• ×

09:46 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

إطلالة على الإمبريالية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إطلالة على الإمبريالية

=====================

image

تعريف الإمبريالية:
الإمبريالية (Imperialism) هي سياسة تهدف إلى فرض سيطرة الدولة ومد نفوذها إلى أراضي غيرها من الدول. تتم هذه السيطرة في الغالب بطرق عسكرية، وتسمى هذه السياسة أيضاً بالسياسة التوسعية. وهي تهدف أساساً للحفاظ على الإمبراطورية، عن طريق إيجاد أسواق جديدة لصادرات الدولة، والحصول على مصادر رخيصة للعمالة والمواد الخام والطاقة. كما تهدف إلى إعلاء المكانة السياسية والإستراتيجية للإمبراطورية.
كما تُطلق الإمبريالية أيضاً على السياسات التي تهدف إلى وجود مستعمرات للدولة خارج أراضيها، بغض النظر عن كون هذه الدولة إمبراطورية أم لا.

تعريف الإمبريالية عند "لينين":
يقول "لينين" عن الإمبريالية: "إنها المرحلة العليا للرأسمالية".
وبالرغم من أن النظريات الماركسية تعتبر الإمبريالية عملاً تقوم به الدول الرأسمالية الغنية، إلا أن البعض يرى أن الاتحاد السوفيتي السابق كان يمارس نوعاً من الإمبريالية الاجتماعية على دول الكتلة الشرقية والدول الأخرى القريبة.

تعاريف أخرى الإمبريالية:
- تعريف الإمبريالية في قاموس أوكسفورد: "هي مدٌ غير عسكري لبسط النفوذ في بلد ما من خلال التجارة والدبلوماسية".
- تعريف الإمبريالية في الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية:
"ترتبط الإمبريالية بسياسة السيادة المباشرة وبسط الهيمنة الغير متصلة، وتقع كثيراً فيما وراء البحار البعيدة، وهي تدل أيضاً على سيطرة الدول القوية سياسياً أو اقتصادياً بصورة غير مباشرة على الشعوب الأضعف. وهي أيضاً مذهب يقوم على استخدام القوة المتعمدة.
وقد وصِفت الإمبريالية بأنها سياسة لا أخلاقية، وبالتالي فكثيراً ما يستخدم هذا المصطلح في وصف التوسع والعدوانية في السياسة الخارجية".
- تعريف الإمبريالية عند المؤرخ "رونالد جون روبنسون":
"إن الإمبريالية بشكل أكثر تحديداً، هي السيطرة على شعب واحد أو أكثر من شعوب الدول الأخرى".

ماذا تعني الإمبريالية؟
هي بالإنجليزية (Imperialism) أي التسلطية، هي سياسة توسيع السيطرة أو السلطة على الوجود الخارجي. وتكون هذه السيطرة بوجود مناطق داخل تلك الدول أو بالسيطرة عن طريق السياسية أو الاقتصاد. ويطلق هذا التعبير على الدول التي تسيطر على دول تائهة أو دول كانت موجودة ضمن إمبراطورية الدولة المسيطرة. وقد بدأت الامبريالية الجديدة بعد عام 1860م عندما قامت الدول الأوربية الكبيرة باستعمار الدول الأخرى.
أطلق هذا التعبير في الأصل على بريطانيا وفرنسا أثناء سيطرتهما على أفريقيا ويعتبر "لينين" أن وجود الامبريالية مترابط مع الرأسمالية لأنها تستخدم الدول المستعمَرة على أنها أسواق جديدة أو مصادر لمواد أولية.
الامبريالية لها معنيين هما العمل والموقف:
1- العمل: الامبريالية هي توسيع نطاق ممارسة السلطة أو السيطرة على حكم بلد واحد فوق مناطق خارج حدودها. الامبريالية تستخدم أيضاً للإشارة إلى الحالات التي تكون فيها طريقة المراقبة أقل من حيث الناحية الرسمية؛ أثناء هيمنتها وتأثيرها على البلاد الخاضعة لها، أو السيطرة على المناطق الاقتصادية التابعة لها.
2- الموقف: الامبريالية هي موقف التفوق، والتبعية والسيطرة الأجنبية على الشعوب. فالإمبريالية استبدادية في كثير من الأحيان، وأحياناً متجانسة الطابع.
في حين أن مصطلح الامبريالية كثيراً ما يشير إلى المد الجغرافي أو السياسي، مثل الإمبراطورية الروسية، أو الإمبراطورية البريطانية، وما إلى ذلك، فإن المصطلح يمكن أن ينطبق بالمثل على مجالات المعرفة، والمعتقدات والقيم والخبرات.
ونجد في التاريخ أمثلة للإمبريالية القديمة مثل الإمبراطورية الآشورية، والإمبراطورية الرومانية، واليونان، والإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية العثمانية، ومصر القديمة، والهند.
على الرغم من أن الممارسات الامبريالية كانت موجودة منذ آلاف السنين، فإن مصطلح الامبريالية عموماً يشير إلى أنشطة دول مثل بريطانيا واليابان وألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، على سبيل المثال التزاحم على أفريقيا، وسياسة الباب المفتوح في الصين.

