• ×

07:19 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

رواية الخطأ الطبي (2)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الجزء الثاني
من
رواية ( الخطأ الطبي )
للكاتب : سلمان بن يحيى الغزاوني


[لقراءة الجزء الأول من الرواية :إضغط هنا
]
.................

أسرع الأب نحو الممرضة .. التي جاءت تجري ..
أطفأت الجهاز .. وأوقفت ماكينة الغسيل ..
تنفس ( سلمان ) الصعداء .. وهو يعود رويداً رويداً إلى حالته الطبيعية ..
بعد أن وقف على مشارف الموت ..
كادت روحه أن تفيض .. نتيجة إهمال لعدة دقائق ..

****
بقي في غرفة الغسيل لثمان وأربعين ساعة .. استخدم خلالها ثمان وأربعين قارورة ..
كان يراقب ماء القارورة الصافي .. حتى إنه لا يكاد يميز .. هل هي فارغة أم ممتلئه ..
لا يكاد يعرف ذلك إلا بانخفاض المنسوب داخلها ..
وعند مصب الماء كان يتأمل لونه البني الداكن .. تعلوه طبقة دهنية سميكة ..
وغسلةً إثر أخرى .. بدأ اللون الداكن يفتح .. والدهون تقل ..
حتى أصبح الماء يدخل نقياً .. ويخرج صافياً ..
عندها تم إيقاف الغسيل .. ونزع الأسلاك عنه ..
وإعادته إلى غرفته الأولى ..
عاد إلى سريره .. ممدداً .. منهكاً ..
فقد بقي تحت وطأة الأجهزة .. يومين كاملين ..
مر الأطباء .. ووقفت الممرضات .. وتساءل الزائرون ..
مشاهد عديدة مرت وانقضت ..
لكنه لم ينس تلك الممرضة ( سربديفي ) .. التي أغدقت عليه شفقة متناهية ..
فقد كانت تمر عليه كل صباح وتسأل أباه عن صحته .. تأخذ قياسات نبضه .. ودرجة حرارته ..
وتمر بقطنة مبللة بمحلول معقم .. لتمسح بها أسنانه ..
وعند حقنه بأبر ( البنسلين ) .. كانت تتريث مع كل دفقة .. لتمسح يده بمسحة مبللة .. وتنتظر حتى يتلاشى ألمها ..
ثم تعيد دفع كمية أخرى .. وهكذا ..
تحاول التخفيف من رعب وألم تلك الأبرة التي يئن تحت وطئتها الكبار قبل الصغار ..
لا زالت صورة رحمتها تخفف عنه كثيراً من معاناة المرض .. ومرارة الدواء ..

مرحلة الشفاء

انتهج الأطباء معه برنامجاً علاجياً قاسياً ..
كوب من الماء سعة 500 ملل .. يوضع أمامه في الصباح .. وعليه أن يكتفي به لمدة أربع وعشرين ساعة كاملة ..
طعام مسلوق بلا دهون أو إضافات .. بلا ملح أو بهارات ..
كمية من الطعام قليلة جداً ..
أصناف لا يعرف لها اسماً ..
كان يزهد فيها ويتأمل طعام المرافق .. الذي يتنوع ما بين الفاكهة والسلطات ..
واللحوم والأسماك .. والأرز والخبز ..
وربما مدَّ يده لتلك الأطباق .. خلسة .. أن تراه عيون الأطباء أو الممرضات ..
ويوماً إثر يوم بدأت حالته تتحسن .. ووضعه يستقر ..
عرف ذلك من تقليل الأطباء لبعض أصناف الأدوية .. وقطعهم لأصناف أخرى ..
كما عرف من تغييرهم لوجبته .. واستبدالها بأخرى متنوعة ..
وسماحهم له بشرب كميات الماء التي يحتاجها ..
تحسنت حالته .. وتماثل للشفاء ..
تأقلم مع المحيط الذي يعيش فيه .. وأصبح المستشفى أشبه ما يكون بنزهة ..
لقد أصبح بقاؤه فيه لغرض النقاهة .. ليس إلا ..
قطع الأطباء عنه الأدوية تماماً ..
أهدت له بعض الممرضات ألبسة .. عبارة عن بيجامات للنوم ..
لم يعد يرتدي الزي الرسمي للمرضى .. إلا أثناء مرور الأطباء ..
أصبحت له علاقات مع الأطباء .. وبعض الممرضات ..
كن يأنسن باللعب معه .. لتخفيف روتين العمل اليومي .. فهو الصغير الوحيد الموجود في القسم بأكمله ..
ولربما سمحت له الممرضات في بعض الأحايين باللعب بعربة المقعدين ..
حيث يركبها .. ويدفعها بيديه .. خلال ممر المستشفى المقابل لغرفته ..
رغبت إحداهن في تعليمه اللغة الانجليزية ..
وحدثته في ذلك .. فوافق ..
أعدت له قائمة ببعض الكلمات .. وواعدته .. أن تسأله بعد يومين ..


