• ×

05:08 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

إطلالة على الديماغوجيا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إطلالة على الديماغوجيا
بقلم أ. محمد بن سالم الفيفي
تعريف الديماغوجيا:
(سياسة تملق الشعب من أجل تهييجه).
الدِيمَاغُوجِيَا (من اليونانية دِيمَا من "دِيمُوسْ δῆμος": بمعنى "الشعب"، وغوجيا من "أَگَيْنْ ἄγειν": بمعنى "قيادة") والمعنى "قيادة الشعب". أو " العمل لمصلحة الشعب" وهي إستراتيجية إقناع الآخرين بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة.
وباختصار هي: مجموعة الأساليب التي يتبعها السياسيون لخداع الشعب، وإغراءه ظاهرياً للوصول للسلطة وخدمة مصالحهم.
ويشير إلى إستراتيجية سياسية للحصول على السلطة والكسب للقوة السياسية من خلال مناشدة التحيزات الشعبية؛ معتمدين على مخاوف وتوقعات الجمهور المسبقة، ويكون عادة عن طريق الخطابات والدعاية الحماسية؛ مستخدمين فيها المواضيع القومية والشعبية، لمحاولة استثارة عواطف الجماهير.

خلفية تاريخية عن الديماغوجيا:
يعتبر "أفلاطون" أول من استخدم هذا المصطلح عندما أطلقه على قادة النظام الديمُقراطي في "أثينا" حينما انتصرت فيها الديمُقراطية.
ونظراً لانتماء "أفلاطون" لطبقة ارستقراطية تعده بتولي المناصب الهامة وخاصة السياسية فإن انتصار الديمُقراطية قد سبب له حرمان من تلك المناصب، وبالتالي ساعدت في القضاء على تطلعاته السياسية فنشأ لديه عامل الاحتقار لقادة الديمُقراطية والذين وصفهم بـ الديماغوجيين.
بينما يرى بعض المفكرين أن الهجوم الذي شنه "أفلاطون" على النظام الديمُقراطي يعود لملاحظته الفعلية لتجربة الحكم الديمُقراطي في "أثينا" وأن عدم قناعته بذلك النظام ناشئ من أسباب موضوعية وليست شخصية، وقد أكد "أفلاطون" في خطاباته بأن جميع الأنظمة فاسدة بلا استثناء بدلالة قوله:
"إن الشعب في مجموعه جاهل وأنه لذلك يكون عرضة للتأثر الشديد بالخطب المنمقة والعبارات الرنانة التي يستخدمها قادته، ومن ثم فهو يشكل آراءه ويتخذ قراراته ويصدر أحكامه متأثراً بما تقوده إليه انفعالاته لا بما يمليه عليه العقل".
من هذا التحليل جاء الاستخدام المعاصر لـ مصطلح الديماغوجيا التي تستخدم في إثارة عواطف الناس واللعب بمشاعرهم وليس عن طريق الحوار العقلاني.
كثيرة الدراسات التي بحثت في معنى الديماغوجيا والديماغوجيين فمن تلك الدراسات؛ تلك التي رأت أن الديماغوجي يتصف بالكاريزماتية والقيادية، ذو ثقة قوية بنفسه وأنه قادر على الرؤية المستقبلية فيقوم بدعوة الشعب للتكتل وراءه لمحاربة قوى الطغيان.
وأوضحت الدراسات بأن الديماغوجي لا يهتم إلا بالوصول إلى السلطة وفي حال تمكنه من التسلط على جهاز السلطة يسير بشعبه نحو عواقب وخيمة لا تحقق مصالح الشعب بل مصالحه الشخصية.