الإمبريالية الأمريكية:
لا شك أن الولايات المتحدة تمثل اليوم الإمبريالية العظمى في التاريخ الحديث فماذا تعني الإمبريالية الأمريكية؟
الإمبريالية الأمريكية هو مصطلح يستخدم للإشارة إلى سياسة حكومة الولايات المتحدة في ممارسة الهيمنة على دول أخرى من خلال القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية. البعض ينكر وجود إمبريالية، والبعض الآخر يعتقد أنها ذات طابع جيد حسنة النية، والبعض الآخر يرى فيها قهر و تدهور للدول و الشعوب الضعيف المستهدفة.

نشأة الإمبريالية الأمريكية:
بدأ تكوين ما يسمى اليوم بالولايات المتحدة الأمريكية عبر حرب ضد الهنود الحمر، تم من خلالها تدمير المنازل والتهجير الجماعي وحرق المحاصيل، بل وصل الأمر إلى قتل ما يقرب من 18 مليون شخص من الهنود.
وما أن تم تشييد المجتمع الأمريكي الحديث حتى ظهرت الميول الاستعمارية وتم البدء بدول الجوار في الأمريكتين. ففي عام 1833م تم غزو نيكارجوا وتبعها غزو بيرو عام 1835م لفرض آراء سياسية بالقوة على تلك البلاد.
وفي عام 1846م تم شن عملية عسكرية كبرى على المكسيك انتهت باحتلال مساحات من الأراضي المكسيكية فيم يطلق عليه اليوم ولايات تكساس وكاليفورنيا ونيو مكسيكو الأمريكية. وفي عام 1855م شنت عمليتين عسكريتين الأولى استهدفت غزو أراجواي والثانية السيطرة على قناة بنما.
وعلى مدار الربع قرن الأخير من القرن الـ 19 تم غزو كولومبيا عدة مرات، تلاها هايتي عام 1888م، ثم شيلي 1891م، ومرة أخرى إعادة اجتياح نيكارجوا عام 1894م، ثم اختتم القرن بغزو كوبا على مدار ثلاث سنوات انتهت باستيلاء أمريكا عام 1901م على أراضي جزيرة جوانتانامو التي تضم الآن أشهر معسكر اعتقال في العالم يضم العديد من الأسرى من معظم دول العالم.(1)

