• ×

11:33 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

بين .. الائتلاف والاختلاف ...!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بين
الائتلاف و الاختلاف...!
----------------------------
بقلم الأستاذ : جابر بن مسعود العبدلي الفيفي


image

تعلمون مشاغل العطل كتبتُ على عجل , فأرجو أن تغفروا للجمل, وأن تتغاضوا عن الخطل !
ما أجمل اللقاء بعد الفراق , وبعد الهجر ما أطيب العناق .
وما أحسن الوفاق بعد " الخناق " !
البعض يتساءل ( رجال ونساء ) فيقول :
لدي مع الآخر مشاكل , و أتوقع أني الوحيد الذي يعاني , وان مشاكلي بلا حل , وأقول :
كثير من المشاكل الزوجيّة بدأت كصغائر , ولكن عدم الحكمة في التعامل معها حوّلها إلى كبائر .
لم يسلم بيت من المشاكل الأسريّة , حتى بيت محمد عليه الصلاة والسلام خير البريّة .
والبعض يسأل عن مواصفات " الزوج المثالي والزوجة المثاليّة " ؟
وإليكم الجواب :
في هذه الأيام لا زوج ولا زوجة هم خير مثال , فالكل بشر والكل خطاء والكل له وعليه عتاب .
ولكنها الحياة أخذ وعطاء , و قد تكمل عند الواحد منا أشياء ولا تكتمل أشياء .
حكمة ربك هو خلق الخلق وخلق الاختلاف بين الأحياء .
فالكل يعاني و الكل يتألم , ولكن هذه المشاكل لم تكن في يوم من الأيام نهاية العالم !
و البيت الخالي من الخصام بيت بلا طعم ولا نكهة , شرط أن لا تتطور !
وان نتجنب التهور !
وأقصد الخصام المفيد , عتاب الأحبة .
عتاب التنفيس والتذكير بوجودنا إلى جوار من نحبه .
ولمن الشكوى والتوجع والأنين , إذا لم يكن هناك قلب يحتوي وحضن يرجع له ؟
فبالخصام نعرف قيمة الوئام , ولا يعرف الشيء إلا بضده !
و كما أنه لا يعرف نعمة الأمن إلا من خاف .
ولا يتلذذ برغد العيش مثل الفقير.
ولا يعرف قيمة الصحة مثل المريض.
فكذلك خلق الله بين الأحباب الاختلاف لنعرف قيمة الائتلاف .

*****

ولكن ما هو سبب الخصام بين الأزواج , وهل للخلافات من علاج ؟
والأسباب والعلاج ألخصها في ثلاث :


أولا ً : الجهل بطبائع وخصائص الآخر :
يقال في المثل : الرجل عدو ما جهل !
أن عدم فهم الأزواج لبعضهم هو سبب بلائهم .
فهم النفسيات والطباع يساعد في تطبيب الأوضاع , ولملمة الجراح والأوجاع .
فالرجال والنساء أنواع :
( وحتى نزيل الغبار سنشبه الرجال بالأشجار )

