• ×

08:25 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

الرد على الأستاذ الدكتور الفاضل / عبدالله بن أحمد الفيفي 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

ركام من المآزق والعثرات يستدعيها التعريف بـ "إم"!!



لقد اختصت لهجة (فيفا) باستعمال أداتين للتعريف هما "إم" و "أل" على حد سواء، وبتتبعي لهاتين الحالتين من التعريف، اكتشفت ملمحا يشف عن الدقة في هذه البيئة اللسانية ، وكأن التعريف بـ "إم" جاء ليفتح أفقا واسعا أمام دراسة التعريف وحالاته في لغة العرب .
ومن هذا المنطلق يمكنني القول : إن كل ما ذُكِرَ في السابق حول التعريف بـ " إم " على مر التاريخ ليس دقيقا، طالما لم يكن مبنيا على أساس متين من البحث والاستقراء المنهجي، ولستُ هنا بصدد مناقشة أقوال السابقين ممن عرضوا لهذه الصورة من التعريف، بل سأكتفي بالإشارة إلى عدم صحة ما ارتجلوه حول استبدال "أل" التعريف بـ "إم" عند أقوام من حِمْيَر، وبعض الطائيين، ولن يؤاخذهم من أمعن النظر في أقوالهم المحررة، وإنما سيعذرهم لجهلهم الشديد بهذه المسألة، لكني قد لا ألتمس العذر لمن يتصدى لدراسة هذه اللهجة من أبناء فيفا خصوصا، كالدكتور عبدالله بن أحمد ، فيأتي في محاضرته " لهجات فيفاء جذور العربية " على التعريف قائلا : ( "إم" في لهجتنا وفي اللهجات الجنوبية عموما واليمنية، هي "أل" التعريف، لكن لا تستعمل مع كل الأسماء المعرفة، فالأسماء المشهورة كاليمن والمملكة يعرفونها بـ "أل"، والكلمات التي لها علاقة بالدين الإسلامي، مثلا الصوم، أو القرآن، أو الحديث، لا يقولون (امقرآن)، و(امحديث) وإنما يستعملون "أل" التعريف المعروفة عند العرب، فتعريف ما ليس من ثقافتهم، وبيئتهم، ولهجتهم؛ ويشمل طبعا المفردات الدينية، ولا سيما ما جاء لفظه في القرآن، أو في الحديث، أو الثقافة الإسلامية عموما، فهم يرددون لفظه كما ثقفوه غالبا، وذلك في مسألة التعريف ) راجع النص المسجل الجزء الثاني الدقيقة ( 49د و43ث) وأول الجزء الثالث، ..
قلتُ آنفا : قد لا ألتمس له العذر لكني ربما أضطر لذلك ـ من باب المجاملة ـ فالدكتور حين عرج على ذكر التعريف لم يكن يقرأ من النص المكتوب للمحاضرة، وإنما كان يرتجل ارتجالا عبر تعليقه على مداخلة حول حديث " ليس من امبر امصيام في امسفر"، ومن هذا الباب سألتمس له العذر، متعلقا بأهداب الدهشة والذهول التي قد تباغته على حين غرة طالما لم يعتد مواجهة الجمهور؛ مع إيضاح ما وقع فيه من الأخطاء.
يقول الدكتور عبدالله بن أحمد الفيفي : ( "إم" في لهجتنا وفي اللهجات الجنوبية عموما واليمنية، هي "أل" التعريف ) .
