• ×

01:21 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

"إم" التعريف من ابن جني إلى ابن مسعود!! 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
حين نتناول الحديث عن الظواهر اللهجية، لأي بيئة لسانية، فإننا نذهب إلى أبرز خصائصها من أصوات، وأبنية، وتراكيب، ودلالات، وكل ما من شأنه أن يضيف الجديد في مضمار دراسات فقه اللغة التي تتوجه في نهاية المطاف لدعم لغة الضاد، كما أن التنقيب بين تلافيف العاميات ليس الهدف منه إحياءً لها، والتفافا حولها، أو دعوة إليها، وبين أيدينا كتاب الله الذي اجتمعت عليه ألسنة الناطقين بلغة الضاد وتوحدت تحت أفيائه القلوب تلاوة وتعبدا .
وعند حضور الحديث عن التعريف بـ "إم" نقول : تلك لغة فصيحة نطق به أفصح العرب قاطبة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في الحديث المعروف ( ليس من امبر امصيام في امسفر )، الذي رواه الإمام أحمد في المسند (5/434)، والطبراني في المعجم الكبير(19/172 برقم (387)، والبيهقي في سننه (4/242) .
ومهما ذهب متاخروا أهل الحديث إلى تضعيفه، بحجة الشذوذ في لفظه، كما جاء في نقدهم للمتن، يبقى رجاله ثقات على شرط مسلم.
وهنا سأعرض في عجالة لأبرز الأقوال المحررة حول التعريف بـ "إم" منذ إمام العربية ابن جني، وإلى آخر الأقول، مع تعليقات مختصرة، وسأبسط القول حولها في الجزء الأخير من المقال بمشيئة الله.
** قال ابن جني . (330هـ-392هـ ). في "سر صناعة الإعراب" : (هذا الإبدال شاذ لا يسوغ القياس عليه، وفيه نظر، فإنه لغة قوم بأعيانهم ) .
قلتُ : فيما يختص بحكم ابن جني فقد استدرك عليه الرضي في شرح الكافية حيث قال : ( لا يجوز الحكم على لغة قوم بالضعف، ولا بالشذوذ، نعم لا يجوز القياس بإبدال كل لام ميما، ولكن يتبع إن سمع) .
** وقال الجوهري صاحب الصحاح : ( وفاته سنة 393هـ ) : هي لغة لحمير.
** وقال الخطيب البغدادي (392ه ــ 463 هـ) في " الكفاية " ( ص 281)، معلقا على الحديث: هذا لغة الأشعريّين يقلبون اللام ميماً فيقولون : رأينا أولئك امرجال ( يريدون الرِّجال ) ومررنا بامقوم أي : ( بالقوم قلتُ : في كلام الخطيب البغداي ـ إلى جانب الصواب ـ ما ليس دقيقا، وما لا يصح، وذلك من وجوه :
الوجه الأول : أنها ليست لغة الأشعريين فحسب .
الوجه الثاني : إنه ليس قلبا وإنما هو الإبدال؛ عند المشاحة!! إلا أنه لا يصح عندي أعني الإبدال كما سيأتي.
الوجه الثالث : فإن المشار إليه لا تقلب لامه ميما على الاطلاق، ويمتنع تعريفه بـ "إم" مع اشتراط أن يسبق المشار إليه اسم الإشارة؛ ولا يتأخر عنه، وعندها يعرف بـ "أل"، فيقال : ( رأينا أولئك الرجال، لأن المشار إليه من المعارف التي اختصت بـ "أل" في لغة العرب قاطبة، أما صوابه اليتيم ففي قوله : ( مررنا بامقوم ) .
**وقال الزمخشري( 466 ه ــ 537ه ) في المفصل في صناعة الإعراب : ( وأهل اليمن يجعلون مكانها الميم، ومنه (ليس من امبر امصيام في امسفر)، و "يرمى ورائي بامسهم وامسلمة "... البيت).
قلتُ : إنه يقصد لام التعريف، وما ذكره ليس صحيحا .
**وقال الرضي ( وفاته سنة 686هـ ) في شرح الكافية: هي لغة حمير ونفر من طيء.
ابن هشام الأنصاري ( 708 هـ ــ 761 هـ ) في "مغنى اللبيب، عن كتب الأعاريب" يقول : ( وقيل إن هذه اللغة مختصة بالأسماء التي لا تدغم لام التعريف في أولها نحو غلام وكتاب بخلاف رجل وناس ولباس وحكى لنا بعض طلبة اليمن أنه سمع في بلادهم من يقول خذ الرمح واركب امفرس ولعل ذلك لغة لبعضهم لا لجميعهم، ألا ترى إلى البيت السابق وأنها في الحديث دخلت على النوعين ) "مغنى اللبيب ص71. دار الفكر بيروت ط6.
