلم بها المدًّعى ، وهناك أمور قد تكون سببا في خسارة القضية وعدم كسبها من ذلك :
أولا : جهل المدعي بطريق المرافعات القضائية ، وعدم قدرته في توضيح الدعوى .
ثانيا : تقصيره في عدم دراسة القضية قبل الترافع فيها ، واستشارة من له علم وخبرة بالأحكام الشرعية وطريقة المرافعات القضائية .
ثالثا : تقصيره في عدم إبراز وتوضيح مستنداته وبيناته في الوقت المناسب لأن القاضي إنما يحكم على ضوء ما يسمع من الخصمين .
رابعا : قد يكون سبب خسارة القضية كون الخصم أكثر قدرة في نفي الدعوى ومستندات المدعي ، وهذه الأسباب بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إلي ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها . متفق عليه .
خامسا : قد يكون سبب خسارته للقضية عدم وجود بينة موصلة تثبت ما ادعى به ، وإنكار المدعى عليه للدعوى ، وقد يكون جريئا حين يحلف كاذبا على نفي الدعوى ، وهي يمين الغموس التي ورد الوعيد الشديد فيها ، وقد ذكر العلماء بأنها سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار ، ومما ورد عن اليمين الكاذبة ما يلي :
1 ـ حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان ، قال ثم قرأ رسول الله صلى الله عيه وسلم مصداقه من كتاب الله عز وجل : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ آل عمران: ٧ متفق عليه .
2 ـ وحديث أبي أمامة إياس بن ثعلبة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه ، فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ، فقال له رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ، قال : وإن كان قضيبا من أراك . رواه مسلم .
3 ـ وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : الكبائر الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس . رواه لبخاري
الحكم القضائي لا يبيح حق الغير شرعا وعلى المحكوم له أن يتقي الله ويعلم أن الحكم القضائي قد ينهي النزاع ظاهرا ، ويجب تنفيذه سواء كان صوابا أو خطأ ، لكن ليعلم المحكوم له الذي كسب القضية بناء على لحنه في القول ، أو بينته الكاذبة ، أو يمينه الفاجر فإن الحكم لا يحل حراما ، ولا يبيح مال الغير ، وذلك المال الذي اقتطع بذلك الحكم ظلما سيحاسب عليه من أخذه ، والقضية لن تنتهي بذلك الحكم الذي بني على باطل ، وسوف تستأنف المحاكمة فيه أمام أحكم الحاكمين الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء قال الله تعالى : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا طه: ١١٠ وقال تعالى :وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ الأنعام: ٣ وقال تعالى :أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ المجادلة: ٧ إلى غير ذلك من الآيات ، والظلم في الأحكام هو من المظالم التي يفصل فيها رب العالمين ، وأبواب السماء مفتوحة لاستقبال دعوة المظلوم لحديث خزيمة بن ثابت ، قال صلى الله عليه وسلم : اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام ، يقول الله ، وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين . رواه الطبرني في الكبير ، والضياء . ، وحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال صلى الله عليه وسلم : اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة . رواه الحاكم ، قال الألباني حديث صحيح . ، وحديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال صلى الله عليه وسلم : اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنها ليس دونها حجاب . رواه أحمد في مسنده ، ولأبي يعلى في مسنده والضياء ، قال الألباني : حديث صحيح . ، ولما جاء في حديث معاذ لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، فقال له : واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ، ولعموم حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء . رواه مسلم .
نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه إنه سميع مجيب ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .
مكة المكرمة في 28 / 11 / 1432 هـ . كتبه الفقير إلى الله
د / سليمان بن قاسم الفيفي



 0  0  951
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:02 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.