قلتُ: فإن هذا الكلام ليس صحيحا البتة، سواءً ما كان يختص بلسان فيفا، أو عموم اللهجات الجنوبية واليمنية كما أشار، فالجغرافية اللسانية التي تستعمل "إم" التعريف، ليست مطلقة، في جنوب الجزيرة العربية، ولا تقتضي هذا التوسع من قبله، فاستخدام كلمة (عموما)، ّلك لأن لسان صنعاء وما يحيطها من مخاليف ـ على سبيل المثال ـ يقتصر على استخدام "أل" التعريف، دون سواها، بل وغالب المرتفعات اليمنية على ذلك، خلا الأماكن التي استوطنتها قبائل حمير، وقلة منهم ظلت تقطن جهات مأرب وصرواح، أما الأكثرية الساحقة فاستوطنت صعدة وغربها، وشمالها، ومنهم قبائل خولان بن عمرو الحِمْيَرِيّةُ نسبا، وتشكل مناطق تهامة اليمن غرب صعدة، وجنوب غرب المملكة، بتهامة جازان والحزون، والجبال، بيئة لسانية متجانسة شاع فيها استخدم "إم" و"أم" للتعريف، بالكسر والفتح معا، وهي أداة تعريف تدخل على الاسماء التي يصح فيها التنكير، ولا تنوب عن "أل" التعريف مطلقا، ولا تحل محله، عند سائر قبائل خولان الحِمْيَريِّة خاصة .
ويستأنف قائلا : (لكن لا تستعمل مع كل الأسماء المعرفة) .
قلتُ : لقد ناقض نفسه سريعا ولم يمهلها، فكيف يكون التعريف في لهجة فيفا هو : "إم"، كما قرر في العبارة التي سبقت هذه، ثم يؤكد في العبارة التالية بأن هذا التعريف لا يستعمل مع كل الأسماء؟، وعلى هذا كان يتوجب عليه القول : "إم" في لهجتنا للتعريف، إلى جانب "أل"، طالما دخلت على الأسماء المشهورة كاليمن والشام، والمملكة، فإنهم يعرفونها بـ "أل"، وهكذا يصبح قوله مقبولا، إلى جانب هذا الاستثناء لأسماء الأعلام المشهورة، أو اسم الجنس كما ذكر.
ويقول : (والكلمات التي لها علاقة بالدين الإسلامي، مثلا الصوم، والقرآن، والحديث) .
قلتُ : وهذا قول من لا يعرف لهجة فيفا، ولم يسمعها، فهذه الطائفة من الشواهد التي ساقها، باستثناء القرآن ـ لفظا لا معنى ـ إنما تُعَرف بـ "إم" ألم تر أنهم يقولون : (امصوم) امستوم، و(امخَتْمَة)، و(امحديث)؟، وأضيف : (اموضو) للوضوء، و(امصلاة) امستلاة، و(امزكاة) ، و(امَّسجد) ، و(امسجود ) و(امركوع)، و(امّحراب)، و( امحج ) ، و(امحاج) للمفرد ، و(امحجاج) للجمع، الخ .. فهل هذه كلمات لها علاقة بالدين الإسلامي؟ الجواب ؛ نعم! بالتأكيد، ومع ذلك عُرّفَتْ بـ " إم " في لهجة فيفا، ومن قال بخلاف ذلك احتكمنا عند لسان جبل فيفا، أما من ناحيتي فقد سبق أن شرحت ضوابط التعريف في أكثر من مناسبة، ومما قلته حول التعريف بـ "إم" : إن ما أمكن جمعه، أمكن تنكيره، وما أمكن تنكيره دخل عليه التعريف بـ "إم" ، ولقد كان أخي الدكتور من أوائل الذين أطلعتهم على مبحث التعريف، وجاء ضمن رده على رسالتي : " .... بيد أني أرى بحثكم يثير السؤال: ما الهدف منه ؟ - على طرافته - ذلك مالم يتبين لي"(2)، وأعود لما بدأت :

