• ×

08:18 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

المقامة التسعيريّة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
المقامة التسعيريّة
أ. جبران بن سلمان سحّاري
مؤسس مدرسة الميزان للنقد الأدبي
بالرياض، عضو نادي جازان الأدبي .

حدثنا عمرو بنُ هشام الحميريُّ قال: طوحت بي الطوائحُ ظاهرَ الامتعاظ، إلى (سوق عكاظ) فلما مثلتُ في السوق، والمكانُ ليس بمشوق، نبا بيَ الصيقل، وكادَ أن يختفيَ الهيكل، وطالتِ المماكسة، حتى ذكرتُ خبرَ (الشراكسة) قلتُ: ماذا أصابك يا ابنَ هشام؟ فقال: ذهولٌ يذهبُ بالمشام، فلا تستحسنُ (البشام)، ارتفعتِ الأسعار، إلى أوجِ الخسار، فجلبتِ الانكسار، وليست إلى انحدار، ومع طولِ الشجار، همّ صاحبُ البضاعة، باستردادِ المباعة، قلت: كيف؟ قال: بل إلى أبعدَ من ذلك ذهب، وقال: عما قريبٍ أحضرِ (الذهب)! ووجّه إليّ أخبارَ الغم، وهمّ من قتلي بهَم، قلتُ: فصل وأوجز، فلم أعهدْ بيانك يُعوز، فقال: لا يباعُ (الدقيقُ) بالمعنى الدقيق، ولا الأرْز، بما في الحرز، ولا تستقطبُ بالشعرِ شعيرة، ولا بالنثر نثارة، ولا بالقصصِ قصاصة، ولا بالملاحمِ لحمة، ولا بحكمِ لقمانَ لقمة، (صوامعُ الغِلال) عجزتْ عن التنفيس، و(مزارعُ القصيم) ركنتْ إلى التيبيس، وكثرَ الغشُّ والتدليس، وراغَ الباعةُ إلى التلبيس، فرزُّ (أبي كأس) أظهرَ البأس، وصدّعَ سعرُه الرأس، فأضحتِ الجيوبُ مُسْعَـرة، من البضاعةِ المسعَّرة، وغلاءُ الأسعار في الأسواق، طوّق الأعناق، وأضرّ بالرفاق، والماءُ القراح، جلبَ لهم الأرباح، وما من سامعٍ ولا مجيب، ولا منكرٍ على من يستجيب، فإن سألتَ عن (العثيم) فأبدلِ العينَ همزاً ليستقيم، وأشهد على ذلك الخلق، فكلاهما من حروفِ الحلق، وإن سألتَ عن (العزيزيّة) فافعل بها فعلكَ في تلك القضيّة، وهكذا فالقاعدة مطردة لا تقبلُ النقض، وإلا فالسنة مقدمةٌ على الفرض، وإن سألتَ عن ثمنِ الحبوب، فالجوابُ: ما في الجيوب، وإن سألتَ عن ثمنِ الجراب، بلغ النصاب، وإن سألتَ عن ثمنِ الثمار، فقد قاربتَ سعرَ الاستثمار، فاحذر من الدمار، وإن سألتَ عن أسعارِ المطاعم، فـ(قل لا أجدُ فيما أوحيَ إليّ محرماً على طاعم...) [الأنعام:145] قلت: فماذا قلتَ يا ابنَ هشام، في سوق الصرام؟ فأنشأ يقول:

و أحصى غلاءُ السعرِ من كلِّ راتبٍ *** دراهمَ أضحتْ في الأذى كالأداهمِ
و مهـمـا تـمنيتَ (المسعِّــرَ) خلتـَهُ *** بعـيداً ولو سافرتَ في أرضِ (عاهمِ)
و لكنَّ ربَّ الناسِ يبقى مسعِّـراً *** ويبسطُ رزقاً مسقياً للتهائمِ
و إن طفتَ في الأسواقِ لستَ ترى سوى *** غضوباً عليهم قارعاً سنَّ نادمِ
و إلا فـتــلـقـاه دؤوباً لحـظِّـــهِ *** ويسري مع الأحزان في جوِّ هائمِ

قلتُ: يا ابنَ هشام أحسنتَ والله لا فُضّ فوك، ولا بُرَّ من يجفوك، أنتَ للهِ أبوك، لقد صوّرتَ الحال، ودوامُها محال، ثم افترقـنا .

 9  0  1577
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:18 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.