• ×

08:03 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

تاكيو أوساهيرا  

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


" تاكيو أوساهيرا "

image

اليابان وما أدراك ما اليابان !
دعونا نتعلم من تجارب الآخرين فقد علمنا ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم وأشار إلى ذلك القران .
نتعلم من اليابان كيفية البحث عن سبل التطور في أي مكان .
نتعلم من اليابان النهوض بعد السقوط مع عدم النسيان !
نتعلم من اليابان كيف نكون منتجين وكيف نستخرج الثروات بالتنقيب في داخل الإنسان !
نتعلم من اليابان كيف و ماذا نصدِّر و ماذا نستورد وما هو الذي يحقق مصالح الأوطان ؟
نتعلم من اليابان كيف نغزوا بمنتجاتنا بقية البلدان .
نتعلم من اليابان أنه لا تعارض بين الحضارة والأديان !
نتعلم من اليابان كيف نحقق مجد الأوطان .
نتعلم طرق ووسائل التربية والتعليم من اليابان .
نتعلم محاربة الفساد و الشفافية ورفع معدلات النمو ومحاربة البطالة و تحمل المسؤولية من اليابان !
نتعلم كيف يعمل الكبير والصغير كخلية واحدة لتحقيق تفوق اليابان .
نتعلم من اليابان كيف يكون الإتقان و كيف يُصنع الإنسان ؟
فلم يصنع في اليابان سوى الإنسان !
*****
لماذا لا نستنسخ أعظم تجربة في التاريخ الحديث , تجربة اليابان ؟
نحن لا ينقصنا شيء سوى العزم والتخطيط وقرارات الشجعان !
فالإنسان الشاب المتعلم موجود , والطموح موجود , والتقنية متوفرة , والموقع يتوسط العالم , ومساحة وطننا كبيرة ومتنوعة , وكذلك وجود الثروات .
فماذا بقي لنحقق المعجزات ؟!
قد يقول البعض هذا من الخيال , وأعتقد أن بعض أبناء اليابان قبل أن يتحقق حلمهم العظيم قال نفس المقال !
صدقوني كل المنجزات الحضارية بدأت كخيال .
فلماذا نحرِّم على أنفسنا الخيال !
استهتارنا بالطموح و الخيال جعل قائمة طموحات الشاب السعودي تنحصر في ثلاث :
(السيارة الزوجة و البيت ) , وغيرها يُعتبر وكأنه خلف السّراب لُهاث !
لماذا لا نضيف إلى هذه القائمة " الوطن " !
طموحات الوطن , أحلام الوطن , حاجات الوطن !
و تأمين مستقبل الأجيال !
كم هي سعادتك عندما يشار إلى منتجات بلادك في الخارج بالبنان !
علاوة على ما ستعيشه البلاد من رغد في العيش وبناء وعمران وأمان .
*****
أعجبتني اليابان وأعجبتني قصة " تاكيو أوساهيرا " :
ذلك المبتعث من قبل حكومته مع مجموعة أبناء جلدته لدراسة الماجستير والدكتوراه في ألمانيا في القرن الماضي .
ماذا كان يطلب منه أساتذته وماذا كان يريد ؟
لم يذهب للحصول على " حرف " لقد ذهب للحصول على حرفة !
ولندع بطل قصتنا هذا اليوم يحكي لنا قصته على لسانه وأتمنى منكم أن تعيشوا معه وكأنكم انتم هو , وإليكم ماذا يقول :
لو أنني اتبعت نصائح أستاذي الألماني ، الذي ذهبت لأدرس عليه ، في جامعة هامبورج ، لما وصلت إلى شيء !
كانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس أصول الميكانيكا العلمية.
كنت أحلم بأن أتعلم، كيف أصنع محركا صغيراً ؟
كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى " موديل " , فهو أساس الصناعة كلها، فإذا عرفت كيف تصنعه وضعت يدك على سر هذه الصناعة كلها.
وبدلا من أن يأخذني الأساتذة إلى معمل ، أو مركز تدريب عملي ، أخذوا يعطونني كتباً لأقرأها !
وقرأت حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها , ولكنني ظللت أمام المحرك، أياً كانت قوته، وكأنني أقف أمام لغز لا يحل !
وفي ذات يوم، قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع , كان ذلك أول الشهر، وكان معي راتبي .
وجدت في المعرض محركاً ، قوة حصانين، ثمنه يعادل مرتبي كله , فأخرجت الراتب ودفعته، وحملت المحرك، وكان ثقيلاً جداً .
وذهبت إلى حجرتي، ووضعته على المنضدة , وجعلت أنظر إليه، كأنني أنظر إلى تاج من الجواهر !
وقلت لنفسي: هذا هو سر قوة أوروبا ، لو استطعت أن أصنع محركاً كهذا ، لغيرت اتجاه تاريخ اليابان !

وطاف بذهني خاطر يقول: إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال وطبائع شتى ، مغناطيس كحدوة حصان ، وأسلاك ، وأذرع دافعة ، وعجلات ، وتروس ، وما إلى ذلك , لو أنني استطعت أن أفكك قطع هذا المحرك ، وأعيد تركيبها ، بالطريقة نفسها التي ركبوها بها ، ثم شغلته فاشتغل ، أكون قد خطوت خطوة نحو سر " موديل " الصناعة الأوروبية .