قلتُ : فكلام ابن هشام هنا مهما كان خاطئا إلا أنه ينم عن محاولة يائسة لسبر أغوار هذه الصورة من التعريف، وذهب يفتش في اللام الشمسية، والقمرية، عَلَّ السر يكمن فيهما، فاعتبر أن الغز يكمن في اللام القمرية، وأنها المسؤولة عن استدعاء "إم"، واستشهد بعبارة ( خذ الرمح واركب امفرس)!!, وهذا باطل كما اتضح له من خلال عبارات الحديث والبيت الشعري، عندما لم يجده يتسق مع واقع شاهده، وهو أيضا ما يتنافى مع صورتي التعريف في الجغرافية اللسانية المختصة بذلك، وهكذا لم يخرج ابن هشام بشيء يمكن ذكره في هذا الصدد.
** ومنهم الحافظ ابن حجر (773 هـ - 852 هـ)، في " التلخيص الحبير " (2/205) حيث قال : هذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميما) .
قلتُ : ليس صحيحا أن لام التعريف يجعلونها ميما، فقد شاع التعريف لديهم بـ "أل" إلى جانب "إم" بكسرها وفتحها أيضا، وما ذكره الحافظ هنا عري عن التحقيق والتدقيق، ولابد أنه نقله عمن سبقه، أو لربما نص عليه بعد رحلته الشهيرة إلى اليمن، حيث مكث في أبي عريش من تهامة جازان أياما، وذكر أنها مدينة العُرش، ولا بد أنه سمع من يعرف بـ "إم" أثناء اجتيازه منطقة تهامة إلى زبيد، فاعتقد خطأ أن ذلك تعريف مضطرد في كل الأحوال.
** أما في الكتاب الدوري الموسوم بـ "بحوث ودراسات في اللهجات العربيّة" لمجموعة من الدكاترة أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فقد جاء فيه :
(الطمطمانية في اللغة : العجمة؛ وفي الاصطلاح : إبدال لام التعريف ميمًا، وتنسب إلى حمير ونفر من طيئ، ومن المعروف أن أداة التعريف (الألف والميم) هي أداة التعريف على الإطلاق عند أهل اليمن وحمير وطيئ قديمًا، ومن اليسير تفسير هذا التبادل بين اللام والميم في أداة التعريف، إذ إنهما من الأصوات المتوسطة المتقاربة في الصفات والمخارج) مجلة مجمع اللغة ص58 لسنة 1984م.
قلتُ : فجل العبث الذي أمتد للثقافة العربية ــ خاصة منها المتعلقة بعلم الاجتماع ــ فأصابها في مقتل؛ لم يلج إلا عن طريق التخصص طالما كان متكأً لنثر الجهل العميم، وإلا كيف يكون حارس الضاد على هذا النحو من الجهل الشاسع، في عصر الامتزاج، وتوفر المصادر؟، وطاقم مجمع اللغة العربية بقضه وقضيضه سيعجز ـ والله وبالله وتالله ـ أن يثبت صحة ما قاله هنا : ( ومن المعروف أن أداة التعريف (الألف والميم) هي أداة التعريف على الإطلاق عند أهل اليمن وحمير وطيئ قديمًا )، قالوا من المعروف؛ فمن أين عرفوا؟ وهذا المسند السبئي يحفل بأسماء مُعَرّفَة بـ"أل" على غرار ( المقه ثهوان بعل أوام ) الوثن الأكبر لشعوب سبأ!!. فتسقط بذلك كلمة ( قديما ) آخر العبارة .
** ويقول الدكتور أحمد بن سعيد قشاش (معاصر) ببحثه تحت عنوان (الإبدال في لغات الأزد / دراسة صوتية في ضوء علم اللغة والحديث) : ( تتمثل هذه اللغة في إبدال لام التعرف ميما، كقولهم: "طاب امهواء" . أي: طاب الهواء. وقد عزيت هذه الظاهرة إلى الأزد، وإلى قبائل يمنية أخرى ) مجلة الجامعة الإسلامية ص 424 و425.
قلت : وهذا أيضا ليس قوله صحيحا عن ( ابدال لام التعريف ميما ) ، رغم انتقاله إلى الميدان، واستماعه للتعريف من أفواه العامة في البيئة اللسانة التي تستخدم "إم" إلا أن ذلك لم يثمر عن اكتشافه لأدنى تعريف لا يستخدم " إم" وإنما "أل"!!.
