• ×

08:08 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

المقامة المولدية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


المقامة المولديّة
أ. جبران بن سلمان سحّاري
مؤسس مدرسة الميزان للنقد الأدبي
بالرياض، عضو نادي جازان الأدبي .

حدثنا عمرو بنُ هشامٍ الحِمْيريُّ قال: بينا أنا في دوحةِ الأيامِ هائم، أظلّني جامعُ (ابن الهائم)، فازدلفتُ نحوَه رافعاً رأسي، متكِئاً على قوسي، وزادي قد نافَ على النفاد، فطلبتُ خيرَ الزاد، ومكثتُ في زاويةِ الصفِّ الأول، ساخطاً على الأتحميِّ المُرعْبل، فوقفَ الخطيبُ في الجمع واعظاً، فأضحى الدمعُ من حديثِه ناهظاً، ونكّس من كان مشمخراًّ، ونفى عن الحاضرين ضُراًّ، فكان مما أصدرَ به وأورد أن قال: "اللهم صلِّ وسلِّم على الرسول الصادقِ الوعدِ الأمين، الذي نشرَ سنته في العالمين، فكان على الخلق حُجة، وسبيله هو المحجّة، من حاد عنه فلا يعرجُ إلى العلا، ومن زادَ عليه تنقصّه الملا، وصار ممن يمينُ عند اليمين، ونهلَ من موردٍ آسنٍ غيرِ معين، رقصت فوقه أوراقُ الشجر حتى نبتت في الطين، هذا النبيُّ المصطفى أفضلُ من تزيّنتْ بتدوين أيامه الأوراق، وتشرفتِ الأقلامُ والمحابرُ بما نسختْه أكفُّ الكاتبين بها من كلِّ ما حسُن ورقّ أو راق، صلى الله عليه وعلى آلِه وصحبه والسالكين على منواله ما برزتِ الثريّا، بجميلِ ذلك المحيّا، وسطع نورُ البدرِ وتلألأتْ شمسُ النهار بالإشراق، أما بعـد: فإن الاحتفالَ بالمولد النبويِّ المزعوم، لهو أمرٌ بالشرورِ مسموم، وعن صفاءِ السنن محروم، بل إن حفل المولد، للبدعِ أغزرُ مورد، لم يكن من سَنن الصحابة، ولا ذوي الفضلِ والمهابة، بل ابتدعه الفاطميون، وأهلُ الطمعِ والطماطميُّون، لو كان خيراً لابتدره السلف، وتوارد عليه الخلف، ولكنه من القبح حاز الوسام، ومن الكفر في قفصِ اتهام، وآخذٌ من الجورِ بخطامٍ وزمام، فكيف لأمر حادثٍ في القرن الرابع، أن يكون له متبوعٌ وتابع؟ وكيفَ ومولده لم يثبتْ في ربيعِ الأول؟! وإنما لقيَ ربه فيه يتهلّل، كما نقلَ من إليه المنتهى في التثبتِ وعليه المعوّل، فهؤلاءِ الجُهّالُ في ظنِّهم أنهم يحتفلون بمولده، وهم يحتفلون بوفاتِه وإقفارِ معـهده! وقد غلوا فيه بأنواعِ الغلوِّ المشين، ومع أنه حذرهم من الغلوِّ في الصالحين، ألا إن محبته اتباعُ سنتِه، واقتفاءُ أثرهِ والراشدين من صحابتِه، فهذا من عظيمِ نصرتِه، والتمسكِ بشرعتِه، ومن عجيبِ احتفالهم، أن شعراءَهم من جُهالِهم، ورؤساءَهم أسوأُ من حالهم، فينبغي أن نُخضعَ شعراءَهم للنقد الأدبي، وإلا فعليهم أن يُلقوا أمسيّاتِهم عند كلِّ غبي، وتراهم ينصبون كرسياًّ خالياً من جالس، ويقولون: محمدٌ هنا جالس، فمن لم يره فقد حجبته ذنوبُه وآثامه، وإن لم يتبْ ففي النار مقامُه، فإن قلت: ومن يراه إذن؟ قالوا: أهلُ الفطن، فلا يراهُ إلا من بلغَ مرتبةً عظيمةً في الجنون والخبَل، وذلك عندهم هو البطل، تاللهِ ما هم فيه لأمرٌ عجيب، يُغضبُ عليهم كلَّ حبيب، وقد حضر من جُهّالِهم جمٌّ غـفير، لا في العـيرِ ولا في النفير، واسترزقَ من ورائِهم تـُجّارُ (البلد)، وحقّ لهم أن يتكسّبوا من أهل (البَلد)، فصاحبُ البضاعةِ باعَ بضاعته على الحاضرين، ولم يدفعْ لهم أجرةَ المحلِّ فليس بمدين، ورأينا صاحبَ (البرحيِّ) و(السُكّريّ)، يبيعُه حتى على (العسكريّ)، واغـتنمتِ الفرصَ المواتية، كلُّ جارية، فباعت ثيابَها على الزائرين، واللُّعبَ وأدواتِ التزيين، وصاحبُ (البنِّ) يكيلُه، ويبيعُه ولا يُرى كفيلُه، وصاحبُ (الحبوبِ) و(المكسّرات)، يبيعُها وربما باعَ معها (المسكرات)، وأولئك في الغـفلات، يزعمون أنهم يُسبحون ويستغفرون، وهم يُغرقون في الجنون، ويستغيثون بالنبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويدعونه، ويعتقدون أنه يُلبي حاجاتِ من يسألونه، وهذا من الكفر والجهل، أقبحُ من جهلِ (أبي جهل)، ويستدلون على فضائلَ مزعومة، بأحاديثَ موهومة، وعلى الدعواتِ المسموعة، بأحاديثَ موضوعة، حتى قال قائلُهم: (يا أحمد المصطفى، منّ عليّ بالشفا)، وهذا تسمعه عندهم مشهوراً على لسان كلِّ عجوز، وهو كفرٌ لا يجوز" .
ثم قال: " يا حماة الملةِ ودعاة السنة، ذبوا عنها بالصوارم والأسنة" قلتُ: يا ابنَ هشام، وهل قال فيهم قصيدة؟ قال نعم من أبياتِ عديدة، وإليك بعضها:

