• ×

06:57 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

إطلالة على التعددية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إطلالة على التعددية
بقلم الأستاذ :محمد بن سالم بن سليمان الفيفي
=========================
image



تعريف التعددية في علم الاجتماع:
هي عبارة عن إطار للتفاعل تَظهر فيه المجموعات التي تحترم التسامح مع الآخرين والتعايش المثمر والتفاعل بدون صراع وبدون انصهار.
وتعد التعددية من أهم ملامح المجتمعات الحديثة والمجموعات الاجتماعية، وربما تعد مفتاحاً لتقدم العلم والمجتمع والتنمية الاقتصادية.
إن السلطة واتخاذ القرار في مجتمع الحزب الواحد والمجتمع الديني تكون محصورة بيد قلة من الناس. وتكون المُلكية فيها نتائج لممارسة السلطة الأكثر انتشاراً. إن المشاركة الواسعة والشعور القوي بالالتزام عند أعضاء المجتمع تؤدي إلى نتائج أفضل. إن المجالات التي تكون التعددية فيها مهمة هي: الشركات، الجمعيات السياسية أو الاقتصادية والمجتمع العلمي.
وفي المجال العلمي يمكن القول: بان طبيعة تعددية العملية العلمية تكون عاملاً رئيسياً في التقدم السريع للمعرفة، ونتيجة لذلك يصبح التقدم العلمي سبباً لسعادة الإنسان، ويرجع هذا بدوره إلى الزيادة الإنتاجية والتنمية الاقتصادية والتقدم التكنولوجي الطبي. ولا تؤمن التعددية بوجود حقيقة عالمية واحدة، لذا يمكن بطبيعتها أن تعتبر محاولة غير مقصودة لإبطال التوجه الذي يدعي محاولة التعايش بين هذه الحقائق.

تعريف التعددية السياسية:
التعددية السياسية معناها أن يسمح بتعدد الأحزاب في البلد الواحد، والتعددية السياسية أسلوب من التعامل السياسي تأخذ به كثير من الدول المتقدمة سياسياً، وهو أفضل وقاية من أعمال العنف والثورات الشعبية ضد الحكم الفردي، وبالتعددية السياسية يتم التداول على السلطة من قبل الأحزاب السياسية بواسطة الانتخابات، كما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية، ودول أوربا الغربية، ويوماً بعد يوم يزيد عدد البلدان الملتزمة بالتعددية السياسية.

تعريف التعددية الدينية:
هي تنوّع الدين الذي ينتمي إليه البشر، كالإسلام والمسيحية واليهودية والمجوسية، وكذا لو قلنا التعددية المذهبية، أي: كثرة المذاهب في الديانة الواحدة، مثال ذلك في الإسلام السنّة والصوفية والشيعة وغيرها. ثم التعددية المذهبية الفقهية مثل المذهب الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفي وغيرها من المذاهب الفقهية.
وهناك تعددات كثيرة منها على سبيل المثال: التعددية الثقافية، والقبلية، والعِرقية، والقومية، وغيرها، فتلك لها سبيلها وطريقتها التي تختلف فيها اختلافاً كلّياً عن التعددية الدينية والسياسية، وهي تدخل ضمن تعريف علم الاجتماع للتعددية.

