• ×

05:04 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

إطلالة على الراديكالية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إطلالة على الراديكالية
بقلم الأستاذ : محمد بن سالم بن سليمان الفيفي
==============================

تعريف الراديكالية:
- تعريف الراديكالية في القرن التاسع عشر:
فلسفة سياسية تؤكد الحاجة للبحث عن مظاهر الجور والظلم في المجتمع واجتثاثها.
ومصدر كلمة الراديكالية، (Radical) ينبع من الكلمة اللاتينية Radis، وتعني الجذر أو الأصل. فالراديكاليون يبحثون عما يعتبرونه جذور الأخطاء الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في المجتمع ويطالبون بالتغييرات الفورية لإزالتها.
- تعريف الراديكالية اليوم:
الأصولية الرجعية المعادية لكل تقدم سياسي واقتصادي واجتماعي.
فالراديكالية معناها الأصولية أي العودة إلى الأصل أو الجذور (فمن أسماء الراديكالية الجذرية)، وهذا المعنى للكلمة يقصد بها اليوم الإرهاب والتطرف، ويستخدمها الغرب خاصة لذم المسلمين وإلصاق التهم بهم، وتعني التطرف. وهي معاديه للديمُقراطية وقد وصفت بالفاشية الجديدة.

معنى الراديكالية:
يختلف معنى كلمة راديكالي من بلد إلى أخر ومن زمن إلى أخر. ففي بلدان الغرب، غالبًا ما يساند الراديكاليون بعض المفاهيم الاشتراكية، بينما كان الراديكاليون في بلدان أوروبا الشرقية يعارضون وجود الأنظمة الاشتراكية القائمة. إضافة لذلك، فإن من يعدهم جيل من الأجيال راديكاليين، قد يختلفون بقدر كبير في وجهات نظرهم عن الراديكاليين من الجيل السابق لهم، أو الذي يأتي من بعدهم.
ويمكن القول أيضا: بأن الراديكالية هي نهج أو سياسة تسعى لإدخال إصلاحات جذرية على النظام الاجتماعي والسياسي القائم، والأحزاب الراديكالية في بعض الدول اليوم يمثلها عادة الأجنحة السياسية اليمينية المتطرفة أو الأحزاب ذات النظرة الدينية المتطرفة؛ سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو يهودية أو هندوسية...الخ.
ومن معاني الراديكالية كذلك التطرف، أي النزعة إلى إحداث تغيرات متطرفة في الفكر والعادات السائدة والأحوال والمؤسسات القائمة.
وقد ظهرت في بداية الأمر للإشارة إلى تصلب وتشدد رجال الكنيسة الغربية في مواجهة التحرر السياسي والفكري والعلمي في أوروبا، وللدلالة على تشدد رجال الكنيسة و"راديكاليتهم" (أي تعصبهم وإصرارهم على الأصول القديمة دون تجديد).
كما هو الحال في بعض فئات مجتمعاتنا العربية وخاصة في مجتمعنا نحن.
ولكنها أصبحت تشير فيما بعد إلى العكس وإلى التغيير، ليس بمعنى "العودة للجذور" فقط، ولكن "التغيير عموماً بشكل جذري"؛ حيث أصبحت تنسب إلى جذور الشيء، ويقال: إن "الجذريون" أو "الراديكاليون" هم الذين يريدون تغيير النظام الاجتماعي والسياسي من جذوره، ولهذا فسرها البعض على أنها تعبر عن الإصلاح الأساسي "حسب نظرة هؤلاء" من الأعماق أو الجذور أو الأصول.

