• ×

12:50 صباحًا , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

رواية | الخطأ الطبي (1)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
*رواية ( الخطأ الطبي )
1 من 4
للكاتب : سلمان بن يحيى الغزواني



image

البداية

في إحدى عيادات المستشفى ..
طرق الباب رجل يحمل في يده ورقه تثبت موعده الذي سيحين بعد أقل من ساعة ..
فُتِحَ الباب .. أطلت منه ممرضة .. ترتدي عباءة ساترة .. وتلبس برقعاً ..
تبين من عباراتها أنها من إحدى محافظات جازان ..
ـ نعم .. ( سألته ) ..
ـ ...... ( ناولها ورقة الموعد ) .. دون أن يتكلم ..
مدت يدين سمراوين .. تناولت الورقة .. تأملتها عجِلَة ..
ثم ناولته ورقة تحمل الرقم ( 7 ) .. وطلبت منه الانتظار حتى يحين موعده ووعدته أن تنادي عليه ...
أشاح بوجهه عنها .. وتوجه إلى الصالة المقابلة ...
التي تكتض بالمرضى ..
والمراجعين ..
والمنتظرين ..
تفرس في الوجوه فلم يعرف أحداً .. وشاهد مختلف الأعمار والألوان ..
كل يشتكي علة .. أو يبحث عن عيادة .. أو يطلب مقابلة طبيب ..
نظر في ساعته التي تزين معصمه .. ثم اتجه لمحل بيع الهدايا ..
وفي ركن الصحف اليومية .. وقف يتأمل عدداً منها ..
مرر بصره بلمحة سريعة لمعرفة أبرز عناوين كل صحيفة .. ثم اختار واحدة ..
نقد ثمنها .. وتوجه عائداً إلى العيادات الخارجية ..
جلس على إحدى المقاعد التي تقابل العيادة ..
وبدأ في تصفح الجريدة .. منتظراً مجيء دوره .. ليقابل الطبيب ..
أخذ في مطالعة كل ما تقع عليه عيناه من أخبار .. فوقت الانتظار طويل .. ولا مناص من تضييقِه بأي صورة كانت ..
استوقفه عنوان بارز في إحدى الصفحات الداخلية ..
كثيراً ما تكرر وروده ( في الآونة الأخيرة ) في أغلب الصحف اليومية ..
كان الخبر عن ( خطأ الطبي ) في إحدى مستشفياتنا الحكومية ..
طالع الخبر مرة .. وأعاد المطالعة أخرى ..
أغمض عينيه .. وترك لنفسه أن تستشعر معاناة والد الطفل ( الضحية ) ..
فتح عينه وشاهد الخبر أخرى .. ثم رفع بصره عن الصفحة .. متأملاً ..
وبعد برهة يسيرة .. أخرج هاتفه المحمول .. وفتحه .. وسارع للاتصال بالشبكة العنكبوتية ..
ثم أدخل في محرك البحث عبارة ( خطأ طبي ) ..
في ثوانٍ معدودة انسدلت أمامه صفحة طويلة مليئة بالعناوين المتشابهة ..
قرأ العنوان الأول :
خطأ طبي يودي بحياة طفل .. ووالده يستلم جمجمته ..
انتقل لقراءة العنوان الثاني : جريدة الرياض: خطأ طبي يقعد الشاب محمد .. ويمنعه من إكمال حياته الدراسية ..
انتقل لمطالعة العنوان التالي : جريدة الرياض: خطأ طبي يغيّب مواطنة عن أطفالها الثلاثة ..
والرابع : خطأ طبي يدخل طبيب أسنان في غيبوبة والمتهم طبيبة تخدير ..
والخامس : خطأ طبي يضع مواطناً بين الحياة والموت ..
والسادس .. والسابع ... والثامن ...
أبعد جهازه الجوال عن مرمى بصره ..
ثم أغلقه .. وأدخله في جيبه بتثاقل وهو ينظر بشرود إلى جدران العيادة ...
أطال النظر والتأمل ..
لم يرتد إليه بصره .. لقد كان ينظر .. ولكن إلى ما وراء العيادة ..
إلى ما وراء المشفى ...
استمر في النظر حتى استطاعت نظراته النفاذ عبر الأيام .. وتمكنت من اختراق حُجُب الزمن ..
تلك الحجب التي تشكلت وتراكمت لأكثر من ربع قرن من الزمان ..
وصلت نظراته إلى هناك ..
هناك .. حيث بدأت أول فصول الرواية ...