المعنى الحقيقي للديماغوجيا:
يقول "هنري لويس منكن": "الديماغوجي هو القائد الذي يبشّر بمبادئ، يعلم هو أنها باطلة لجموع يعلم أنها مغفلة".
كان "إريش فريدريش فيلهلم لودندورف" من أبطال الحرب العالمية الأولى في ألمانيا، وكان من المتحمّسين للحزب النازي في أولى بداياته، ولكنه وبعد أن تعرّف على "هتلر" عن قُرب، وحين علم بأن الرئيس الألماني "هندنبرغ" قد عيّن زعيم الحزب النازي مستشاراً لألمانيا قال للرئيس الألماني، رفيق سلاحه السابق ما يلي:
"لقد سلمت أرض ألمانيا المقدسة إلى واحد من أكبر الديماغوجيين في التاريخ. إني أرى ألمانيا تسقط في قعر سحيق على يد هذا الشرير. إن الأجيال القادمة سوف تلعنك في قبرك لهذا القرار".
وكان "جوزيف غوبلز" وزير الدعاية في حكومة "هتلر" يقول: أكذبوا أكذبوا أكذبوا، لعل شيئاً من هذا الكذب يعلق في أذهان عدوكم فيصدقه".
تستعمل الديماغوجيا اليوم للدلالة على مجموعة من الأساليب والخطابات والمناورات التي يلجأ إليها السياسيون لإغراء الشعب بوعود خادعة للوصول إلى الحكم، يقوم الزعيم الديماغوجي عادة بتملق الطموحات والعواطف الشعبية بهدف الحصول على التأييد من الرأي العام مستنداً إلى مصداقيته.
وغالباً ما يستعمل الديماغوجي الوعود البرّاقة وتشويه الحقائق مؤيّداً كلامه بشتى فنون المنطق وأجزاء الأحداث والبراهين العامة من دون إثارة تفاصيل قد تنبه السامع. ويستعمل عادة كلاماً مبسّطاً مستنبطاً من الموروث الشعبي، في إطار خطابات حماسية حبلى بالشعارات الشعوبية. ومع أن الكذب هو من الوسائل المعتمدة في كثير من الأحيان، ولكن الديماغوجي الخبير، والمدرّب قادر على تجنّب الوقوع في الكذب المفضوح، فيركز على مواضيع صحيحة في الظاهر، بحيث يبهر السامعين، ومعظمهم من الجاهلين بالمواضيع المطروحة، فيستنتجون عادة ما يقصده القائد. ويتحول هذا الاستنتاج مع الوقت إلى شكل من الإيمان بغض النظر عن صحته.

وسائل الديماغوجيا:
تنقسم الوسائل التي تستعمل في الديماغوجيا إلى قسمين:
1- قسم في حدود المنطق ويشمل:
- مقارنة الكميات من دون البحث في النوعية، كمقارنة التفاح بالبرتقال لمجرد أنها تُباع بالكيلو. أو بمقارنة واقع "المقاومة" بغض النظر عن الظروف التي نشأت فيها.
- استعمال أنصاف الحقائق من خلال وضع عناوين شديدة المصداقية لدى العامة، وإغفال التفاصيل التي لا يتابعها عادة إلا المهتمون وهم قلّة. كوضع مشروع عقائدي ومذهبي تحت شعار عام اسمه "المقاومة". أو طرح عنوان "التهميش" لمشروع التقوقع المذهبي.
- استعمال مراجع كاذبة كقول "استشرنا أستاذاً جامعياً في قضية قانونية" من دون ذكر اختصاص هذا الأستاذ الذي قد يكون مرجعاً في الكيمياء، أو عضواً عاملاً في حزب الزعيم.
2- قسم يتجاوز المنطق ويشمل:
- حصر الخيارات في اثنين متضادين، كالقول إما وطني أو عميل، إما مع الإسلام أو مع اليهودية، إما معنا أو ضدنا، مع إغفال كل الخيارات المنطقية الأخرى خارج التصنيف الذي وضعه الزعيم.
- تصوير الطرف الآخر بأنه العدو اللدود ووضع كل الصفات الشيطانية فيه ونسبة كل المشاكل إليه، كالقول: "إن كل مشاكل العرب هي ناتجة عن إسرائيل".
- تشويه صورة الخصم الشخصية والعامة واتهامه بنفس الوقت بتشويه الصور. "كالاتهام بتعطيل انتخاب رئيس الجمهورية في حين يتم منع إكمال النصاب".
- طرح الأسئلة الملغومة لوضع الخصم في موقع الدفاع عن تهمة فرضية كالقول: "يقولون بأنهم أعداء لإسرائيل، فإذا كانوا كذلك فهل يكون غريب أن نتهم إسرائيل بجرائم الاغتيال".
- فورات عاطفية خارج السياق: "كلهم يتآمرون عليّ" أو "كلهم كذابون".

معنى الديماغوجيا اليوم:
إنها المناورة السياسية والخداع لاجتذاب الناس، فيتظاهر الديماغوجي بلبوس ممثل الشعب، لكنه في الحقيقة يبطن غايات أخرى فدافعه المنصب أولاً وما يدرّه، وهمّه بأن يكون قائداً أولاً وأخيراً. لهذا فتراه يتجلبب بكل خصلة إيجابية نفاقاً، ويخلع كل خصلة سلبية على الآخر المخالف لفضحه بالتالي، ويعتمد على الغوغاء والرعاع وظروف البلد المؤاتية، التي ربما تخدمه في فترة ما، وواقع الحركة السياسية والحزبية عموماً.
كان "ماركس" يقول: "إذا أردت أن تعيش حياة بهيمية، فأدر ظهرك لآلام الناس".
هذه هي سياسة بعض قادة المجتمعات، في المجالين السياسي والحزبي، ففي النظم الشمولية عموماً، وفي الأحزاب التي لم تشهد حياة ديمُقراطية داخل تنظيماتها الحزبية، فكل الذين توكل إليهم المناصب لا رأي لهم، فالمنصب هنا طوق شكلي، فالأمر والنهي يعود أولاً وأخيراً إلى القائد أي"المركزية في القيادة".