****
زاره عمه .. ذات يوم ..
فرح به كأشد ما يكون الفرح ..
فقد كان الوحيد الذي يراه من أهله منذ أكثر من أسبوعين ..
لم يستطع إخفاء فرحه بعمه .. الذي بقي في الغرفة .. مع والده ..
يسأله عن مرض الابن .. وقصة العلاج .. وأنباء العملية ..
بينما كان مع أبيه .. والأب يحدثه .. ويطمئنه ..
مشى الابن إلى ( بوفيه ) الموظفين ليحظر لعمه كوباً من الشاي ..
مشى متفاخراً بأنه قادر على إكرام عمه الذي حضر لزيارته ..
عندما دخل ( البوفيه ) .. لمحته إحدى الممرضات القابعة خلف ( كاونتر ) الاستقبال ..
توجهت إليه .. سألته عما يريد ..
أجابها عن نيته تحضير كوبٍ من الشاي لعمه ..
عرضت عليه تقديم المساعدة ..
بادرت بإحضار الكوب الورقي من أحد الرفوف .. وقربت له السكر .. وقدمت له الملعقة ..
لم تستطع إخفاء ضحكتها التي فرت من شفتيها ..
استدارت ضاحكة .. حتى لا يراها ..
وخاطبته : أن يضع المقادير التي تناسب ( عمه ) ..
فرغَ من إعداد الشاي .. وتوجه جَذِلاً إلى (عمه ) وأبيه ..
بقي بالقرب منهما .. يرقب حديثهما بتأمل ..
تناول ( العم ) رشفة من الشاي .. ثم أبعده إلى آخر الطاولة..
استفسر الأب منه ..
لم يجب ( العم ) ..
ذاق الأب الشاي .. والتفت إلى ( سلمان ) ..
( سأله ) : من أعدَّ الشاي ؟؟
( أجابه بنشوة ) : أنا ....
رد الأب بتذمر واضح : ألا تستطيع أن تفرق بين السكر والملح ..
نكس ( سلمان ) رأسه خجلاً .. وتورد وجهه حياءً من عمه .. وأدرك الابن حينها سر تلك الضحكة المكتومة التي حاولت الممرضة إخفاءها ..
لقد تعمدت أن تقدم له الملح عوضاً عن الشاي .. ربما تريد أن تعلمه عدم الاقتراب مرة أخرى من ( بوفيه ) الموظفين ..


****


مرت الأيام ..
واطمأن الأب على صحة ولده ..
لكن الأطباء لم يقرروا بعد السماح له بالخروج ..
قرر الأب الذهاب إلى ( ريع ) للاطمئنان على باقي أفراد الأسرة ..
ذهب في الصباح .. وبقي الابن لوحده ذلك اليوم ..
وفي العصر .. أخذ يتأمل أفواج القادمين للزيارة .. ثم ذهب إلى صالة التلفزيون ..
وبقي يشاهد بعض برامج التلفزيون السعودي في قناتيه الأولى والثانية ..
وشاهد مجلة موضوعة على الطاولة .. يتداولها أغلب مَن في الصالة .. وكأن بعضهم يوصي بعضاً بقراءتها ..
اقترب منهم وسمع أحدهم يذكر إعلاناً ..
انتظر حتى فرغ منه الجميع .. ثم تناولها .. قرأ عنوان المجلة ( مجلة الدعوة ) ..
فتش في صفحاتها .. حتى عثر على ركن الإعلانات ..
وصدمه الإعلان الذي قرأه ..

