• ×

12:59 مساءً , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

الوجه الآخر لمنزلي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
[center]الوجه الآخر لمنزلي
بقلم أ. محمد بن سالم الفيفي


دخلت داري من باب ها أنا أعبره للمرة لأول؛ تعجبت كيف أني ساكن منذ ما يرب على أربعين سنة في هذا المنزل ولم أدخل من هذا الباب كل تلك المدة، هل المنزل متسع لهذه الدرجة حتى أجهل أبوابه؟
لم أفكر في يوم من الأيام أن مساحة منزلي متسعة إلى هذا الحد، وها أنا أجد فيه باباً جديداً .. عجباً كم يحوي منزلي من الأبواب؟ وأيضاً لم أفكر في يوم من الأيام بولوج باب جديد في هذا المنزل الذي ظننت أني قد أحصيت أبوابه، ولكني دخلته .. بعد عبوري لهذا الباب صدم ناظري تفاصيلَ لم أقف عليها من قبل، رأيت مناظر غريبة، أيعقل أن هذا يوجد في منزلي .. عهدي به بيتاً هادياً لا يعكر صفوه ما أراه الآن .. كان أهل منزلي ذوي خلق رفيع، فيهم الكرم والشهامة كما عهدتهم ولكني أرى اليوم وبعد عبوري لهذا الباب شيئاً مختلفاً، لقد تبدل الحال، ولكن الذي أثق فيه أني لا زلت في منزلي العامر فتلك التفاصيل الكبيرة من ملامحه لم تتغير قط.
ما بال بناتي تغير لباسهن وأصبح أقصر من ذو دخلت هذا الباب؟
لماذا أصبحت هذه الملابس تظهر ما يجب أن يخفى؟
ما بال أبنائي لم يعد احترامهم للكبير كما كان في الأيام الخوالي؟
لماذا لم يعد يهم أسرتي العلم كما في السابق؟
لماذا أرى في مجلسي أُناساً أفواههم مقفلة حتى عن التسبيح؛ أبصارهم شاخصة وأصابعهم لا تكاد تتوقف عن الحركة؟
ما بال أبنائي لم يعد يهمهم إلا المال؟ كان عهدي بهم أن الحياء وطاعة الله هي عنوان أيامهم.
ما بال قومي أصبحوا يرمون أكوام الطعام في حاويات القمامة بعد كل وليمة؟ وكانوا في ما مضى يلومون أنفسهم إذا وجدوا كسرت خبز في سفرة الطعام.
ما بال قومي أصبحوا يتهافتون على الفسق وجمع المال ولا شيء غير ذلك؟
لماذا أصبح جل من في منزلي يتبعون الهوى والشيطان؟
لماذا يتركون الفضائل والقيم ويتبعون الرذائل والفتن؟
لماذا يصمون أذانهم عن الحق ويفتحون قلوبهم للباطل؟
لماذا أعينهم لا تبصر ما أمامها وتصبح حديداً لما تحت أرجلهم؟
لم يبقى من أسرتي إلا جدتي قائمة في زاوية تستغفر الله وتدعوه أن يقبض روحها في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة .. لمحت في زاوية أخرى رجلاً قريباً لي يقيم معي في هذا البيت كان يتحدث بصدق وإخلاص عن مخافة الله والاستعداد ليوم الرحيل.
يا له من باب عجيب، هل يا ترى أستطيع العودة إلى الخلف، وأُقفل هذا الباب الذي أعطاني صورة قبيحة ووجه أخر لبلدي الذي كنت أراه أفضل ما في هذا العالم .. يممت وجهي عائداً إلى الباب، أين اختفى؟ لم يعد له وجود. لقد صرت حبيس هذا الواقع المؤسف لأُناس كانت أخلاقهم وطبائعهم على النقيض مما أرى الآن.
ماذا يحدث خلف هذا الباب؟ ليتني ما دخلت منه لأرى ما يندى له الجبين في بلدي .. بعد أن يئست أن لا رجوع عن هذا الواقع وجدتني أردد قول الله سبحانه وتعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) {الإسراء:16}، وأتمثل قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (الجاثية:23).
حمدت الله وتمنيت موت السعداء وحسن الخاتمة - إن شاء الله - .. أحسن الله لنا ولكم الحياة وتوفانا في أحسن حال ورزقنا التوبة قبل الممات ... آمين.


 2  0  787
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:59 مساءً الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.