تاريخ الراديكالية:
أصول مفهوم التطرف تعود إلى نهاية القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر أثناء الثورة الصناعية، كل ذلك بدأ بحركات لبعض الجماعات التي كانت تدعو إلى إجراء تغيير في الهياكل الاجتماعية، من خلال الإصلاحات المطلقة.
لكن العالم اليوم صبغ مصطلح "الراديكالية" بمعنى آخر هو التطرف، وأضاف إليه معنى العنف والإرهاب، وكثيراً ما أشير به إلى بعض الدول وبعض المسلمين في العصر الحديث، ولهذا قال المستشرق البريطاني "هومي بابا" وهو: أكاديمي هندي وأستاذ الأدب الأميركي والبريطاني في جامعة "هارفارد" حيث يرأس مركز الدراسات الإنسانية هناك.
قال: "إن الراديكالية كلمة ذات دلالات سلبية تلصق بالعالم الإسلامي، مع أن الظاهرة عالمية ولا تقتصر على ما كان يسمى دول العالم الثالث مثل الهند ومصر، بل وجدت طريقها إلى العالم الأول حيث الراديكالية الإنجيلية على أشدها في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً".
ويقول المؤرخون: إن الصحفيين العرب تداولوا (بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م) ومن بعدهم الباحثون والمحللون الناطقون بالعربية، مصطلح (الأصولية) على نطاق واسع، وذلك ترجمة لمصطلحين غربيين استعملتهما الأوساط السياسية والإعلامية والثقافية في الغرب للإشارة إلى حالة ظهور عدة تيارات وجماعات دينية تتعامل في الشأن السياسي في عدة دول ذات غالبية مسلمة.
والمصطلحان هما بالفرنسية (Radicalisme) وتعني "تطرف" وبالإنجليزية (Integrisme) وتعني " التكاملية"، في حين أن هذين المصطلحين بما يحملان من دلالات سياسية وفكرية لا يعبران تعبيراً دقيقاً عما توحي به لفظة (الأصولية) الرائجة حالياً وخاصة ما يتضمنه المصطلح الثاني من معاني الرجعية المعادية لكل تقدم، وهكذا يصبح النعت بالأصولية بمثابة شتيمة سياسية.
وقد أصبحت الكلمة مرادفة للحياة السياسية عموماً بحيث أصبحت هناك "أحزاب راديكالية" و"سياسة راديكالية"، و"توجه راديكالي"، و"زعيم راديكالي". ومع انحسار استخدام الكلمة في العالم الغربي تدريجياً بدأت الصحف الغربية ومراكز الدراسات تتحدث عن العالم العربي والإسلامي بهذا المصطلح، مثل وصف الثورة بأنها راديكالية، والفكر الثوري بأنه راديكالي.
وغالباً ما ترتبط الكلمة بالتيارات الماركسية أو الاشتراكية أو اليمينية المتطرفة، وإن كانت أصبحت أكثر ارتباطاً في الوقت الراهن بالتيارات الإسلامية.

تطور مفهوم الراديكالية:
بعد أن حولت الثورة الفرنسية (1789-1799م) تلك الدولة إلى جمهورية. وخلال القرن التاسع عشر بأكمله؛ عَدَّ كثير من الراديكاليين الأوروبيين الثورة الفرنسية نموذجاً لهم، وسعوا بذلك لتأسيس جمهوريات في بلدانهم.
قام العديد من الراديكاليين الأوروبيين بتأسيس الحركة الاشتراكية، وطالبوا بإعادة البناء الكامل للمجتمع. وكانت هذه بداية استخدامها في السياسة حيث أطلقت كلمة راديكاليين على أعضاء البرلمان البريطاني الذين نادوا بضرورة إجراء تغيير جذري في البرلمان ذاته كما تقول الموسوعة البريطانية.
ثم تطور مفهوم الراديكالية حديثاً وارتبط بصورة أكبر بمفاهيم العنف والتغيير بالقوة خاصة مع ظهور الأحزاب الشيوعية التي نفذت فعلاً التغيير الجذري بالعنف والثورة كما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق.
وخلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، انقسمت الحركة إلى قسمين:
1- قسم معتدل: سعى فيه الاشتراكيون المعتدلون إلى التغيير من خلال الإصلاح التدريجي.
2- قسم متطرف: أصر فيه الاشتراكيون الراديكاليون على أن الثورة فقط هي الكفيلة بإصلاح المجتمع.
ففي "روسيا" أُطلق على المعتدلين "المنشفيك" وعلى الراديكاليين "البولشفيك"، وقد استولى "البولشفيك" على السلطة عام 1917م وأقاموا حكومة شيوعية.
أما حديثاً فإننا نجد عدة استخدامات لهذا المفهوم لوصف الأجنحة المتطرفة في الأحزاب السياسية، مثل اليمين الراديكالي، واليسار الراديكالي؛ بل وحتى الوسط الراديكالي، وهي تشير في مجملها إلى وجود فكرة أساسية لدى أتباعها بضرورة التغيير الجذري الحاسم وليس الإصلاح بعيد المدى، حيث يؤمن جميع الراديكاليين بضرورة التغيير الجذري في مؤسسة اجتماعية كمؤسسة الحكم أو التشريع أو التعليم وغيرها نظراً لتفشي حالة الفساد الإداري والمالي بدرجة كبيرة لا تصلح معها أي خطط وبرامج للإصلاح.