الإمبريالية الأمريكية في القرن العشرين:
بدأ القرن العشرين بإحكام السيطرة على جزيرة جوانتانامو تلاها مباشرة في نفس العام العديد من العمليات العسكرية في كولومبيا، وفي العام التالي كانت عملية أخرى في هندوراس. وفي العام 1914م قامت قوات المارينز بغزو هايتي والاستيلاء على البنك المركزي لتحصيل ديون هايتي لأمريكا بالقوة، وفي العام التالي تم احتلال هايتي لمدة 19 عاماً.
وفي الحرب العالمية الأولى دخلت أمريكا حليفاً لبريطانيا وفرنسا في حرب إعادة اقتسام المستعمرات في العالم. في نفس الوقت قامت بشن حملة عسكرية في عام 1916م على جمهورية الدومينكان لفرض سيطرتها وتعيين حكومة عسكرية استمرت ثمان سنوات، بدلاً من الحكومة الثورية التي قامت بإسقاطها. وفي عام 1932م شنت القوات الأمريكية عمليات عسكرية بهدف غزو السلفادور.
اشتركت أمريكا في الحرب العالمية الثانية التي أنهتها بإلقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناجازاكي لتقتل ما يقرب من 200 ألف نسمة وتصيب وتشوه مئات الآلاف من المدنيين.
وفي عام 1954م أطاحت أمريكا بحكومة جواتيمالا.
وفي عام 1961م فشلت أمريكا في عميلة إنزال لقواتها بكوبا فيما عرف بعملية غزو خليج الخنازير.
وفي عام 1967م دعمت المخابرات الأمريكية الحكومة العسكرية في بوليفيا لمحاربة الثوار بزعامة جيفارا.
وفي نهاية الستينات وإلى بداية السبعينيات حاولت أمريكا غزو فيتنام وبالرغم من هزيمتها إلا أنها خلفت ورائها ما قد يصل إلى ثلاثة مليون قتيل من الشعب الفيتنامي.
وفي عام 1973م ساهمت أمريكا في إنهاء حكم "سلفادور إيندي" في شيلي ونجاح اليمين في إقامة حكومة ديكتاتورية عسكرية.(1)
في عام 1982م دخلت أمريكا بقوات في لبنان لمطاردة عناصر المقاومة الفلسطينية ولدعم إسرائيل في غزوها للبنان تحت ستار قوات حفظ السلام الدولية واضطرت للانسحاب في عام 1983م بعد قتل 241 جندي من المارينز في عملية واحدة.
في عام 1986م غارت الطائرات الأمريكية على الأراضي الليبية بحجة تورط ليبيا في عمل إرهابي ضد أمريكا، أسفرت الغارات عن قتل وإصابة العشرات.
وفي عام 1989م تم اجتياح بنما لعزل الديكتاتور "نورييجا" الذي كانت قد نصبته للحكم من قبل، وأسفر الغزو عن قتل عشرة آلاف بنمي والسيطرة على قناة بنما الهدف الوحيد من الغزو.
وفي عام 1992م حصلت أمريكا على تفويض من الأمم المتحدة بقيادة تحالف لاحتلال الصومال، قتل فيها عشرة آلاف صومالي، بحجة إعادة الاستقرار إليه بعد حرب أهلية طاحنة.
وفي عام 1991م دخلت أمريكا على رأس تحالف دولي في حرب مع الجيش العراقي فيما سمي بعملية تحرير الكويت، أسفرت عن إلقاء 880 ألف طن من القنابل ليتم قتل ما يقرب من 200 ألف عراقي وإصابة ما يزيد على نصف مليون آخرين علاوة على عشرات الآلاف الذين أصيبوا بالسرطان على أثر ضرب الأراضي العراقية بقنابل اليوارنيوم المخصب.
قصفت الطائرات الأمريكية ملجأ العامرية. مما أدى إلى قتل 400 مدني وجرح أكثر من 1.500 آخرين، العديد منهم من النساء والأطفال.
تم قتل عشرات الآلاف من الجنود العراقيين العزل عند نهاية حرب الخليج الثانية.
تم فرض حصار وعقوبات شاملة ضد العراق، الذي عانا من جرّائه الجماهير العراقية لعملية نقص في الغداء. فبسبب العقوبات مات نصف مليون طفل عراقي خلال عقد التسعينات فقط، ومات أكثر من مليون عراقي آخرين.
في عام 1999م أمطرت قوات التحالف - الأمريكي البريطاني - العراق بوابل من القنابل والصواريخ أدى إلى سقوط مئات الضحايا وآلاف المصابين علاوة على تدمير العديد من منشئات البنية الأساسية والمنازل وخسائر جمة في مخازن السلع. وذلك لإجبار "صدام" على دخول المفتشين الدوليين للعراق.