ريع مصيدة

تلك القرية الهادئة الوادعة ...
التي تقبع في السفوح الشرقية لجبل مصيدة .. بانبساط تحيط به الجبال من كل الجهات الأربع ...
تمتاز بهوائها العليل .. ومناظرها الخلابة .. ومياهها الجارية طوال السنة ...
وهي عدا ذلك الحلقة الواسطة .. والسلسلة الرابطة بين جبال الحشر وآل علي بني مالك ..
وعبرها يمر من أراد الانتقال من جازان إلى عسير ..
متوسطة الارتفاع ... فليست بذات الارتفاع الشديد .. ولا الانخفاض الوئيد ..
مما ميزها وأضفى على جوها اعتدالاً وقبولاً طوال العام ..
بينما حولها أماكن بردها يقرقف .. وأخرى حرها لافح ..
ولذا فهي مقصد لكل من أراد جواً مقبولاً .. وهواءً معتدلاً .. صيفاً أو شتاءً ..
كان الناس يقطنون الجبال .. قبل أن يستوطنوها .. نظراً لوجود مصالحهم الحياتية والزراعية .. من جهة ..
ولما تعانيه تلك الأماكن المنخفضة آنذاك من خوف لا أمن معه .. من جهة أخرى ..
وكيف ستأمن .. ؟؟ وهي ممرٌ ومعبرٌ لعدة قبائل مجاورة ..
وشريعة الغاب هي السائدة المهيمنة .. والسلب والنهب ظاهرٌ فاشٍ آنذاك ..
كلها عوامل جعلت من استيطانها والعيش فيها أمراً .. أشبه ما يكون بالمستحيل ..
رغم الخصال التي تميز أجواءها .. وأرضها .. وجريان الماء فيها .. والغابات التي تزينها .. والغطاء النباتي الذي يكسوها ..
لقد كانت ميتةً رغم توافر عناصر الحياة بها ..
قَصِيَّةً بعيدة رغم وجود أسباب البقاء فيها ..
جنةً وارفة ينعق فيها البوم ويحلق في سمائها الغربان ..
أراضٍ بكرٍ تستقبل المارَ فيها روائحُ الكاذي .. وشذا الفاغ .. وأريجُ الشِّيح والبشَام ..

المدرسة والمركز الصحي


شهدت نهاية العام 1396 هـ آخر الحروب القبيلة التي اتخذت من قرية ريع مسرحاً لها ..
وتدخلت الجهات الحكومة المعنية حينها في إنهاء القلاقل ..
وبسط الأمن في ربوع ( ريع ) التي كانت إلى ذلك الوقت تتعرض بين الفينة والأخرى للشد والجذب ..
من قبلِ أطرافٍ عدة ..
لم تكن من قبلُ خالية من السكان .. فقد استوطنها الكثيرون قبل ذلك التأريخ ..
لكن العامَ التالي .. شهدَ افتتاح أول مدرسة ابتدائية في ريع ..
توافد قرابةُ المئة طالبٍ من أرجاء القرية المترامية الأطراف .. للتسجيل والانتظام في الصف الأول الابتدائي من ذلك العام ..
ولم تمر الأعوام العشرة التالية حتى افتتح في القرية مركز الرعاية الصحية الأولية ..
وبين هذين الحدثين ..
فتحت الطرق .. واقتنيت السيارات .. وتطورت البيوت .. ودخلت مفاهيم جديدة للحياة ..
عرف الشباب معنى الرياضة .. وتشجيع الفرق ..
وصلت الشاشة الفضية لبعض الأسر ..
وشاهد الناس المصارعة كرياضة .. والمسلسلات كفن .. والأخبار كحدث ..
أتقن كثير من شبابها القراءة والكتابة .. وواصلوا صعود سلم التعليم ..
بينما اكتفى البعض بأيام قلائل قضاها على مقاعد الدراسة ..
استشف من خلالها صعوبة التجربة .. وبطء النتيجة .. فتركها ولم يلوِ على شيء ..
صار للشباب والناشئة ملعب يلتقون فيه كل مساء ..
للتدريب .. والتنافس .. ولممارسة لعبتهم التي أصبحوا يفضلونها ..
كثيراً ما يتوجه ( الشباب ) إلى أماكن بعيدة لخوض منافسات تجريبية مع الخصوم ..
وشبابُ القرية ما بين ممثل للقرية يسعى لجلب النصر لها .. وما بين مساند لهم ومشجع ومؤازر ..
انصرفت همم الشباب .. وتغيرت توجهاتهم .. وتبدلت مفاهيمهم ..
وبرزت على السطح اهتمامات جديدة للاحقين ..لم يعلم بها السابقون ..
أما التعليم فقد سار في خط توازيه الرياضة .. بل وتتقدم عليه في أحايين كثيرة ..
والموعد المسبق .. واللقاء المضروب .. عصر كل يومٍ .. هو ملعب ( الثاهرة ) ..
ذلك الملعب الذي تغذيه باللاعبين أحياءُ ريع المتفرقة ( الثاهرة ـ المحصور ـ الشريانة ـ الحدبة ـ بادية ـ حبيل الرزم ـ المرح ـ وشر ـ سر البراء ) .. وغيرها ..