معنى التعددية:
لدلالة اللغوية لكلمة "التعددية" في اللغة العربية تشير إلى مصدر صناعي مأخوذ عن المصدر الأصلي تعدُّد وفعله تعدَّد. ويقال تعدَّد يتعدَّدُ تعدُّداً، أي صار ذا عدد.
وفي اللغة الانجليزية يشير اللفظ (pluralism) إلى أن هناك أكثر من مبدأ واحد، أي أن هناك ما هو أكثر من شيء واحد. وللاسم صفتان هما (plural) و(pluralistic).
ويطلق لفظ (plurality) أيضاً على حالة كون الشيء متعدداً. وعليه فإن المعنى اللغوي للمفهوم في اللغتين العربية والانجليزية يشير إلى وجود أكثر من شيء واحد عددياً.
يشرح الدكتور "جابر سيد عوض" (الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة) مفهوم التعددية بشكل أعمق، فيشير إلى خمسة أنماط في شرح المفهوم:
أولاً: يعتقد بأنه يعد مفهوماً عاماً قابلاً للتطبيق على كافة المجتمعات والنظم المعاصرة باعتباره تعبيراً عن ظاهرة عامة وشائعة الانتشار.
فكل الأنظمة التي يعرفها عالمنا المعاصر هي إلى حد كبير تعددية رغم تباين صورها واختلافها في بعض الأحيان اختلافاً كلياً عن بعضها البعض.
ثانياً: يعتقد بأن التعددية مفهوم مطاط، ليس فقط لكونه تعبيراً عن ظاهرة عامة، بل أيضاً لتباين تطبيقاته واستخدامه في كثير من الأحيان للإشارة إلى حالات وأوضاع متناقضة، الأمر الذي يصعب معه عزل المفهوم عن السياق التاريخي وطبيعة التطور المجتمعي في كل حالة على حدة. ثالثاً: يرى أنه مفهوم مركب بوصفه تعبيراً عن ظاهرة متعددة الأبعاد. فهناك التعددية الثقافية والتعددية الاجتماعية والتعددية السياسية.
رابعاً: يرى بأنه مفهوم معقد بحكم كونه مركباً، وإن كان ليس كل تركيب يقود بالضرورة إلى التعقيد، إلا أن عملية التركيب في الظاهرة التعددية جعلت من المفهوم المعبّر عنها مفهوماً معقداً، وذلك لارتباطه من ناحية بالعديد من المفاهيم الأخرى مثل الطائفية والعرقية والدولة القومية والديمُقراطية..الخ، ولكون الأبعاد الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يقوم عليها من ناحية أخرى تتضمن عناصر متشابكة ومتداخلة تتوقف بدورها على مجموعة كبيرة من العوامل والمتغيرات المتفاعلة سواء في ذلك الداخلية أو الخارجية.
خامساً: يرى أن التعددية مفهوم مراوغ بما يعنيه ذلك من إمكانية استخدامه، على سبيل المثال، للإشارة إلى التعددية السياسية كصيغة تهدف بالأساس إلى امتصاص السخط الشعبي، تماماً مثلما يستخدم للتعبير عن التعددية السياسية بمعناها الشامل بكل ما ترمي إليه من الإقرار بحق كافة القوى في التعبير عن نفسها. ويعتقد البعض أن التعددية تختلف فيما لو كانت مفهوماً، عنها لو كانت مصطلحاً. ويرى نفر في التعددية كمفهوم أنها ترادف التنوع والاختلاف.
أما كمصطلح فيعتقد نفر آخر بأنها تمثل النظام السياسي الذي له خلفية فلسفية ترتبط بإدراك دور الدولة وطبيعة المواطنة بل وطبيعة الإنسان، ولها ملامح مؤسسية ثابتة مستقر عليها، وتقترن بتطور اقتصادي واجتماعي محدد ومناخ ثقافي يقوم على الفصل بين الدين والدولة، وتهدف إلى إدارة الصراع الاجتماعي. بمعنى أن التعددية كمصطلح تعبر عن أحد أشكال الممارسة الديمُقراطية.
يري " روجيه لابوانت"، أن التعددية توجد حيثما يوجد تنوع أياً كان الشكل الذي يتخذه ديني أو عقائدي أو فلسفي أو طبقي أو حزبي... الخ يتمسك به الفرد أو الجماعة. وبهذه الصورة يتغير معنى التعددية بتغيّر الموضوع ذاته، ومن ثم تكون إيجابية مقبولة أو سلبية مرفوضة، وذلك بسبب اختلاف القيم أو الظروف الاجتماعية موضوع التنوّع أو التعدّد في كل حالة. فهي حين تتعلق باحترام المعتقدات الدينية أو الأخلاقية لا تضحى فقط مقبولة بل ويجب التأكيد عليها. غير أن النظرة تختلف حينما يتعلق الأمر بالنواحي الاجتماعية والاقتصادية.
يرى "جان إيفز كاليفز"، أن التعددية قد تتعلق بمجال القانون والدولة. فالدولة هي التي تسبغ الشرعية وتبررها أو ترفضها وتنحّيها جانباً بالنسبة لوضع تعدّدي معيّن من خلال التقنين باستخدام الأداة القانونية.
ويرى "كرافورد يونغ"، أن التعددية في علاقاتها بالدولة القومية ذات السيادة والنظام السياسي القائم فيها، والذي يحدد بصورة قاطعة حدود التفاعل، بغض النظر عن طبيعة هذا التفاعل، بين الجماعات المختلفة التي يتشكل منها المجتمع، والتي تتباين من حيث أصولها العرقية أو اللغوية أو الطائفية، ومن حيث أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، ومفاهيمها السياسية.