الحرب على الإرهاب والإمبريالية الأمريكية:
أتاحت "الحرب ضد الإرهاب" للولايات المتحدة الأمريكية إقامة مجموعة قواعد عسكرية في آسيا الوسطى، وهي منطقة جديدة بالنسبة لها، وإرسال قواتها من جديد إلى الفيليبين التي ُسحبت منها خلال سنوات 1990م. ليس الحفاظ على السيطرة العسكرية الأمريكية الهدف الوحيد للإستراتيجية الكبيرة لإدارة بوش.
إنها تسعى أيضاً إلى فرض النموذج الأمريكي من الرأسمالية اللبرالية على العالم برمته. يؤكد بوش في تقديمه لوثيقة الإستراتيجية القومية للأمن قائلاً: "انتهت الصراعات الكبرى للقرن العشرين بين الحرية والتوتاليتارية بنصر حاسم لقوى الحرية وبنموذج مستديم وحيد لنجاح أمة: الحرية والديمقراطية والسوق الحرة".
إنه بالفعل نمط خاص جداً من النزعة الأممية التي تترك للشعوب حرية اختيار "النموذج الوحيد المستديم"، الرأسمالية الليبرالية.
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م قررت أمريكا اجتياح أفغانستان لإسقاط حكم طالبان ومطاردة "بن لادن" ضمن عملية كبيرة استهدفت القضاء على ما سمته بالإرهاب. أسفرت عن قتل ما يزيد عن خمسة آلاف شخص وتشريد وتجويع ملايين الأفغان لينتقلوا من وضع سيئ لوضع أكثر سوءاً.(1)

المسلمون والإمبريالية الأمريكية:
حسب بعض المؤيدين لفكرة "المؤامرة الطائفية" (sectarian conspiracy) فإن ما يشهده العراق حالياً هو جزء من خطة واسعة يمكن أن ندعوها - صناعة أمريكية - لتقسيم وتشتيت شعب العراق، بخاصة، والعالم العربي - الإسلامي، بعامة. فحسب فكرة المؤامرة الطائفية، فأن مئات آلاف المسلمين قُتلوا عندما دفعت الولايات المتحدة نحو إشعال الحرب العراقية - الإيرانية مع استمرارها تزويد الطرفين بآلة الدمار بغية إنهاك الدولتين وبذر عوامل الكراهية والشقاق والاحتراب بين المذهبين الإسلاميين. كذلك قُتل مئات آلاف أخرى عندما قررت الولايات المتحدة التخلص من النظام العراقي السابق.(2)