****

قامت المدرسة على أيدي معلمين من جنسيات عربية من بلدان مصر والشام وفلسطين ..
ساهموا في نشر العلم والمعرفة .. وفي نشر ثقافات جديدة غير مألوفة .. في اللبس .. والحديث .. والعادات والتقاليد ..
عرف الطلاب لأول مرة خارج حدود الوطن الذي كانوا يظنونه أضيق مما عرفوه ..
تدرج الطلاب وانتقلوا من صف إلى صفٍ والعددُ في تناقصٍ مستمر ..
فبعد قرابة المئة طالبٍ في الصف الأول ..لم يصل إلى السادس إلا عدد لا يبلغ العشرين طالباً ..
يتوافد إلى المدرسة مع صباح كل يوم دراسي .. صغارُ الطلاب وكبارهم ..
من أحياءِ ريعٍ نفسِها التي تغذي ملعب القرية كل مساء .. والبعض الآخر من أعالي ريع ..
والبعض الآخر من أماكن بعيدة كـ ( غطط ـ ومنياد ـ والمحلة ) ..
والأبعد مكاناً كان يأتيها من أعالي ( وادي الثالة ) ..
يأتون كل صباحٍ مشياً على الأقدام ..
يسيرون .. يُبْطئ بهم بُعدُ المسافة .. ويدفعهم خوفُ العقاب الذي ينتظر المتأخر منهم ..
وينقلبون ظهراً إلى منازلهم تستقبلهم حرارةُ الأرض اللافحة .. وتغشاهم أشعةُ الشمس اللاهبة ..
كلما علوا نشزاً .. أو هبطوا وادياً ..

مرض مفاجئ


في العام 1405 هـ كان طلاب ( قرية الثالة ) يتوافدون إلى المدرسة كعادتهم ..
وكانت قد اعتمدت لنقلهم سيارة تقلهم من المدرسة وإليها .. مما خفف عنهم بعض متاعب التلقي والطلب ..
وأراحهم من تسلق الجبال يوماً إثر يومٍ .. مشياً على الأقدام ..
منهم أربعة طلاب ..كانوا إخوة أشقاء .. يتوزعون بين فصول المدرسة المتعددة ..
ثالثهم يدعى ( سلمان ) كان يدرس في الصف الخامس الابتدائي ..
نحيلاً .. طويلاً .. مولعاً بالرسم .. والخط .. والقراءة ..
مفتون بحب الكرة، التي يستعيض عنها مع بعض أقرانه بقارورة الماء الفارغة ..
التي يتقاذفونها فور الوصول للمدرسة .. وقبل حضور المعلمين ..
ها هو الفصل الدراسي الأول أوشك على التمام .. والامتحانات التحريرية .. تقف على الأبواب ..
والطلاب يتفاوتون في الاستعداد لها .. والتأهب لخوض غمارها ..
كان ( سلمان ) يمني نفسه بالمراجعة المبكرة .. متذكراً زميله ( قاسم ) ..
الذي يخوض معه منافسة علمية تحتدم كل فصل دراسي ..
ومرة يحسمها لصالحه .. وأخرى تذهب لزميله .. على مدار أربع سنواتٍ خلت ..
وهذه الخامسة .. تُرى .. من سيفوز في السباق .. ؟؟

****

عندما حلت الامتحانات .. ودخل الطلاب في معمعتها ..
أصيب ( سلمان ) فجأةً بمرضٍ .. أنهكه .. وألزمه السرير ..
ذهب إلى عدة مستوصفات دون أيِّ تحسن يذكر .. !!
كان يقضي يومه والشطر الأكبر من ليله ممدداً على الفراش .. يئن تحت وطأة المرض الذي لم يجد له دواءً ..
فإذا اقتربت سيارة النقل من البيت .. يؤذنه أهله بها .. فيلبس ثوبه .. ويصطحب أقلامه ..
ويذهب معها إلى المدرسة .. لتأدية الامتحان ..
فإذا انتهت الفترة الأولى .. صفَّ عددا من الكراسي .. وألَّفَ بينها ..
حتى يجعل منها سريراً ينام عليه .. منتظراً موعد الفترة الثانية ..
ثم يعود إلى البيت .. وينام إلى اليوم التالي .. وهكذا دواليك ..
وحالته تزيد سوءاً .. وصحته تنحدر تدهوراً ..
يتحامل على نفسه .. وأبويه ينتظران انتهاء فترة الاختبارات للذهاب به إلى إحدى المستشفيات ..