لقد أساؤوا بالغلوِّ الماحقِ *** وانتهجوا لأقبحِ الطّرائقِ
واحتفلوا بمولدِ النبيِّ في *** زعمهمُ؛ للجهلِ بالحقائقِ
لم يعـلمـوا أنهمُ بمـوتِه *** أهلُ احتفالٍ في ربيعٍ سابقِ
قد استغاثوا وأساؤوا واعتدوا *** ثم أتوا بأعظمِ البوائق
بل سارعَ الكفارُ في دعمهمُ *** لعلمهم بكلِّ شخصٍ مارقِ
وحلّ في مجلسِهم وحفلِهم *** كلُّ شقيٍّ ظالمٍ منافقٍ
تاللهِ هذا ليس حباًّ أبداً *** للمصطفى خيرِ العبادِ الصّادقِ
بل إنه للبغضِ يُعـزى حيثُ قد *** أبغـضه كلُّ لبيبٍ حاذقِ
لو أنهم حبُّوه صدقاً لاقتفوا *** آثارَهُ دون اتباعِ الفاسقِ
واتبعوا أصحابَه من بعدِهِ *** في نصرهم سنته في الخافقِ .

قلتُ: أحسنتَ يا ابنَ هشامٍ لا فُضّ فوك، ولا بُرّ من يجفوك، لقد أودعتَ عيني الكحل بعد مدة، فرأيتُ بها أهلَ الرخاءِ والشدة، ولكن من هذا الخطيبُ الذي في العلم تأسّس؟ فقال: ما هو إلا قنبس بن أبي العنبس .

 1  0  1415
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:08 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.