الإمبريالية الأمريكية والنفط العربي:
الوضع الأمريكي الجديد قائم على القوة القطبية الواحدة، حيت تم التحول إلى الولوج في القرن الأمريكي الجديد (بالإنجليزية: The New American Century)؛ وهو ما يعني تغيير الأدوات والإستراتيجيات المؤدية إلى ذلك وفقًا لمتطلبات هذه المرحلة، وبالتالي التحول عن سياسة الاحتواء المزدوج التي فشلت في التعامل مع العراق على مدار أكثر من عقد إلى اتباع سياسة الاقتلاع من الجذور وفق الحكمة الشهيرة "الوقاية خير من العلاج" أو حسب المنهج الوقائي الأمريكي الجديد Preemptive. فالولايات المتحدة تمسك حاليًا بناصية العوامل المؤهلة للعب دور إمبراطوري بشكل نادر الحدوث؛ فهي تمتلك القوة العسكرية والأرضية الاقتصادية القوية، وكذلك القوة العلمية والتكنولوجية، كما تمتلك أيضًا القوة الناعمة "Soft Power"، ويقصد بها القوة الثقافية -وليست الروحية- التي تبدأ من سيجار المارلبورو، ومرورًا بأفلام هوليود، وانتهاء بالسيارة "الجاجوار". هذه القدرات لم تجتمع أبدًا في قوة عالمية مثلما اجتمعت في الولايات المتحدة.
يعتقد بعض المحللين أن وجود القانون الدولي وهيئة الأمم المتحدة شكل عقبة أمام أمريكا، لذلك عمدت إلى تجاوز الأمم المتحدة ومحاولة إلغائها، وسيطرت على مجلس الأمن وجعلته لعبة بين يديها ودائرة من دوائرها وصاغت قراراته كما تريد.(3)
النظرة الجيوسياسية التي تهيمن على فكر الإدارة الأمريكية تجاه العراق، والتي تنبع من الرغبة في بسط الهيمنة العالمية، لا تقتصر فقط على الاحتفاظ بقواعد عسكرية حول العالم في أي وقت تريده، ولكنها أيضًا ترى ضرورة التحكم في مختلف مصادر الموارد الطبيعية المؤكدة والمحتملة، والتي يأتي على رأسها النفط، وخاصة نفط الخليج.(4)
فالرغبة الأمريكية في السيطرة على النفط الخليجي لا تنبع من حجم مساهمتها في الاحتياجات النفطية الأمريكية، بقدر ما هو السبيل لجعل الولايات المتحدة تحتفظ بمفاتيح الطاقة العالمية في يدها، وما يعنيه ذلك من التحكم في حركة منافسيها العالميين.
وإنما لبسط الهيمنة على واحد من أهم مصادر الطاقة في العالم لكي تكتمل مقومات الإمبراطورية الأمريكية المزمع بناؤها، وليس أدل على ذلك مما ورد في إستراتيجية الطاقة القومية (National Energy Policy) أو ما يعرف بـ"تقرير تشيني" (Cheney Report) الذي يشير إلى ضرورة أن يكون هناك قواعد عسكرية على رأس جميع منافذ النفط في العالم بدءاً من كازاخستان، وانتهاء بأنجولا في أفريقيا.
كما تشير تلك الوثيقة أيضًا إلى أنه بحلول عام 2020 فإن النفط الخليجي سيساهم بما يتراوح بين 54 و67% من معروض النفط العالمي الخام: "وهو ما يجعل هذا الإقليم حيويًّا بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية". هكذا يقول التقرير حرفيًّا، كما تشير بعض التقديرات إلى أن السعودية التي تصل طاقتها الإنتاجية حاليًا إلى نحو 10.5 ملايين برميل يوميًّا، والعراق بنحو 2.5 مليون برميل يوميًّا، سوف ترتفع طاقتاهما الإنتاجيتان كي تصل إلى نحو 22.1 و10 ملايين برميل يوميًّا لكل منهما على التوالي، وذلك خلال الـ 17 عامًا القادمة.(4)