****

انتهت فترة الاختبارات .. التي مرت على البيت كأطول ما تكون ..
فتوجه الأب بابنه إلى مستشفيات عدة .. كلٌ منها يرى رأياً .. يتباين عن سابقه ..
فحالت ( المريض ) يكتنفها الغموض .. فالحمى لم تنقص درجاتها ..
والمعدة لا يستقر أي طعام بها .. وتحاليل الدم لم تظهر شيئاً ..
وتحاليل البول .. تنبئ عن التهابات .. لكنها لا يمكن أن تكون السبب الوحيد لكل هذا اللون الأحمر القاني الذي يشوبه ..
وبين هذا وذاك .. قرر أحدها تحويله إلى مستشفى عام .. علَّه يجد لديه دواءً ..


بَحْرَة

هناك في أبي عريش .. في أرض الفل والمانجو .. وعلى مقربة من قرى ( البديع ) و ( القرفي ) ..
في أرض ( بحرة ) .. وعلى مساحة شاسعة منها .. ينتصب مستشفى الملك فهد المركزي ..
ذلك الصرح الشامخ الذي يتكون من خمسة طوابق ظاهرة .. تخفي تحتها الدورين: الأرضي .. وتحت الأرضي
ذلك المستشفى الذي أنشئ خلال الخطة الخمسية الثانية ..
إلا أن تشغيله لم يبدأ إلا بعد عام 1401 هـ .. كأول مستشفى تحويلي لأهالي منطقة جازان ..
روعي في تصميمه أن يحتوي على كافة التخصصات التي يحتاجها المرضى ..
بالإضافة إلى كونه مركزاً للتدريب والتأهيل ..
حيث يوجد به قسم للتدريب والدراسات العليا ..
ابتدأ تشغيله بكادر طبي متمكن .. وأطباء على مستوى عالمي ..
من عدة دول رائدة في مجال الطب .. كالدنمارك .. وكندا .. والهند ..
كما تم تجهيزه بأحدث الأجهزة الطبية المتطورة ..
مما أغنى أبناء المنطقة عن الهجرات العلاجية المتكررة .. عبر طول البلاد وعرضها ..
إنه هدية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ لأبنائه في منطقة جازان ..

