• ×

02:07 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

ما زال في الدنيا خير .. إشراقة أمل

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عندما تلمح في حلك الليل خيطا من النور ولو خافتا تدرك تماما أن الفجر سيكون قريبا .. هذا ما خطر لي وأنا أقفل اتصالي عبر الجوال بمكتب الضمان في محافظة الداير وكان على الجانب الآخر مدير المكتب وهو رجل فيفي لم أتشرف بمعرفته وهذا دليل آخر على ما سأسرده هنا .
إن العادة الغالبة أن المواطن كلما هم بمراجعة دائرة حكومية أثقلته سلاسل من جبال الهموم وهاجت في عقله أعاصير من الأفكار عله يجد في خبايا ذاكرته رجلا يعرفه يستطيع أن يمهد له ذلك الطريق الذي يشبه كثيرا الكثير من طرقنا التي ما زالت تحلم بعميلة تجميل لوجهها الذي جعدته الليالي والأيام وحوادث الزمان .. وفي الغالب لن يجد أحدا يعينه على مبتغاه .. فتراه قد شمر عن ساعد الجد .. وأوثق معاقد العزم على خوض المعركة بنفسه على مذهب .. ( فإما حياة تسر الصديق .. وإما ممات يغيظ العدا ) .. فحمل أوراقه ورمى بنفسه في معمعة المكاتب .. يزاحم أخوته في المأساة .. ولا أخوة في ذلك المكان.. فهناك يسود مذهب الغاب ولسان حال كل مراجع .. ( إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب ).. وهناك يجد نفسه كالكرة ترمى من مكتب لمكتب .. فهذا يماطل وهذا يوجل وذاك ينسل من مكتبه تاركا عشرات المراجعين حتى إذا اقترب وقت الصلاة عاد حاملا البشرى بأنـ ( عودوا غدا .. وتعالوا مبكرا ) مع أن معظمهم قد صلى الفجر في طريقه إليهم ذلك اليوم !!
هذه المعاناة كلها التي لم آت بها من بنات أفكاري ولا أبنائها ولا حتى أبناء الجيران .. بل هي واقع عشته وغيري على أبواب المستشفيات والبنوك والأحوال وكثير من الإدارات .. هذه المعاناة لم أعشها .. هنا .. ولذلك كتبت هذه الحروف شكرا لمن أدركت تماما أنه لا يستجدي هذه الحروف ..
و أختصر القصة في أني استطعت أن أتم معاملة والدتي التي استغرقت ما يقارب الشهر في ( مكتب الضمان الاجتماعي في الداير) عن طريق الجوال وأنا أعمل في عسير .. حتى لم يتبق إلا استلام بطاقة الضمان .. والتي وجدت عندما أحضرت والدتي لاستلامها .. أن مكتب المدير أول مكتب يقابلك عند الباب وهو مشرع بلا حواجز بل أن المدير بنفسه هو أول من يتوجه إليه المواطنون للسؤال عن وجهتهم .. ووجدت عنده من سهولة الخلق وسماحة النفس وسعة الصدر ما يجعله يقنع المواطن الكبير بابتسامة عريضة أو طرفة مضحكة تجعله يخرج وهو طيب النفس سواء تم ما طلبه أم لم يتم وهو مع ذلك يقوم بأخذ أوراق من يحتاج ليقوم بنسخها على آلة التصوير عنده لئلا يتكبد المراجع عناء الخروج للبحث عن محل للتصوير ..
خرجت من عنده لأجد هذا الجو الذي صنعه قد أصبح كالربيع المزهر يعطر كل أنحاء المكتب فوجدت كل شاب من موظفي المكتب يستقبل المراجع بابتسامة مريحة تشعر المراجعين - وبالطبع أغلبهم من كبار السن - بأنهم مرحب بهم وأنهم في مكانهم.. وهو مع ذلك لا يترك استفسارا لا يرد عليه بوضوح وأدب مستعينا بجهاز الحاسب أمامه .. ولذلك كله وجدت كلا من المراجعين يسير لهدفه هادئ الطبع طيب النفس .. لم أجد من يشتكي أو يذم أو يرفع صوته مع أن معظمهم يحمل بين طيات جسده المتهاوي مالا يجعله يتحمل من ضغط وسكر وغيرهما من علل الهرم ..وفي الحقيقة .. لو لم أكن في ( مبنى مستأجر متهالك ) لظننت أني في دولة أخرى .. على العموم لم تستغرق مراجعة الوالدة العشر دقائق حتى تم لها ما أرادت لنعود حامدين الله على التيسير وشاكرين لهذا الرجل وموظفيه تفانيهم وإخلاصهم في العمل ..
ولذلك كتبت تجربتي هنا شكرا لهذا الرجل وموظفيه .. وبعثا للأمل بأن الدنيا ما زال فيها خير ..

 9  0  811
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:07 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.