الفرق بين الإسلام والديماغوجيا:
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه، كما تتخلل البقرة بلسانها). حديث صحيح أخرجه كل من أبي داود والترمذي.
تعتمد الديماغوجيا خطاباً غير منطقي وغير عقلاني: يخاطب الغرائز ويخدر الشعور.
فالديماغوجي لا يلجأ إلى البرهان، لأن من حق البرهان أن يبعث على التفكير، وأن يوقظ الحذر.
والكلام الديماغوجي مبسط يعتمد على جهل سامعيه وسذاجتهم؛ ومن هنا قدرته على السيطرة، التي يمارسها على المخيّلة الجماعية، لدى الجماهير البسيطة.
هناك تعارض وتناقض بين الحضارة والغرائز. أدرك ذلك الإنسان مبكراً. وأدركت ذلك الشرائع السماوية، منذ آدم ونوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم. لكن الخطباء الديماغوجيين لا يهمهم هذا الإدراك في شيء، لأن كل ما يسعون إليه هو اقتناص السلطة بكل وسيلة. وخلال رحلتهم الماكرة، في تغييب العقل والعلم، يستعينون بالغرائز:
- فالإسلام يطالب الإنسان بالعفو، لكن الديماغوجيا تركز على الثأر، واستثارة الغرائز الأولية، الدافعة إلى السبق بالقتل حفاظاً على البقاء.
- الإسلام يجعل الجنس وسيلة وهدفاً في آن واحد: وسيلة لحفظ النوع، وهدفاً للمتعة السامية. لكن الديماغوجيا - الدينية على وجه الخصوص - تحول الجنس إلى عملية جماع (مستمر) لأكبر عدد من الجميلات.
- الإسلام يبيح الإثراء الحلال، بشرط مراعاة حاجات المحرومين، والديماغوجيا تحول الوطن إلى (منهبة كبرى) تمنع السؤال عن أصل الثروة، خشية اكتشاف ما لا يسر.
- الإسلام يأمر بدعوة المخالفين والحرص على إقناعهم، فيما تأمر الديماغوجيا باستبعاد الآخر وإلغائه، باعتباره (كالأنعام بل هم أضل سبيلاً).
- الإسلام يأمر بالوفاء بالعهود والمواثيق، حتى لو رافق ذلك شعور بالغبن، فيما الديماغوجيا لا تمانع في نقض العهود ونكث الأيمان المغلظة - حتى لو كانت في داخل الكعبة - مبررة ذلك بما يمكن أن تسميه (مصلحة الجماعة).

رأي الإسلام في الديماغوجيا:
يرى علماء الدين بأن هذا النهج الديماغوجي مخالف للشريعة الإسلامية لأمور منها:
1- طلب السلطة وهذا غير جائز في الإسلام ولا ينبغي للمسلم أن يسعى وراء السلطة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها" رواه البخاري.
2- يرون أن أتباع هذا النظام يعتمدون على خداع الناس والضحك عليهم، وهذا إثم لا ينبغي أن يقع فيه المسلم.
3- يرون أن الديماغوجي فقير المواهب عليم اللسان، وهو غير مستعد للعمل والإنتاج وهذا مما نهى عنه الإسلام قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).
4- يرون أنه مستعد لتحقيق مصالحه الشخصية فقط بغض النظر عن مصالح الشعب من خلال تبني سياسات ذات عواقب سيئة تخالف المنهج الإسلامي.
***********************************
المصادر:
1- القاموس السياسي، تأليف: عبد الرزاق جميل الصافي.
2- موسوعة السياسة، تأليف: الدكتور/ عبد الوهاب الكيال. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
3- صحيفة المستقبل اللبنانية - العدد 2828 - الأحد 23 كانون الأول 2007م.
4- صحيفة 26 سبتمبر لليمنية العدد: 1468.
5- الحوار المتمدن - العدد: 3386 - في 4/6/2011م.
6- الحوار المتمدن - العدد: 2089 - في 4/11/2007م.

 0  0  1492
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:08 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.