على أبواب المستشفى


ها هو الأب يقف بجوار العربة التي لفظتها سيارة الإسعاف قبل قليل ..
يقف أمام بوابة المستشفى بجوار ابنه المدد على العربة ..
رفع رأسه .. قرأ اللافتة التي كتب عليها ( مستشفى الملك فهد المركزي ) ..
تمتم في نفسه ( ها قد وصلنا بعد رحلة طويلة عبر عدة مستشفيات .. ) ..
لم يدم انتظارهما طويلاً .. فقد جاء من دفع بالعربة إلى داخل المستشفى حتى أوقفها في أحد أرجاء الصالة الواسعة ..
أما الأب فقد توقف أمام مكتب الاستقبال لإنهاء بعض الإجراءات اللازمة ..
حينها كان الابن ممداً على العربة ينظر بعينين مفتوحتين ..لم يسمح حب الاستطلاع بإغلاقهما ولو لأجزاء من الثانية ..
وفي البهو الواسع في الدور الأرضي .. كان نصيبه أن أوقفت العربة التي يتمدد عليها أمام لوحة كبيرة ..
قضى وقته في قراءة كلماتها .. ومحاولة استجلاء ماهيتها ..
بدأ في القراءة ..
الدور تحت الأرضي ( مكاتب الإدارة ـ السجلات الطبية ـ الأشعة المقـ .. ط..عية .. ؟؟ والرنـ .. ين .. ؟؟ ) .. عجز عن قراءة هاتين الكلمتين .. فتركهما إلى غيرهما ..
الدور الأرضي ( الطوارئ ـ العيادات الخارجية ـ الأشعة ـ المختبر وبنك الدم ـ العمليات الكبرى ) ..
الدور الأول ( قسم العناية المركزية ـ قسم الحروق ) ..
الدور الثاني ( قسم أمراض النساء والولادة ـ قسم الحـ .. ضا ..نة .. ؟؟ ) ..
الدور الثالث ( قسم العظام ـ قسم جراحة المخ والأعصاب ) ..
الدور الرابع ( قسم الأمراض البا ..... ) ..
لم يستطع إكمال الكلمة .. فقد أحس بالعربة تتحرك تحته باتجاه المصعد الذي تم فتحه وتجهيزه ليقله إلى الأعلى ..
لم يأسف كثيراً على تحركه .. فقد أحب تغيير الوضع الذي هو عليه ..
فهاهو يتعرض لموجات قارسةٍ من برد أجهزة التكييف المركزية ..
أخذت أطرافه ترجف منها .. متممة لموجة الخوف من المجهول التي تجتاح كيانه المنهك ..
أغلق باب المصعد .. وبعد لحظة قصيرة فتح .. ظنهم بديهة عَدَلُوا عن نقله بواسطة المصعد ..
لكنه رأى المكان الذي خرج إليه مختلفاً كلياً عن المكان الذي دخل منه .. ورأى الر قم ( 4 ) يزين الواجهة ..
ورأى عبارة ( قسم الأمراض الباطنية ) تستقبله فور خروجه من باب المصعد ..
كان يحاول جمع أكبر حصيلة من الصور التي تصل إليها عينه من فوق العربة ..
يحاول من خلالها استكشاف المكان الذي وصل إليه ..
تعرجت به العربة عبر ممرات طويلة متعددة .. حتى توقفت برهة يسيرة أمام مكتبِ استقبالٍ صغير في الممر ..
خلف ذلك المكتب كانت تجلس ممرضة .. أشارت بيدها باتجاه إحدى الغرف .. دون أن تكلف نفسها عناء الوقوف ..
تم دفع العربة باتجاه الغرفة ..
تبين ( سلمان ) رقمها .. قرأه في نفسه ( 364 ) ..
ولما وصل إليها .. وجد قبله مريضان .. كان هو ثالثهما ..
غرفة واسعة تحوي خمسة أسرة ..
استقر به المطاف على السرير الثالث الذي يجاور النافذة المطلة على الساحات الخلفية للمستشفى ..
كان محاذياً للنافذة التي تطل على الجهة الجنوبية الشرقية للمستشفى ..
تداعبه أشعة الشمس كل صباح .. مرسلة خيوطها الذهبية ..
التي عادة ما تكون لاهبة في سماء أبي عريش ..
كان المستشفى مصمم بانحراف يسمح بدخول أشعة الشمس صباحاً على جزأيه الشرقي والجنوبي ..
ومساءً على ركنيه الغربي والشمالي ..
كان لغرفته أطلالة شرقية ..
تلقي عليه الشمس بظلالها بعد الظهيرة مما يسمح له بمشاهدة ممتعة لساحات المستشفى المحيطة .. والقرى القريبة منه ..
وبجواره كان يرقد شيخ كبير .. لا تكاد تنفك عنه أعداد الزائرين الغفيرة ..
وأبناؤه محدقين به .. ومتحلقين حوله .. لا تكاد تنقطع الأسئلة من الناس عن صحته ..
والأبناء يجيبون .. بأمل في شفائه .. أشبه ما يكون بالمفقود ..
والرجل لا يملك كفكفة دموعه المنهمرة على خده كلما رأى الأشخاص الذين يعرفهم ..
يبكي بصمت .. فلم يعد ذلك القادر على الحديث معهم ..
وكانت الدموع التي تنهمر من عينيه أصدق تعبير عن حالته النفسية السيئة ..
تذكر الابن ذلك الحوار الذي دار بين والده والشاب المرافق للشيخ ..
الوالد : سلامات يا بني ..
الشاب : الله يسلمك يا عم ..
الوالد : لا بأس طهور إن شاء الله .
الشاب : جزاك الله خيراً ..
الوالد : منذ متى وأنتم هنا ؟
الشاب : منذ أكثر من أسبوع ..
ـ ماذا أصاب والدك؟
ـ أصابته جلطة مفاجئة ..
ـ هل كان مريضاً من قبل ؟
ـ كلا .. لكنها إرادة الله.. فقد نام سليماً معافى .. ثم استيقظ مريضاً ..
ـ الحمد لله على كل حال .. كان الله في عونكم ..
ـ الحمد لله .. جزاك الله خيراً .. وابنك مم يشتكي ؟؟ تساءل الشاب..
أجابه الوالد : لا أعلم .. إلى الآن لم يعاينه الأطباء ..
ـ ما الأعراض التي يشعر بها ؟؟ ..
ـ حمى دائمة .. تغير في لون البول ـ أكرمك الله ـ ضعف عام .. تقيء مستمر ..
ـ منذ متى وهو مريض ؟
ـ منذ قرابة عشرة أيام ..
ـ سلامات يا عم .. إن شاء الله تخرجون بالسلامة ..
ـ بارك الله فيك ..

