• ×

11:26 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

المقامة الأخلاقية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
المقامة الأخلاقية
أ. جبران بن سلمان سحّاري
مؤسس مدرسة الميزان للنقد الأدبي
بالرياض، عضو نادي جازان الأدبي .



حدثنا عمرو بن هشام الحميريُّ قال: طرحتني النوى كل مطرح، فرأيتُ البغاث قد هزم المضرح، فقلتُ: ما خطبك يا ابن هشام؟ وما معنى الكلام؟ فقال: يا هذا إن البغاث بأرضنا يستنسر، والمتيسر لا يغلب المتعسر، قلتُ: أوضح زيادة، تنل الإفادة، فقال: على الأخلاق السلام، هذا ونحن بأرض الإسلام ! فقلتُ: مم تتوجس، قال: تقاصر الريحانُ عن النرجس، فانطبق قولُ أمير الشعراء:
وإذا أُصيبَ القومُ في أخلاقهم *** فأقم عليهم مأتماً وعويلا
وقول الآخر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
قلتُ: يا ابن هشام أفصح وابتعد عن الإلغاز، سائراً على خطى الإيجاز، فقال: ترى المناظر المؤسفة، كاللعب على الأرصفة، والتجمهر في الشوارع العامة، والإدلاء بكل طامة، وتصوير حوادث المرور، كأنها حديقة الزهور، والتلفظ بما يأنف عنه السمع، وينسكب له الدمع، وتراه في الخط السريع، يمص الحليب كالرضيع، ثم يرمي العلبة في الطرقات، ظاناً أنها (حاوية المخلفات) فكم أرهق (البلدية) ولم يراع بلديَّه، ووضع الأذى في الطريق، وجلب للناس الحرج والضيق، وإن نصحه ناصح وأرشده مرشد، قال: لا تتدخل ولا تزد، وكأن المنكرَ من خصوصياته، والإفسادَ من مميزاته، ويضيف قائلاً: أنا حر، وإن مسني الضر، كأن الحرية في الإساءة مطلقة، وفي الإحسان مغلقة، وإن مرّ بجاره، لم يلقِ السلامَ وهو بجواره، وإن سلم فبصوتٍ خافت، كأنه سرٌّ من الأسرار الثوابت، وإن دخل باب العمل أو الدراسة، دفعه بحماسة، ثم أعاده على من خلفه بفراسة، وإن ابتُلي بـ(التدخين)، فتراه يُهانُ ويُهين، ولا يكاد يُبين، فيؤذي في عمله الموظفين والمراجعين، وفي طريقه الركاب والمرافقين، وفي سفره المغادرين والقادمين، وفي نسكه الحجاج والمعتمرين، وفي أماكن الانتظار يؤذي القراء والمصلين، وفي المستشفى يؤذي المرضى والمشرفين، وفي كل مكان يشتكي منه جمعٌ من المسلمين، وحتى في (المصاعد) يؤذي كل صاعد، وهو يقرأ في اللائحات: (ممنوعٌ التدخين) فهذا كبر عليه أربعاً لوفاةِ ضميره، وضياع أخلاقه وسوء مصيره، أين تعامل المسلمين الراقي؟ أم أنه يسقط عنه في (المصاعد) و(المراقي) وفي الأسواق والسواقي! لقد خلد الدمع في المآقي، وما له من راق !
هذا ولا تسل عن سوء ألفاظه، وقبحه وامتعاظه، وحكمه وأمثاله، التي استقاها من أمثاله، وعلمها أهله ودرسها بعض أطفاله، فتجده يُكَذِّبُ ويُصَدِّق، ويهزأ ويضحك قائلاً: لا تدقق ! ويعد ويخلف فلا سبيل إليه، قائلا: (اسحب عليه !) لقد رضي بآية المنافق، وغيّر اسمها ببدلٍ مطابق، تأثر بالغزو الغربي، وما كان بجانب الغربي !
هذا ولم نتحدث عن الإعجاب والتقليد في المظهر واللباس، و(قصات) الأجناس، فهذا يفنى فيه الكراس، فالله المستعان على بعض الناس .
قلتُ: ما أعظم هذا الكلام، لقد أخذ من (الإصلاح) بالزمام، فمن أملاه من الأعلام؟ قال: قنبس بن أبي العنبس والسلام .


 4  0  1122
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:26 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.