( يعلن ( مستشفى الملك فهد المركزي بجازان ) عن وجود جثة في ثلاجة الموتى .. منذ ثلاثة أشهر .. ولم يتقدم أحدٌ لاستلامها .. والمستشفى إذ ينشر هذا الإعلان ليؤكد أنه إذا لم يتقدم أحد لاستلامها خلال عشرة أيام من تأريخه فإن المستشفى سيتولى دفنها .. وهذا الإعلان بمثابة إخلاء للمسؤولية .. والله الموفق .. ) ..

كان في صالة التلفزيون يستطيع مشاهدة الشمس التي بدأت تختفي رويداً رويداً ..
ملقية خلفها بظلال خيوط الظلام التي بدأت تقوى كلما هوت الشمس باتجاه البحر الأحمر ..
ألقى بالمجلة من يده .. وخرج مسرعاً من الصالة .. ميمماً وجهه شطر غرفته ..
مسرعاً لا يلوي على شيء ..
فلما بلغ الغرفة .. ذهب إلى السرير .. وانسل تحت لحافه ..
لم يكن يريد النوم ..
لكنه يريد أن يغمض عينيه عن مشاهدة صورة الموت .. ومنظر الجنازة ملفوفة بالرداء الأبيض .. داخل ثلاجة الموتى ..
جاء موعد العشاء .. فتناوله ..
ثم خلد إلى نوم مليء بالأحلام والكوابيس المزعجة ..