يقول الدكتور الفاضل عبدالله الفيفي : (فتعريف ما ليس من ثقافتهم، وبيئتهم، ولهجتهم؛ ويشمل طبعا المفردات الدينية، ولا سيما ما جاء لفظه في القرآن، أو في الحديث، أو الثقافة الإسلامية عموما، فهم يرددون لفظه كما ثقفوه غالبا، وذلك في مسألة التعريف)

قلت : فإذن يقرر المحاضر بأن المفردات المتعلقة بالدين لم تكن من مكونات ثقافتهم، وليست من نمنمات بيئتهم، ولاهي من مفردات لهجتهم، وطبقا لما قال فكل المفردات المتعلقة بالدين، ولاسيما ما جاء لفظه في القرآن الكريم، إنما هي مفردات طارئة على هذه البيئة اللسانية، ومعجم لم يتشكل في الوجدان اللغوي لفيفا، ولذلك فإنهم يعمدون إلى ترديده تبعا لمصادره. فماذا أبقى لعنوان محاضرته " لهجات فيفاء جذور العربية " ؟ . من ناحيتي أراه قد جنى على عنوانه أولا، بالبراءة من القاموس الديني الذي يمثل ذروته معجم ألفاظ القرآن الكريم، بغض النظر عن معجم ألفاظ الحديث النبوي، الذي غلب عليه نقل المعنى لا اللفظ الشريف عينه، طبقا لأهل اللغة، وبالتاكيد فهذه العبارة التي ساقها الدكتور عبدالله ليست في الصواب ولا تقترب منه، ولو كانت ضمن نص المحاضرة لتنبه لخطلها المريع ولكان تجنبها حتما، والتنزيل انتثرت بين آياته مفردات تنتمي لهذه اللهجة منها : الحَوْر في قوله جل جلاله ( إنه ظن أن لن يحورا )، وأهل فيفا يقولون حور اليوم، وانظر كلام أهل التفسير لتدهش، وقال تعالى : (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون) القصص، فكلمة ( ردءً ) : هي ذاتها من صميم لهجة فيفا التي تقلب صوت النبر إلى واو، أوياء، كما في (ونايٍ ) إناء، والألف إنما يقلب عن واو أو ياء، فإذن: هم يقولون ( زاد فلانٌ لفلانٍ على نصيبه (رِدْوَهْ) كذا، ، والهاء في آخره للسكت، وكأنه يعزز نصيبه بتلك الزيادة، وهو ذاته المعنى الذي تفصح عنه المفردة في الآية الكريمة، ومن ذلك رفع الضمير في قوله تعالى : ( وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشّيطانُ ) الكهف 63، وفي لهجة فيفا، يرفعون الضمير في الثلاثي المنقوص على وزن أعطى: منح، وأحْوى : صد، ومنع، وأوطى، وأعلى، وأفطى، وما شابهه في هذا الميزان الصرفي، وهو كما ترى من ميزان (أنسى) ينسيهُ، إنهم يقولون :أعطى يعطيهُ، أبدى يبديهُ، وليس يبديهِ بالكسر، وتأمل البقية، والأمر كذاك في عليهُ قال تعالى : ( وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيه أَجْرًا عَظِيمًا) من آية10، سورة الفتح، وهذا الضمير المتصل بحرف الجر ( عليه)؛ ينطقونه ( علاهُ )، يأتي مرفوعا في قولهم : (ما علاهُ) ، و(لا تخاف علاهُ) ويشبع الرفع في هذين الشاهدين من لهجة فيفا.. لهذا كله ليس من الإنصاف القول بأن ما جاء لفظه في القرآن الكريم ـ بشكل خاص ـ ليس من ثقافتهم، وبيئتهم، ولهجتهم، وإنما يرددونه كما سمعوه، وهذا لسانهم أوردت نماذج فقط وإلا فالشواهد كثر.
والحق أن هناك المزيد مما يستدرك على الدكتور في هذا الجانب لكني آثرت الاختصار، مبديا اعجابي الشديد بمحاضرته وما كشفت عنه من شواهد تعزز ثراء اللسان العتيد لجبال المنطقة، إلى جانب أهمية دراسة اللهجات العربية التي أهملها التدوين .

 34  0  1764
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:25 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.