ماهية المرض !!


في صباح اليوم التالي عاين الأطباء ( سلمان ) ..
وتحدثوا مع الأب حول المرض بحضور المترجم ( الخواجي ) الذي نقل الأسئلة للأب ..
ونقل الأجوبة للكادر الطبي الذي أخذ في فحص الابن فحصاً سريرياً ..
عاينوا بطنه .. قاسوا نبضه .. طلبوا عينات من الدم والبول ..
كتبوا بعض الملاحظات في ملف المريض .. وجهوا الممرضات بعدة توجيهات ..
لم يفهم منها الأب أية عبارة .. أو يعرف لها دلالة ..
ثم انصرفوا ..
بقي الابن ذلك اليوم مع تناول بعض المسكنات .. والإبر المغذية ..
ونام تلك الليلة ..

****

في صباح اليوم التالي .. أيقظته الممرضة باكراً ..
أعطته ملابس نظيفة .. أمرته بالتوجه إلى دورات المياه والاغتسال ..
ثم تناول وجبة الإفطار .. وانتظر حتى جاء الأطباء ..
وصل الأطباء قرابة الساعة التاسعة صباحاًَ في جولتهم على أقسام المستشفى ..
تحلقوا حول السرير .. وبدؤوا في فحصه مرة أخرى .. مع مناقشة الملف .. ومطالعة نتائج التحاليل ..
احتدم بينهم المناقشة .. وتعالت الأصوات ..
لم يكن يقطع النقاش الحاد .. إلا أسئلة يطلبون من المترجم ( الخواجي ) سؤال المرافق عنها ..
سأله ( الخواجي ) مرة أخرى عن طبيعة المرض .. وأعراضه ..
عن كيفية الآلام التي يشعر بها الابن ..
وعدد من الأسئلة ..
كان الأب يرجع في بعضها إلى الابن ليسأله عن إجاباتها ..
سأل الأب ( المترجم ) عما قرره الأطباء ..
أجابه أن احتمال إجراء عملية للابن واردة .. لكنهم إلا الآن لم يقرروا قراراً نهائياً ..
ثم سأله الأب : خطأ طبي وما طبيعة المرض ؟
أجابه :احتمال وجود التهابات حادة في لامسالك البولية .. كما تشير التحاليل الأولية ..
انصرف الأطباء بعد أن أضافوا نوعاً جديداً من الأدوية .. ليتناوله المريض تلك الليلة ..

****

في اليوم الثالث ..
مرَّ الأطباء كعادتهم قرابة التاسعة صباحاً ..
وقام بعضهم بفحص المريض .. وتوجيه بعض الأسئلة ..
ثم تحدثوا مع المترجم طويلاً .. والذي توجه إلى الأب بدوره ..
وأخبره أن الأطباء قرروا إجراء عملية غسيل للمسالك البولية ..
استوضح الأب منه عن ماهية العملية .. ومدتها ..
فأجابه .. أما عملية فتح البطن فهي عملية بسيطة لا يستغرق إجراؤها عدة دقائق ..
أما عملية الغسيل .. فلن تزيد عن اليومين .. أو الثلاثة ..
ذَكَّرَه أن على المريض الصيام ليلة العملية استعداداً لإجرائها صباح اليوم التالي ..
وعليه أن يكتفي بعشاء تلك الليلة التي تسبق العملية ..
وقبل أن يخرج أخبره أن عليه إحضار ( خمسمئة جرام ) من الدم فصيلة ( +b ) لزوم إجراء العملية لابنه ..
سأله الأب : ومن أين سآتي بها ؟
أجابه : إن كانت فصيلة دمك مطابقة .. فقد تستطيع توفير نصف لاكمية .. والباقي إما إن تجد من يتبرع لك به .. أو أن تقوم بشرائه ..
ثم خرج الجميع من الغرفة ..
لم ينم الأب ليلته تلك مهموماً .. يفكر في توفير كمية الدم .. وفي عملية الابن ..
هل ستكون ذات خطورة على ابنه ؟؟ ..
وكم سيستغرق إجراؤها ؟؟ ..
و ( الخمسمئة جرام ) من الدم من أين سأجدها؟؟ ..
ومن سيتبرع لنا بها .. ولا أحد نعرفه هنا ؟؟ ..
تنوعت الأسئلة وتوالت على الأب .. الذي شرد ذهنه بعيداً بعيداً ..
لم يقطع عليه تفكيره إلا نداء المؤذن لصلاة الفجر .. مؤذناً بيوم جديد .. أطل ميلادُه ..
معلناً حي على الصلاة .. حي على الفلاح .. الصلاة خير من النوم ..
تمتم الأب في نفسه .. ( وأين مني النوم الليلة !! ) ..
ردد مع المؤذن حتى فرغ من الأذان .. ثم انفرجت شفتيه عن الدعاء المأثور .. ( اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ... ) ..
وقام يتهيأ للصلاة ..