الراديكالية في الهند:
بالرغم من أن معظم المجتمع الهندي كان يرغب في طرد المستعمر البريطاني من الهند، إلا أنهم لم يتفقوا على كيفية إجراء التغيير؛ فانقسمت الحركة الوطنية المقاومة الاستعمار في الهند إلى قسمين:
1- المعتدلون الذي اتبعوا "المهاتما موهنداس غاندي"، في دعوته للعصيان المدني.
2- الوطنيون الأكثر راديكالية وهؤلاء كانوا يرون أن البريطانيين أعداء لا يمكن هزيمتهم إلا عن طريق العنف فقط.
وخلال الحرب العالمية الثانية، (1939- 1945م)، بدأ "سوبهاس تشاندرا بوس"، زعيم الحزب الراديكالي في المفاوضات مع ألمانيا النازية، ومن ثم قام بتجهيز جيش هندي للقتال جنباً إلى جنب مع اليابانيين وطرد البريطانيين من الهند. إلا أن تلك القوة تعرضت للهزيمة. وبعد انتهاء الحرب، اجتمع المسئولون البريطانيون، مع القيادات الوطنية المعتدلة، ونالت الهند استقلالها عام 1947م.

الراديكالية في الولايات المتحدة:
في الولايات المتحدة الأمريكية. عارض أتباع "ألكسندر هاملتون"، أول وزير للخزانة، الثورة الفرنسية. وقد استخدموا مصطلح راديكاليون لتعريف أتباع "توماس جفرسون"، المؤيدين لفرنسا.
وفي السنوات التي سبقت الحرب الأهلية الأمريكية (1861- 1865م) والتي أعقبتها مباشرة، نادى دعاة الراديكالية بالإلغاء الفوري لظاهرة الاسترقاق. أما الراديكاليون الآخرون، فقد طالبوا بتخفيض أسعار الأراضي، وحظر المشروبات الكحولية والإصلاحات الانتخابية وحقوق المرأة. بعد انتهاء الحرب الأهلية، سعى الجمهوريون والراديكاليون، إلى السلام الصعب مع الجنوب المنهزم.
لم يتمكن الراديكاليون الأمريكيون على الإطلاق، من تأسيس حزب سياسي رئيسي كما فعل الأوروبيون. وبالرغم من ذلك، فإن الراديكاليين في الولايات المتحدة قد أثروا في السياسات الوطنية من خلال كتاباتهم وأحاديثهم.
أدان "مساندو" الحركة السوداء خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين حركة الحقوق المدنية لأن أهدافها وأساليبها غير راديكالية. وخلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، حرصت النساء الراديكاليات على إسقاط التنظيمات التي يهيمن عليها الرجال. ويسعى المعتدلون للمطالبة بالأجر المتساوي للعمل المتساوي، وإيجاد مدخل لتعديل الحقول المتساوية والمطالبة بدعم الحكومة الفيدرالية لمراكز رعاية الأطفال.
**************************************
المصادر:
1- صحيفة الأنباء الكويتية العدد: 12875 الجمعة 19/2/1433هـ.
2- الموسوعة الحرة ويكيبيديا.
3- الحوار المتمدن - العدد: 1024 21/11/2004م.
4- عولمة الحركة الإسلامية الراديكالية، تأليف: جهاد عودة. مكتبة الأسرة.
5- الحركات الإسلامية الراديكالية في مصر، تأليف: رفعت سيد أحمد. مركز الدراسات الإستراتيجية للبحوث والتوثيق.
6- نشوء الإسلام السياسي الراديكالي وانهياره، تأليف:راي تاكيه، نيكولاس غفوسديف، ترجمة: حسان بستاني. دار الساقي للطباعة والنشر.

 1  0  1864
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:04 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.