مفهوم التعددية السياسية:

التعددية السياسية لها تعريفات كثيرة وهى متفقه في المضمون؛ ومختلفة في طريقة التعبير وهذين تعريفين اثنين:
الأول: للدكتور سعد الدين إبراهيم يقول: "هي مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش والتعبير عن نفسها والمشاركة في التأثير على القرار السياسي في مجتمعها".
الثاني: للدكتور أحمد صدقي الديجانى يقول: "هي مصطلح يعني
أولاً: الاعتراف بوجود تنوع في مجتمع ما يفصل وجود عدة دوائر انتماء فيه ضمن الهوية الواحدة.
ثانياً: احترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من خلاف أو اختلاف في العقائد والألسنة والمصالح وأنماط الحياة والاهتمامات.
ثالثاً: أيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك بحرية في إطار مناسب".
يقول الدكتور طارق عبد الحميد: والتعددية السياسية قد بنيت بالأساس على احترام التعدديات المتنوعة، والمختلفة، والمتضادة كالتعددية الدينية، والتعددية المذهبية، والتعددية الفكرية، كما أن التعددية السياسية تعنى صحة الجسد ويقظة العقل وصحوة الروح وما يتبع ذلك من تعدد البرامج الإصلاحية والمذاهب التطبيقية في كافة مجالات الحياة مما ينشأ عنه اختيار الأفضل وتقديم الأولى.
لقد تم بناء الأحزاب السياسية على نظرية التعددية السياسة، وحق كل فصيل سياسي وطني على تقديم بديل للنظام الحاكم وتبنى وجهات نظر مغايرة، أو وسائل بديلة لما هو مطروح على الساحة في إطار الوسائل السلمية ونهج حرب سلمية سياسية بين الأحزاب لإقناع الآخر، وبتحصيل مصلحتهم، و إقناع الرأي العام ببرامجهم .
أحد تعريفات السياسة هو فن إدارة العلاقات؛ ومواصفات هذه العلاقات أنها بين أطراف مختلفة تماماً في النهج والفكر، وبين أفراد لا يطيع أحدهم الآخر مما يضع التعددية السياسية كرابط أساسي في التعامل السياسي سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

بعض قواعد التعددية السياسية:
- مشروعية تعدد الآراء والأفكار حيث أن المجتمعات لا تتكون من أفراد، أو أحزاب متطابقين ومتجانسين، ولكنها تتكون من مجموعة من العلاقات المختلفة في الدين والمذاهب والأفكار والتعليم والاتجاهات.
- التعددية السياسة تعنى الإقرار بحق الجميع في التعبير عن الرأي، وتداول السلطة والاعتراف بذلك واحترامه وتقبل كل ما ينتج عن التنوع والتعدد.
- أن الهوية الوطنية وما يلزمها من مدركات كالدين، والوحدة، والتعايش المشترك، ومصلحة الوطن هي القاعدة التي ينبغي أن تنطلق منها التعددية.
- التعايش السلمي الآمن والاحترام المتبادل بين أطراف المعادلة السياسة هو النتيجة الطبيعية لانتشار ثقافة التعددية السياسية والعمل على أساسها.
- التعددية السياسية تدعو إلى العمل على أساس القواسم المشتركة، والمصالح المتبادلة، والملفات المتفق عليها، وقبل ذلك وبعده مصلحة البلاد والشعوب، ونبذ الفرقة، ومحاربة الاستبداد والديكتاتورية والحكم الشمولي والأحادي.
- في ذهن السياسي يجب أن يكون هناك رؤيتين واضحتين يربط بينهما وهما:
1- الرؤية الراهنة.
2- الرؤية المأمولة.
والربط هو كيفية الوصول إلى الرؤية المأمولة.
الرؤية الراهنة:
هي الديكتاتورية، واستبداد السلطة، والحكم الشمولي، وتنازع الأحزاب المعارضة، وإقصاء بعض الأطراف المعارضة للآخر من داخلها، وخارجها.
الرؤية المأمولة:
تعددية سياسية وحزبية وتحالفات على أساس النهوض بالوطن، والمصلحة العامة، وانتهاء النزاعات الداخلية بين الأحزاب والحركات، والتداول السلمي للسلطة، وتقديم البرامج المتنوعة واختيار الأصلح منها لخدمة الوطن، وانتشار ثقافة التعددية وقبول الآخر واحترامه والتعاون من اجل النهضة والريادة.