** الدكتور عبدالله بن أحمد الفيفي : في محاضرة بعنوان (لهجات فيفا جذور العربية) قال : ( "إم" في لهجتنا وفي اللهجات الجنوبية عموما واليمنية، هي "أل" التعريف، لكن لا تستعمل مع كل الأسماء المعرفة، فالأسماء المشهورة كاليمن والمملكة يعرفونها بـ "أل"، والكلمات التي لها علاقة بالدين الإسلامي، مثلا الصوم، أو القرآن، أو الحديث، لا يقولون (امقرآن)، و(امحديث) وإنما يستعملون "أل" التعريف المعروفة عند العرب، فتعريف ما ليس من ثقافتهم، وبيئتهم، ولهجتهم؛ ويشمل طبعا المفردات الدينية، ولا سيما ما جاء لفظه في القرآن، أو في الحديث، أو الثقافة الإسلامية عموما، فهم يرددون لفظه كما ثقفوه غالبا، وذلك في مسألة التعريف)
قلتُ : لم يتجاوز ما قيل سابقا إلا فيما استثناه حول استخدامهم "أل " التعريف، في الأعلام المشهورة وهذا يضعه في دائرة التميزٍ وأهنئه عليه .
وتبقى عبارة استميحكم العذر في إعادة تشريحها الدقيق ليكون ما لله لله وما لقيصر لقيصر، وهي قوله : (فتعريف ما ليس من ثقافتهم، وبيئتهم، ولهجتهم؛ ويشمل طبعا المفردات الدينية، ولا سيما ما جاء لفظه في القرآن، أو في الحديث، أو الثقافة الإسلامية عموما، فهم يرددون لفظه كما ثقفوه غالبا، وذلك في مسألة التعريف ) انتهى .
وأقول : كأن هناك خطأ جسيم حول فهم اللغة أولا ومن ثم حدود البيئة اللسانية ومكوناتها، فإذا كانت اللغة تنتمي إلى قسمين : مدونة، و قولية ، فإن المدونة تنقسم إلى ( لغة مقدسة ) هي الكتب السماوية، ولغة بشرية .. كتبت بها الابجديات المختلفة، ونخلص إلى أن اللغة المقدسة (المدونة) في رتبة أعلى من اللغة البشرية ( المدونة) وأن اللغة القولية هي في الرتبة الثالثة من هذه المستويات اللغوية، وبناءً عليه فاللغة الأولى (المقدسة ) مدونة : تخاطب أمة كاملة، بينما اللغة (البشرية) مدونة ، مكتوبة، فتخاطب مجتمعات ذات بيئات لسانية متعددة داخل الأمة، بمعنى أن دائرتها أضيق، في حين تكون اللغة القولية المحكية أدناها وتخاطب بيئة لسانية بعينها، ومن هذا المنطلق يجب أن نفهم للغة، وعلى هذا النحو نستطيع سبر اغوارها، وكيف تتشكل، ومدى تأثير بعضها في بعض، اللغة المقدسة جامعة محيطة تحدى اللهُ بها فصاحة الفصحاء فأفحمهم، وكيف لا وهي تنزيل من عزيز حكيم، واللغة لا تؤثر في وجدان لم تتشكل فيه، أبدا لا تؤثر، كيف يهدي للتي هي أقوم لدى أمة لا تفهمه؟ الأمم ذات الألسن الأعجمية، ترجم لها القرآن حتى يلج إلى نفوسها، أما العرب فقد نزل بلسانها، وصدق الله حين قال : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }، وليس من نافلة القول أن تعريف المعرفات في القرآن هي التي شاعت في لسان فيفا، ولا يقول بذلك عاقل، لأن الحديث هنا حول مكون لغوي من القسم الثالث الأدنى، وليس عن قراءة للغة مدونة من القسم الأول.

** فيما يخص التعريف بـ "إم" فأقول : لقد اكتشفت أسرار هذا التعريف في لهجة فيفا قبل ثلاثة أعوام، وأذعته في الناس، ورغبت من الأنس والجن ممن يلمس في نفسه العلم، ويدرك مفاتيح فقه اللغة أن يتأملها وينقدها، ويوجهها وفق الآليات والمنطلقات التي يتم بموجبها نقد العلم، والسفسطة، إذ هي ـ في نظري ـ تقلب كل الموازين السابقة، من إبدال، وطمطمانية، وعجمة، وتعريف، إلى شيء بعيد جدا عن هذه المصطلحات الفوضوية البائدة البلهاء .

 64  1  3183
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:21 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.