image

و الأشجار أنواع :
أحسنها النخلة , ففيها الظل , وساقها وسعفها للبناء .
ما أطيب رطبها في الصيف وما ألذّ تمرها في الشتاء .
وهي تشبه العظماء في الأرض والسماء , الأتقياء الأنقياء, أهل العطاء .
وبعض الرجال كأشجار الذرة قد تستصغرها ولكنك لا تستغني عن أعلافها وثمارها .
وهؤلاء هم أهل الطموح و من يبحثون عن العزة والشموخ , والدنيا بدونهم لا طعم لها .
وبعضهم كأشجار الزينة يبهجك منظرها , ولا تستفيد من ثمرها.
وهؤلاء هم الحسنة مظاهرهم , السيئة بواطنهم , الفارغ محتواهم .
وبعضهم كشجرة الحنظل , يخيفك منظرها و تعافها حتى الإبل.
و هؤلاء هم أهل البطالة والجهل , ترى المعاصي في وجوههم فتفقد فيهم الأمل.
( وحتى لا نغضب ربات الدور فسنشبههن بالزهور )
وكذلك فالأزهار أنواع :
وأحسنها زهرة ( الفل ) , في النهار منظرها يبهجك و في الليل عبيرها يسعدك .
وهي طوع يدك تشكلها كيف تشاء !
و هؤلاء النساء ينعم الله بهن على من شاء , ويحرم منهن من شاء !
إذا نظر إليها سرته ، وإذا غاب عنها حفظته ، وإذا أمرها أطاعته.
ومنهن من هي كزهرة الأقحوان قلبها أخضر وأهدابها بيضاء .
وهي مثل للمرأة الطيبة الكريمة مثال الإخلاص والوفاء وهن غالب النساء.
وبعضهن كزهرة النرجس لولا أن عطرها الجميل إليك و صل لقلت هذه نبتة البصل .
وهذه مثال على المرأة التي قل جمالها في عين شريكها ( كل النساء جميلات ) و كملت أنوثتها .
ومنهن من هن كشقائق النعمان زهورها صغيرة و فيها جميع الألوان .
وهي مثال المرأة الصغير عقلها , التي لا تهتم إلا لجمالها , وتنسى بقية أمرها .
وفي سومطرة اكتشفت زهرة خبيثة تسمى " زهرة الجثّة " , تخرج منها روائح متعفنة كروائح اللحم الفاسد تجذب بها الخنافس والذباب لتلقحها فسبحان الله !
و لا نشبهها بأحد من نسائنا والعياذ بالله .
*****
البعض يجتهد لكي يتوافق الآخر معه في الطباع , ولكن ذلك من النادر و لله في ذلك حكمة .
ومن أمثلة التباين في طبائع بني البشر الهدوء والبرود عند البعض
وعكسه الحركة والحيوية والنشاط عند البعض .
صحيح أنه في مقتبل الحياة الزوجية يتذمر الجميع من هذا التباين .
ولكن بعد مرور الوقت يبدأ الجميع بالتأقلم , وتتقارب الطباع وتقصر الهوة .
ويحصد الجميع ثمرة ذلك الصبر وذاك التعاون في ردم الفجوة .
فهذا يجر ذاك وذاك يقترب من هذا فتتقارب الطباع .
ومن هنا يبدأ الإبداع !
أما التوافق في الطباع فقد يريحك ولكنه لا يضيف لكَ شيئاَ .
فالشخص الخيالي الحالم والرومانسي يحتاج إلى من يرده إلى جادة الصواب ويبين له حقائق الأمور وهو الإنسان الواقعي .
والشخص الواقعي ( من عنده الأمور 1+1=2 ) يحتاج إلى شخص حالم يخرجه من عالمه المادي .
والشخص المتسرع يحتاج إلى آخر متردد يدرس القرارات بعناية .
والعكس صحيح !
وآخر متساهل يحتاج إلى شخص ملتزم في المقابل .
وآخر متشدد يحتاج إلى من يدله على مناطق التوسط والتعقل .
شخص يحب الخروج يحتاج من يعلمه قيمة البيت .
وشخص انطوائي يحتاج إلى من يخرجه من البيت .
منفق ومقتّر , عاطفي ومتعقّل ، متهوّر ومتردد , عصبي وبارد .
وكل قادم من بيئة لا تتشابه مع الآخر , وتربى بطريقة مختلفة .
متناقضات ينشأ منها الخلاف !
لكن و مع الصبر لا يلبث الجميع حتى يصلوا إلى الائتلاف .
ومن هنا نعلم أن التوافق مع الآخر في الطباع شيء طيب لكنه ليس الأفضل
إن التشابه والتوافق لا يضيفان للطرفين شيئاً .
ماذا أضافا ؟
*****
كما أن جهل البعض بالطبائع الغريزية يؤدي إلى تراكم المشاكل الزوجية .
فالرجل أغلى ما يملكه كبرياؤه , فلا تقومي بتجريحه , أو الانتقاص من شخصيته .
احذري الاقتراب من هذه المنطقة !
ولا يعيب المرأة أن تكون متلطِفة .
والمرأة مخلوق ناعم وحساس فلا تعاملها كما تعامل بقية الأجناس .
المرأة لديها أحوال تمر عليها لا يدركها الرجل , وفهمها يساعدك في التقبُّل .
ففي فترات الحيض يزيد عندها الغيظ .
وفي فترات الحمل قد تطلب منك المستحيل , وقد تكره اقترابك منها وقد تطلب منك أن تُقيل !
ابتعد عن المزايدة معها في هذه الأحوال حتى يصلح الحال .
وهنا نعلم فائدة الصبر !
حيث أن أكثر حالات الطلاق تحدث في هذه الفترات الصعبة , لجهل الطرفين بهذا الأمر .
المهم أن تعرف خصائص الآخر ( الدائمة والطارئة ) , وتتعلم كيف تتأقلم معها , وستفاجئك النتائج !