****

بعد تناول الإفطار خرج الأب .. يمشي بخطوات متثاقلة .. لا يدري إلى أين تقوده ..
لكنه أحس بضرورة أن يمشي قليلاً .. عله يبتعد عن أجواء الغرفة .. التي يرى فيها ابنه بين مطرقة المرض .. وسندان الأطباء ..
عملية .. ولم العملية ؟؟
سؤال ظل يلح عليه ..
ولم العملية ؟؟ ألا توجد أدوية تزيل هذا المرض .. دون اللجوء لعملية ..
نزل بالمصعد .. يريد المختبر .. ليتأكد من فصيلة دمه ..
وهناك وجد تطابق فصيلته مع الفصيلة المطلوبة ..
وأخبره فني المختبر .. أنه يمكنه سحب ( 250 جرام ) ..
وبقيت الـ( 250 جرام ) الأخرى ..
خرج من المختبر .. وقادته خطواته إلى العيادات الخارجية ..
وهناك شاهد الكثير والكثير من الناس ..
أخذ يتفرس في الوجوه .. ويتسامع اللهجات .. أملاً في أن يسمع كلمة تنم عن بيئة المتحدث ..
فقد كان يأمل كثيراً .. أن يجد أحداً من أبناء الجبال .. وقد كان يعول كثيراً على شهامتهم .. وأريحيتهم ..
انقلب إليه بصره خائباً .. وارتدت إليه نظراته يائسة ..
فلم يجد ما يمكن أن يلفت انتباهه بين تلك الحشود ..
توجه إلى المصعد ليستقله عائداً إلى غرفته ..
وقف أمام المصعد ينتظر أن يفتح بابه ..
كان معه رجلان ينتظران مثله .. نظر إليهما .. بتمعن كبير ..
كان أحدُهما كفيفَ البصر رجلاً متوسط الطول .. وضيء الوجه .. دائم الابتسامة ..
يقوده آخر أكثر طولاً .. ممتلئ الجسم .. يلبس ثوباً ويعتمر غترة .. ويلف وسطه بحزام جلدي ..
حدثه اللبس بأنهما من القبائل المتاخمة لبلغازي .. وأكد ذلك لون البشرة .. وقسمات الوجه ..
بقي التحديد الدقيق .. متوقفاً على كلمات يتبادلونها .. حتى يستطيع تخمين أرضهما ..
اقترب منهما ملقياً السلام عليهما ..
ردا عليه السلام ..
عندها فتح المصعد ..
انتظروا خروج من بداخله ثم .. دخل إليه ثلاثتهم .. وفيه تبادلا شيئاً من الحديث ..
حيث سألهما عن سبب قدومهما للمستشفى ..
أخبره المرافق أنه أتى بصاحبه الكفيف من مستشفى عسير ليقوم بإجراء منظار للمعدة .. هنا في مستشفى الملك فهد ..
بعد تبادل الحديث معهما .. استطاع أن يخمن موطنهما .. لكنه فضل سؤالهما..
ـ من أي القبائل أنتما ؟؟
ـ نحن من الريث .. ( أجابه المرافق )
ـ أكرم وأنعم .. وما اسمك ؟؟
ـ اسمي يحيى .. يحيى بن كرشم ..
واستمرا في الحديث والسؤال عن مرض صاحبه .. وهو بدوره سأله عن مرض ابنه ..
فحدثه عن مرضه .. و قرار الأطباء إجراء عملية جراحية .. وتوقفها على توفير الدم ..
ذكر أنه لم يبق أمامه إلا شراء تلك الكمية ..
فلا يعرف أحداً .. ولا يستطيع إيصال الخبر إلى قرابته في قريته ريع ..
تبسم الرجل .. ثم طمأنه قائلاً ..
ـما أرخص الدم من بضاعة .. ثم أردف قائلاً : أنا سأتبرع بالكمية المتبقية إن وافقت فصيلة دمي ..
وتوجه معه إلى المختبر .. وهناك أجرى التحليل .. ووافقت فصيلة دمه ..
وتم سحب ( 250 ) جرام منه ..
بهذا تم تأمين الكمية المطلوبة .. وتم إيداعها في مختبر المستشفى ..