وبحثت في رفوف الكتب التي عندي ، حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات , وأخذت ورقاً كثيراً ، وأتيت بصندوق أدوات العمل ، ومضيت أعمل , رسمت منظر المحرك , بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمي أجزاءه ، ثم جعلت أفككه ، قطعة قطعة ، وكلما فككت قطعة ، رسمتها على الورق بغاية الدقة ، وأعطيتها رقماً .
وشيئا فشيئا فككته كله ، ثم أعدت تركيبه وشغلته فاشتغل , كاد قلبي أن يقف من الفرح !
استغرقت هذه العملية ثلاثة أيام ,كنت آكل في اليوم وجبة واحدة، ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل.
وحملت النبأ إلى رئيس بعثتنا فقال : حسناً ما فعلت ، الآن لابد أن أختبرك ، سآتيك بمحرك متعطل ، وعليك أن تفككه ، وتكشف موضع الخطأ ، وتصححه ، وتجعل هذا المحرك ، العاطل يعمل !
كلفتني هذه العملية عشرة أيام , عرفت أثناءها مواضع الخلل ، فقد كانت ثلاث من قطع المحرك بالية متآكلة .
صنعت غيرها بيدى ، صنعتها بالمطرقة والمبرد !
إنني بوذي على مذهب " رن " ، ومذهبي هذا يقدس العمل , فأنت تتعبد إذ تعمل ، وما تعمله بعد ذلك من شيء نافع ، يقربك من بوذا !!

بعد ذلك قال رئيس البعثة وكان بمثابة الكاهن يتولى قيادتي روحيا : عليك الآن أن تصنع القطع بنفسك، ثم تركبها محركاً !
ولكي أستطيع أن أفعل ذلك ، التحقت بمصانع صهر الحديد، وصهر النحاس ، والألمنيوم !
و بدلاً من أن أعد رسالة دكتوراه ، كما أراد مني أساتذتي الألمان ، تحولت إلى عامل ألبس بذلة زرقاء !
أقف صاغراً إلى جانب عامل صهر معادن ، كنت أطيع أوامره كأنه سيد عظيم ، حتى كنت أخدمه وقت الأكل !
مع أنني من أسرة " ساموراي " ، ولكنني كنت أخدم اليابان، وفي سبيل اليابان يهون كل شيء !!

قضيت في هذه الدراسات والتدريبات ثماني سنوات ، كنت أعمل خلالها ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم .
وبعد انتهاء يوم العمل، كنت آخذ نوبة حراسة !
وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة !

وعلم " الميكادو ( إمبراطور اليابان ) " بأمري ، فأرسل لي من ماله الخاص، خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهب ،
اشتريت بها أدوات مصنع محركات كاملة ، وأدوات وآلات.
وعندما أردت شحنها إلى اليابان ، كانت النقود قد فرغت فوضعت راتبي وكل ما ادخرته.
وعندما وصلنا إلى " نجازاكي " قيل لي: إن " الميكادو " يريد أن يراني .
قلت: لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشئ مصنع محركات كاملاً !

استغرق ذلك تسع سنوات.
وفي يوم من الأيام حملت مع مساعدي عشرة محركات صنعت في اليابان ، قطعة قطعة .
حملناها إلى القصر، ووضعناها في قاعة خاصة ، بنوها لنا قريباً منه ، وأدرناها .
ودخل " الميكادو " ، وانحنينا نحييه ، وابتسم، وقال :
هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي ، صوت محركات يابانية خالصة !!

هكذا ملكنا " الموديول " ، وهو سر قوة الغرب ، نقلناه إلى اليابان !
نقلنا قوة أوروبا إلى اليابان ، ونقلنا اليابان إلى الغرب !
ثم ذهبنا وصلينا في المعبد !!!
وبعد ذلك نمت عشر ساعات كاملة لأول مرة في حياتي منذ خمس عشرة سنة !
*****
أرأيتم كيف يُصنع الإنسان في اليابان !
لم يبخلوا في التعليم , واجتهدوا في التربية , وصانوا كرامة الإنسان !
فهل سيستفيد شبابنا من قصتنا أم لا , وهل سيُقدّم لهم العون ممن ولاه الله ؟
أملي كبير جداً في شبابنا أن تكون عزّة ورفعة هذا الوطن على أيديهم إن شاء الله !
وأملي في ولاة الأمر أن لا يبخلوا على شبابنا بالدعم المادي والمعنوي وبالتوجيه !
*****
" إن اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ، ووقفنا منها موقف الزبون، إنها استوردت منها الأفكار بوجه خاص، ونحن استوردنا منها الأشياء بوجه خاص ".
مالك بن نبي رحمه الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللهم علمنا ما جهلنا وانفعنا بما علمتنا
وإلى جمعة قادمة وفقكم الله ووفق شبابنا وولاة أمرنا

 21  0  2084
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:03 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.