الإمبريالية بين الماضي و الحاضر:
بقدر ما تزداد أهمية الإمبريالية يقل الكلام عنها وتقل الكتابات عنها أو بكل بساطة تندر الإشارة إليها. وتروج جملة كاملة من الأفكار المبهمة وعديمة الشكل للإمبريالية مثل: العولمة والليبرالية الجديدة و"الفكر الوحيد".
إن الإمبريالية هي السيطرة والتحكم والتملك والاستغلال الذي تمارسه الطبقات السائدة في أمة على أمة أخرى وعلى مواردها وسوقها وسكانها. وحالياً وعلى نطاق غير مسبوق تتحكم البنوك والشركات المتعدد الجنسيات والمؤسسات المالية لأوربا والولايات المتحدة الأمريكية في الغالبية العظمى من أهم المنظمات الاقتصادية التي تنتج وتستثمر وتتاجر وتروج للرأس مالية والسلع الاستثمارية.
وليست هذه الأخيرة شركات دون دول إذ توجد الشركة الأم في أوربا أو الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه الدول تتفاوض وتناور وتضغط وتثير الحروب وتخلق الفرص وتشتري المنافسين وتطيح كل العقبات أمام توسعها الاقتصادي وتقضي على خصومها الفعليين أو الوهميين.
وتشهر الحكومات الإمبريالية التهديد النووي وتستعمل أسلحة التكنولوجيا المتطورة لتدمير خصومها. ويقوم مفاوضوها التجاريون بإلغاء كل تقليص للمنافسة ويبررون الحواجز التجارية لمنشأتهم الخاصة. وتتمثل الوظيفة الأساسية للدولة الإمبريالية في السيطرة بكيفية تسمح بازدهار شركاتها متعددة الجنسية. وقد أصبحت الإمبريالية أكثر قوة وتوسعاً مع تطور رأسماليين عالميين. حيث أصبحت الدولة الإمبريالية تستخدم مزيداً من الموظفين لفتح الأسواق ولجمع مبالغ طائلة ولتمويل زبائنها من الأنظمة التي تعاني أزمة مالية وتبعث أفضل خبرائها البنكيين للتفاوض حول الديون وتتم زيادة الأموال المرصودة لهم لتحسين قدراتها العسكرية والتجسسية ولتدمير أعدائها وإضعاف منافسيها، وتقدم الدولة الإمبريالية مساعدات لجيش صغير من الايديولوجيين (المفكرين) التي لا ولاء وطني لهم. وترتكز هيمنة الدولة الإمبريالية على إنكار سلطتها لأجل توسيعها وتعميقها.

مكونات السلطة الإمبريالية:
يتم التذكير بدون توقف بان الشركات متعددة الجنسية حالياً ليس لها هوية وطنية. لكن دراسة ميدانية حديثة لاحظت أن أكثر من80 بالمائة من القرارات الأساسية حول الاستثمارات والتكنولوجيا تتخذ في الشركة الأم في البلد الأصلي. وبينما الشركات متعددة الجنسية تنتج وتبيع في كل بلدان العالم تستمر إدارة الشركة الأم انطلاقاً من أوربا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان . باختصار توجد الشبكات الاقتصادية الدولية تحت رقابة الإمبريالية.