في غرفة العمليات

حانت ساعة الصفر .. وأدخل ( سلمان ) إلى غرفة العمليات ..
ولما حاول الأطباء منع أبيه من الدخول معه .. استوحش منهم .. وبدأ في البكاء ..
فراجعهم الأب في ذلك .. وأحس الأطباء بأهمية تلطيف نفسية المريض ووالده ..
فسمحوا لأبيه بالوقوف على مقربة منهم .. ليأنس الابن بمشاهدته ..
نظر الابن فرأى الأطباء مكممين .. لا يرى منهم إلا الحدق ..
تغطيهم الملابس الخضراء .. وتتركز فوق رؤوسهم الأنوار الساطعة ..
ورأى الآلات الطبية .. من مشارط .. وإبر .. وأخرى لا يعرف ماهيتها ..
رآها بجنبه على مقربة من أيدي الأطباء ..
وأحس بأحدهم يحقنه بأبرة ..
ثم تبادل الأطباء الحديث .. ورآهم واقفين ينتظرون شيئاً ..لم يعرف ما حقيقته ..
رويداً رويداً ..
بدأت صورة الأطباء تهتز في عينيه ..
وبدأ صوتهم يتلاشى .. كأنما يبتعدون عنه ..
وبدأت أنوار الغرفة تتناقص .. وتختفي ..
والمشاهد حوله تتراقص ..
ثم .. انتهى كل شيء ..
انقطعت الأصوات .. واختفت المشاهد .. وانطفأت الأنوار ..
وغاب عن الوعي ..
عندها .. بدأ الأطباء عملهم ..
قاموا بفتح بطنه .. أسفل السرة بمسافة ( 4 إنشات ) تقريباً ..
فتحة صغيرة تسمح بمرور أنبوب الغسيل منها .. ليس إلا ..
ثم عمدوا إلى الأسلاك وثبتوها في المسالك البولية .. ووضعوا الشرائط اللاصقة على الجرح ..
لتثبيت الأسلاك من جهة .. ولعلاج الجرح من جهة أخرى ..
وأحضروا قوارير الغسيل .. وماكينة التدوير ..ثم بدؤوا في عملية الغسيل ..
وعهدوا إلى إحدى الممرضات بمراقبة عملية الغسيل بالدقائق والثواني ..
حيث بقيت ملازمة للمريض طيلة عملية الغسيل ..
عليها كلما انتهت ساعةً .. أن تقوم بإيقاف جهاز الغسيل .. وتغيير قارورة الغسيل بأخرى ..

****

بقيت الممرضة بجانبه ..
تشرف على عملية الغسيل ..
أنهت إلى الآن أكثر من ثماني عشرة قارورة ..
كانت تكتب وتسجل كل شيء في سجلات المريض ..
كانت تنظر إلى القارورة التي انخفض منسوب الماء فيها .. وتطالع في ساعة يدها إلى الساعة التي أوشكت أن تنتهي دقائقها ..
عندها رن جرس الهاتف .. في مكتب الاستقبال المقابل لغرفة الغسيل ..
قامت للرد عليه ..
سار الوقت سريعاً .. دون أن تعود ..
خمس دقائق ..
أربع .. ثلاث .. اثنتين .. واحدة ..
انتهت المياه في القارورة ..
بدأ ( سلمان ) يحس ببطنه ينتفخ .. بدأ الضغط يسري في سائر أجزاء حسمه ..
بدأ الألم يدب في كل خلاياه .. أخذ يحس بصدره يضيق .. وأنفاسه تختنق ..
حاول الصراخ فلم يكد يُسمِعُ أباه بجانبه .. كلم أباه بعبارات أشبه ما تكون بالإشارة ..
شاهد الأب تعابير الألم على وجهه .. واحمرار جلده .. فأخذ في مناداة الممرضة ..
وخرج من الغرفة للبحث عنها ..


يتبع الجزء الثاني | الأسبوع القادم


 10  0  2062
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:50 صباحًا الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.