الإسلام والتعددية:
لاشك في أن الزمان سيلد من الوسائل والنظم في الحكم، وفي الإدارة، وفي المصالح المرسلة، الشيء الكثير مادامت للناس عقول واجتهادات ونظريات ومذاهب، ومادامت الحياة مستمرة والنوازل والقضايا متجددة، كتجدد الصناعات والاختراعات التي غيرت شكل الحياة في كثير من جوانبها وآفاقها، والمسلمون ليسوا في معزل عن هذا كله، ولا يمكن أن تقف عجلة الحياة عندهم، أو عجلة التفكير والاجتهادات فيما يصلح لهم ويرتقي بمجتمعهم، كما أنهم ليسوا منعزلين عن العالم، ولا عن أفاقه ووسائله ونظرياته، وكثير من المسائل والمشاكل كانت في الماضي عسيرة الحل، أو مستحيلة التذليل، فتوصلت العقول والاجتهادات إلى تذليلها وحلها، أو تيسيرها وتسهيلها، من هذه الأمور تحقيق المصالح في مجال سياسة الشعوب، لأن السياسة كما يقول ابن عقيل:
"هي ما كان فعلاً يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي "، فإن أردت بقولك: "إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع" فصحيح، وإن أردت: "لا سياسة إلا ما نطق به الشرع" فغلط، وتغليط للصحابة رضي الله عنهم، فقد جرئ للخلفاء الراشدين من الأفعال والاجتهادات ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف، فإنه كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة.
ولقد رأت بعض الأمم في هذا العصر أن أفضل وسيلة لمنع ظلم السلطات هو قيام رقابة شعبية قادرة لها سند قانوني بمراقبة الحاكم في برامجه وتصرفاته، وتستطيع أن توقفه إذا تعدى وأن تستدرك عليه إذا أخطأ، وأن تستبدل به غيره إن رغبت الأمة في ذلك.