منهج الإمبريالية اليوم:
خلال المرحلة السابقة للثورة البلشفية عام 1917م كان الإمبريالية تعني نظاماً أوربياً أمريكياً للسيطرة الاستعمارية على أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. اذ تعاونت الدول الاستعمارية والرأسمالية ألأوربية الأمريكية واليابانية لاجتياح الأراضي والشعوب. وقبلت البلدان المسيطرة نعتها بالقوى الإمبريالية علامة على هيبتها كقوة عظمى. وبعد الثورات الشيوعية وظهور حركات التحرر الوطني واختفاء القوى الإمبريالية الفاشية فقدت تسمية الإمبريالية هيبتها. وظلت مرتبطة بالنهب والسيطرة. ومراعاة للحساسيات الديمقراطية بالغرب ولتمرد العالم الثالث اتخذت الممارسة الإمبريالية لنفسها قناعاً وظهرت لغة جديدة:
"أنظمة ما بعد الاستعمار".
"البلدان السائرة في طريق النمو".
"البلدان المتطورة".
لقد استمر واقع الإمبريالية لكنه أصبح مطموساً أكثر.
يقلد الاستعمال الحالي للتدخلات العسكرية الإمبريالية نظيره في الماضي. وخلال المرحلة الاستعمارية كان الاحتلال الأوربي الأمريكي ونهب القارات مبرراً باسم الحضارة الغربية. أما الآن فانه يتم ربط الحروب العدوانية والاحتلال العسكري بمهمات إنسانية.
في الماضي كانت الأسطورة الإمبريالية هي اكتشاف"بلاد جديدة" أما الآن فإنها أسطورة "الاجتياح باستدعاء من المجتاح".
في الماضي كان المغامرون والموظفون التجاريون يرشون ويستقطبون زعماء محليين وقادة قبليين ليخونوا شعوبهم ويتعاونوا مع الإمبراطورية. أما اليوم فان مصالح الاستخبارات (الجواسيس) تشارك في عمليات سرية بهدف تدريب جيوش من المرتزقة وخلق حكومات في المنفى وإعداد بيانات تؤكد حقها في تقرير المصير.
إن ما يعتبره مفكرو الإمبريالية حقاً شرعياً في تقرير المصير القومي هو تقسيم الأمم وخلق أنظمة زبونة صغيرة تابعة للإمبراطورية .
في الماضي شارك رجال الدين والسلطات الاستعمارية في الشحن العقائدي للشعوب المغلوبة على أمرها. أما اليوم فان وسائل الاتصال الجماهيري ونظام التعليم العالي والمنظمات غير الحكومية التي تمولها الإمبراطورية ودعاية الفاتيكان كلها تؤسس النموذج الأيديولوجي الذي يصف الخضوع بما هو: "تحديث" والاستعمار الجديد بما هو "عولمة" والمضاربة المالية بما هي عصر الإعلاميات.
حالياً على عكس الماضي، تتغلغل السلطة الإمبريالية في كافة المناطق الجغرافية وكل مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية. لا تسيطر الشركات متعددة الجنسية والبنوك على أسواق البضائع والأسواق المالية وأهم شبكات التجارة المحلية والعالمية فحسب؛ بل أيضاً على الصناعة الجينية ( الوراثية) للأغذية وإنتاج المنتجات الثقافية وتسويقها جماهيرياً. والقوى العسكرية للدول يقودها جنرالات هيئة الأركان العامة الأوربية الأمريكية. وعلامة النجاح الثقافي والتعليمي يجب أن يرخص لها ويعترف بها ويمولها الزعماء الثقافيون للمراكز الثقافية الإمبريالية الأوربية الأمريكية.
إن الإمبريالية ظاهرة متعددة الأشكال.
*********************************
الهوامش:
(1) الإمبريالية الأمريكية تاريخ من القتل والتآمر والاستعمار، مركز الدراسات الاشتراكية - مصر. نشر بتاريخ 1 مايو 2003م.
(2) المسلمون ضحايا مؤامرة الإمبريالية الأمريكية، الحوار المتمدن، العدد: 1869 بتاريخ 29/3/2007م.
(3) الإمبريالية الأمريكية وأحلام السيطرة على العالم، جريدة النور، العدد: 371 بتاريخ 7/1/2009م.
(4) النفط وقود إمبريالية أمريكا، جريدة صوت الأحرار الجزائرية. عدد 1 نوفمبر 2009م.
**********************************
المصادر:
1- الإمبريالية المأزومة؛ هل نحن إزاء أفول السيطرة الأميركية أم إزاء انهيار الرأسمالية؟، تأليف: سلامة كيلة. دار رند للطباعة والنشر والتوزيع.
2- الإمبريالية بقناع إنساني، تأليف: جان بريكمون، ترجمة: عبود كاسوحة. إتحاد الكتاب العرب.
3- الإمبريالية الأمريكية خصم تاريخي للحرية والديمقراطية، تأليف: مصطفى أمين. دار نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع.
4- أمريكا الإمبريالية (هجوم بوش على النظام العالمي)، تأليف: جون نيو هاوس، ترجمة: مصعب حمادي.
5- الإهانة في عهد الميغا إمبريالية، تأليف: المهدي المنجرة. المركز الثقافي العربي.
6- الإمبريالية من عصر الاستعمار حتى اليوم، تأليف: هاري ماجدوف. مؤسسة الأبحاث العربية.

 4  0  1938
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:46 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.