*****

ثانياً : التمسك بالرأي وعدم التنازل :
عند حدوث المشاكل لابد لأحد الطرفين أو الجميع من التنازل
فالتمسك بالرأي حتى لو كان صواباً في بعض الأحيان إلا أنه هنا قد يكون مجانباً للصواب !
تقديم التنازلات يساعد في عدم تطور الأمور و حتى لا يودي بالأوضاع للانفلات.
وما خربت البيوت إلا من العناد , الكل يتمنى ان يكون الآخر هو البادي بالصلح و الوداد .
و كرامة الجميع لا تسمح !
ولا حياة لمن تناد !
هذا يغرد في واد و ذاك في واد والصلح في واد !
فبادر فليس عيباً السعي للتوفيق والسداد .

*****

ثالثاً : التدخلات الخارجية :
إن التدخلات الخارجية من قبل الأقارب هي التي تغرق القارب .
فأم الزوج تخاف على ابنها من تملك الزوجة له .
وأم الزوجة تريد من أبنتها أن تكون صاحبة الكلمة .
والأخت المسيطرة تريد أن تتدخل في كل صغيرة وكبيرة .
والزملاء الحكماء , والجارات صاحبات التجارب , والزميلات يبُحن بالأسرار الخطيرة !
والجميع يدلي بالنصائح , ولكلٍ الحق في طرح اللوائح !
فالرجال ليس لهم أمان !
والنساء بالعين الحمراء !
فيذهب الزوجان ضحية النصائح !
وانصح كل زوجين بعدم إخراج الأسرار , مهما كانت علاقتك بمن تحكي له الأخبار .
إلا أن يكون من الناصحين الأخيار !
وفي حالة إصرار بعض الأقارب والأصحاب على معرفة الأحوال .
فما على الجميع سوى التورية ومدح الحال .
وعلى الجميع كتم الأسرار , ومن فضح سره فما عليه سوى تحمل الوبال .
*****

image

نصيحة أخيرة :
لا تقارن زوجتك بحال أخرى , وتتمنى ان تكون مثلها , أصبر فقد تكون أفضل منها .
وكذلك المرأة لا تقارني زوجك بأحد من البشر .
فلكل من الناس كيانه وشخصيته التي يتميز بها .
والناس يحسنون التزين أمام الآخرين , وبواطنهم الله أعلم بها.
وليبحث الجميع عن الجوانب الإيجابية في الآخر وليعمل على تنميتها .
وأما الجوانب السلبية فاعمل بهدوء وروية على تهذيبها .
وقد يكون أحدكما من يكتشف الآخر !
وتعلمون أن خلف كل رجل عظيم امرأة ضحت وبذلت وتواضعت .
والمثل ينطبق على كل رجل وقف مع زوجته حتى تجلت مواهبها وتبدّت .
( بالشعبي أقول : ليس هناك أزواج وزوجات تفصيل , فيه جاهز ويحتاج إلى تقييف وتعديل !)
*****
أخيرا هذا أجمل ما قرأت من شعر الوصل والبعاد أتمنى أن ينال استحسانكم :
( يا من هواه أعزّه وأذلنـــي كيف الــسبيل إلى وصالـــــك دلـنـي )
( وتركتني حـيران صبــّا هـائم أرعى الـنجوم وأنت في نـوم هـنـي )
( عـاهدتني ألا تميل عـن الهوى وحلـفت لي يا غــصن ألا تـنثنـي )
( هـبّ الـنسيم ومال غـصن مـثله أين الـزمان وأين ما عـاهـدتـني )
( جـاد الزمـــان وأنت ما واصــلتني يا بـاخلاَ بالـوصل أنت قــتلـتني )
(واصلتني حتى ملكت حشاشتي ورجعت من بعد الوصال هجرتني)
( لما مـلكت قـياد سـري بالــهوى وعلـمت أني عـاشق لك خنتني )
( ولأقـعدن على الطريق فأشـتكي في زي مـظلوم وأنت ظـلمتني )
( ولأشـــكينك عند ســـلطان الـهوى لـــيعذبنك مـثل مــا عـذبتنـي )
( ولأدعين عليك في جـنح الــدجى فـعساك تبلى مثل ما أبـليتني)


ــــــــــــــ
لا أدري بالفعل هل الآخر في نوم هني أم لا , ولكن هو شكا معاناته فقط ولم يعلم عن معاناة الحبيب !
*****
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) أخرجه الترمذي.
اللهم اجعلنا هداة مهتدين و أحفظنا من الزلل .
وإلى جمعة قادمة أسأل الله أن يحفظ بيوتنا وبيوتكم من الأدواء والعلل

 18  0  2698
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:33 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.