حكم التعددية في الإسلام:
يستند المانعون للتعددية إلى ما يلي:
ا - الآيات القرآنية التي تنهى عن التفرق والتنازع وتأمر بالوحدة، مثل قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) {الروم:31-32}، والتفرق الوارد في الآية هو التفرق في الدين المفضي إلى الكفر، وحزب الشيطان الوارد في القران الكريم هم الكفار المحاربون لله ومن والاهم من المنافقين، وفي هذا يقول الله تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) {المجادلة:19}، فلم يرد حزب الشيطان إلا كوصف للكافرين.
2 - التعدد تتنافى مع الوحدة التي يفرضها الإسلام في قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) {آل عمران:103}، وقوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) {آل عمران:105}، وفي الحديث: "لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"رواه البخاري.
والتعدد لا يعني بالضرورة التفرق كما أن بعض الاختلاف ليس ممقوتاً مثل الاختلاف في الرأي نتيجة الاختلاف في الاجتهاد، ولهذا اختلف الصحابة في مسائل فرعية كثيرة ولم يضرهم ذلك شيئاً، واختلفوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم في بعض القضايا مثل اختلافهم في صلاة العصر في طريقهم إلى بني قريظة، وهي واقعة مشهورة ولم يلم النبي صلى الله عليه وسلم أحدا على ذلك من الفريقين، بل اعتبر هذا الاختلاف من باب الرحمة التي وسع بها على الأمة. والاختلاف كما هو معروف قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد، والأول محمود، والآخر مذموم.
فالاختلاف الذي لا يؤدي إلى تفرق ولا عداوة، بل هو تعدد في ظل الأمة الواحدة هو ظاهرة صحية.
3 - التعددية مبدأ مستورد والواجب أن يكون لنا استقلالنا السياسي والفكري ولا نتبع سنن غيرنا.
والذي يحذر منه الجميع ويحذر منه الشرع، هو: التقليد الأعمى في الخير وفي الشر، بحيث يجعلنا ذيولاً لغيرنا نمضي خلفهم في كل شيء، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلناه معهم.
والتشبه الممنوع هو ما كان تشبها فيما هو من علامات تميزهم الديني كلبس الصليب للنصارى، والزنار للمجوس، ونحو ذلك، مما يدخل صاحبه في زمرة المتشبه بهم، ويحيله كأنه واحد منهم. أما الاقتباس منهم فيما عدا ذلك مما هو من شؤون الحياة المتطورة فلا حرج فيه، ولا جناح على من فعله، والحكمة ضالة المؤمن أنئ وجدها فهو أحق الناس بها.
وقد حفر الرسول صلى الله عليه وسلم خندقا حول المدينة، ولم تكن مكيدة تعرفها العرب، إنما من أساليب الفرس، أشار بها سلمان رضي الله عنه. واتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم خاتماً يختم به كتبه، حين قيل له: إن الملوك لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختوماً. واقتبس عمر نظام الخراج ونظام الديوان. واقتبس معاوية نظام البريد. واقتبس من بعده أنظمة مختلفة. وعلى هذا لا غضاضة ولا حرج من اقتباس مبدأ التعدد الحزبي من الديمقراطية الغربية بشرطين:
الأول: أن نجد في ذلك مصلحة حقيقية لنا، ولا يضرنا أن نخشى من بعض المفاسد من جرائه، المهم أن يكون نفعه أكبر من ضرره، فإن مبنى الشريعة على اعتبار المصالح الخالصة أو الغالبة، وعلى إلغاء المفاسد الخالصة أو الراجحة، وقوله تعالى في الخمر والميسر: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) {البقرة: 291}، أصل في هذا الباب.
الثاني: أن نعدل ونطور فيما نقتبسه، حتى يتفق مع قيمنا الدينية ومثلنا الأخلاقية، وأحكامنا الشرعية، وتقاليدنا الحميدة.
ولا يجبرنا أحد أن نأخذ النظام بحذافيره وتفاصيله، ومنها: التعصب للحزب بالحق وبالباطل، ونصرته ظالماً ومظلوماً، على ظاهر ما كان يقوله العرب في الجاهلية: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" قبل أن يعدل الرسول عليه الصلاة والسلام مفهومها لهم، ويفسرها تفسيراً يجعل لها معنى آخر، فنصره ظالماً بأن تأخذ فوق يديه، وتمنعه من الظلم، فبذلك تنصره على هوى نفسه ووسوسة شيطانه.
4 - التعددية الحزبية تجعل الولاء للأشخاص والأحزاب وليس للدولة أو الإسلام الذي بايع على أن يكون له السمع والطاعة، وللدولة الإخلاص والولاء.
هذا صحيح إذا كان الفرد سيتخذ موقف المعارضة للدولة في كل شيء والتأييد لحزبه في كل شيء. وهذا ما لا نقول به. إن ولاء المسلم إنما هو لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين، كما قال تعالى: " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) {المائدة:55-56}.
وانتماء الفرد المسلم إلى قبيلة أو إقليم، أو جمعية، أو نقابة، أو اتحاد، أو حزب، لا ينافي انتماءه للدولة وولاءه لها. فإن هذه الولاء والانتماءات كلها مشدودة إلى أصل واحد هو الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والمحظور كل المحظور هو اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) {النساء:139}، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) {الممتحنة:1}.
وإذا كان النمط الحزبي المعهود هو تأييد الفرد لحزبه في مواقفه، وإن اعتقد أنه مبطل بيقين ومعارضة للدولة وإن اعتقد أنها على حق، فهذا ما لا نقره ولا ندعو إليه، وما لا ينبغي تعديله إلى صيغة تتفق وقيم الإسلام وأحكامه وآدابه.
**********************************
المصادر:
1- فرص التعددية وحدودها واقع القوى السياسية في العالم العربي، تأليف: مارينا أوتاوي، عمرو حمزاوي. دار النهار للنشر.
2- التعددية والحرية في المنظور الإسلامي، تأليف: الدكتور نضير الخزرجي. نشر: بيت العلم للنابهين.
3- التعددية الحزبية في الفكر الإسلامي الحديث، تأليف: ديندار الدوسكي. صادر عن دار الزمان.
4- التعددية السياسية في الدولة الإسلامية تأليف : صلاح الصاوي.
5- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تأليف: ابن قيم الجوزية. مطبعة المدني القاهرة.
6- الموسوعة الحرة ويكيبيديا.



 0  0  2383
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:57 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.