الغرفة 364

في صباح اليوم الثاني استيقظ مبكراً وقد نسي ما أخافه بالأمس ..
تناول إفطاره وبقي أمام النافذة .. يشاهد المارة في الساحات المحيطة بالمستشفى ..
يحاول عبثاً أن يرى أباه يأتي ..
يحاول أن يتبين صورته بين أولئك المارة ..
لقد وعده أن يأتي اليوم ولكن تأخر في المجيء..
حضر الأطباء .. في موعدهم المحدد .. وطالعوا ملفه ..
ثم كتبوا بعض الملاحظات وخرجوا ..
جاءت بعدهم إحدى الممرضات .. بورقة علقتها على سريره ..
أخبرته أن الأطباء سمحوا له بمغادرة المستشفى ..
ولم يبق إلا أن يحضر والده ليتمكن من الخروج .. بعد مدة شارفت على العشرين يوماً .. قضاها في المستشفى ..
مرت اللحظات بطيئة ..
وهاهو المؤذن ينادي لصلاة الظهر .. ولم يظهر الأب بعد ..
تناول الغداء .. ولم يظهر الأب بعد ..
تمدد على السرير يائساً من حضور والده ..
لم تمر دقائق قليلة .. حتى أطل الوالد من باب الغرفة ..
تلقاه الابن بفرح ظاهر .. وسرور غامر ..
اصطحبه إلى السرير وجلسا عليه .. وسأله عن أمه وإخوته .. وأبوه يجيب عن أسئلته .. ويبلغه أشواقهم .. ويقرؤه سلامهم ..
ثم عاتبه على التأخر ..
فاعتذر الأب ببعد المسافة .. وقلة المواصلات ..
بشر الابن أباه .. أن الأطباء سجلوا له بطاقة خروج .. علقوها على السرير ..
فرح الأب .. لكنه قرر تأجيل الخروج إلى صبيحة اليوم التالي ..
حتى يتمكنا من إيجاد سيارة تقلهما إلى قرية ( ريع ) ..
مرت بقية النهار بصورة عادية ..
وفي المساء صحب الابن أباه إلى مصلى الدور الرابع لأداء صلاة المغرب ..
ثم عادا وتناولا العشاء .. وذهبا لصلاة العِشاء .. ثم خلدا إلى النوم ..
وقد كان الأب منهكاً متعباً من جراء السفر طيلة النهار ..
فغط في نوم عميق .. لم يشعر معه بشيء ..
ونام الابن أيضاً ..
وفي قرابة الساعة الثانية فجراً ..
استيقظ الابن فَزِعاً ..
نظر بجانب سريره .. فرأى أباه يفترش الأرض .. وقد ثقل به نومه ..
جلس على السرير .. وأخذ ينظر في أرجاء الغرفة ..
يتأمل الأشياء التي يراها على أنوار الغرفة الهادئة ..
أغمض عينيه .. ثم فتحهما أخرى ..
فركهما بيديه .. ثم أعاد النظر .. غير مصدق لما يرى .. !!
أخذ يتساءل في نفسه .. أيعقل هذا ؟؟ ..
انسل بخفة من السرير .. ثم مشى على أطراف أصابعه ..
وبخفة متناهية فتح باب الغرفة ..
ولما أصبح خارج الغرفة .. أطلق العنان لساقية ..
وكلما قطع مسافة .. التفت خلفه .. هل يراه من أحد ..
فلما وصل أمام المصعد .. وازن بين استخدامه وبين استخدام الدرج ..
هذا أسرع .. لكنه غير مأمون ..
فلو تعطلت أزراره .. لاستطاعوا الإمساك بي .. ( بهذا حدث نفسه ) ..
وقرر استخدام السلالم ..
نزل درجاته بسرعة كبيرة .. وهو يطالع أرقام الطوابق تتناقص كلما ازداد نزولاً ..
ط4 .. ط3 .. ط2 .. ط1 .. ط أرضي ..
اجتازه للأسفل حتى وجد الباب موصداً وقد كتب أمامه .. ( ط تحت الأرضي ) ..
عاد أدراجه حتى وصل إلى الطابق الأرضي ..
ثم مال عن الدرج وفتح الباب الذي يطل على البهو الواسع ..
وسار بخطوات ثابته متأنية ..
آملاً ألا يلفت نظر الرجلين الذين يسمع حديثهما الخافت خلف كابينة الكونتر ..
عندما حاذاهما ..
وقف أحدهما .. وناداه ..
ـ إلى أين يا ... ؟؟
فاجأه الصوت .. فلم يكن يتوقعه ..
تسمر في مكانه وعرف أنه لا بد له من توضيح موقفه لهذين الحارسين فأجابه :
ـ أريد أن أخرج ..
ـ ألى أين تخرج ؟؟ ..
ـ إلى البيت ..
ـ لماذا ؟؟
ـ لا أريد ان أبقى في هذا المستشفى ..
ـ ولماذا لا تريد البقاء فيه ..
ـ اصعد للأعلى وانظر بنفسك الفضائح التي تحصل .. لن أبقى في مستشفىً مثل هذا !!
نظر الرجل لزميلة باستغراب ثم عاود السؤال ..
ـ أي فضائح تقصد ؟؟ ..
ـ رجال ونساء ( نايمين ) مع بعضهم في الغرف ( فوق ) ..
ـ متى رأيتهم ؟؟
ـ الآن .. أنا هربت الآن من عندهم ..
ـ أي غرفة تقصد ؟؟ ..
ـ غرفة 364 ..
ألقى الصغير على الرجلين هذه الكلمة كالقنبلة ..
ثم أدار ظهره لهما .. ومشى باتجاه الباب الخارجي ..
صرخ فيه أحدهما بأعلى صوته ..
ـ تعال هنا ..
تسمَّر مكانه .. وارتعد من شدة الصوت .. وأحس بالخوف يتملكه من ذلك الرجل ..
ثم عاد إلى أن أصبح على مقربة منه .. وتجاسر ليسأله :
ـ ماذا تريد مني ؟؟ ..
أجابه الرجل ـ أريدك أن تريني تلك الغرفة ..
ـ اطلع أنت لوحدك .. أنا قلت لك رقمها ..
أمسك به أحد الرجلين قائلاً : بل سترافقنا إلى هناك ..
سار معهما مرغماً ..
سار الثلاثة باتجاه المصعد ..
صعدوا إلى الدور الرابع ..
اتجها بعد الصغير ـ باستغراب بادٍ عليهما ـ ..
يسيران في إثر خطواته الواثقة .. عبر الممرات التي يعرفها جيداً ..
حتى أوقفهما أمام الغرفة 364 .. مشيراً إلى الرقم الذي يعتلي بابها ..
نظر أحدهما للآخر .. دون أن ينبسا ببنت شفه ..
لم يعد أي واحد منهما يشك في صدق الصغير ..
ولذا تناجيا ببعض الكلمات التي لم يسمعها ..
ثم توزعا على طرفي الباب ..
وتقدم أحدهما بأنفاس مكتومة .. وخطوات متثاقلة ..
ليفتح الباب ..
أدار المزلاج ..
ثم فتحه بهدوء ..
ووقف مع زميله سادَّيْن الباب بجسميهما ..


يتبع الجزء الثالث . الجمعة القادمة بإذن الله


 7  0  1108
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:19 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.