• ×

08:42 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

قصتي مع الهموم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قصتي مع الهموم
بقلم أ. جابر بن مسعود العبدلي الفيفي


image


كنت قد كتبت مقال الأسبوع , واليوم وأنا أتصفحه لم أشعر إلا وأنا أسترسل في هذا الموضوع , تركت القلم على سجيته يحدثكم عن قصته فالتمسوا له العذر واقبلوا حجته .

سأخبركم بقصة حدثت لي قبل أكثر من عشرين عاماً وأنا طالب في الرياض , قد تهمكم وقد لا تهمكم ولكني أطرحها للفائدة من باب وذكر , ولأني متأكد أن مثلها من القصص إلى اليوم تتكرر.

فقد كنت أقبع وسط ضغوط نفسية سببتها مشاكل مرت بي , شعرت حينها أني قد انتهيت من الدنيا ولا أمل لي , كنت أفكر في نفسي وفي المستقبل وفي حال أسرتي , أفكر في كلام الناس من العامة والخواص , أفكر في شماتة الأعداء حزن الأحباب ، كانت تراودني أفكار تتطاول من بينها فكرة الاختفاء عن أعين الناس لما ألمَّ بي من صعاب , لقد كان أفضل الحلول حينها الهروب , وبعد أن تلبستني الهموم وتدثرتني الغموم قررت أن أفضل شيء هو السفر إلى أي مكان كان , توجهت إلى المطار وبعد أن حددت الوجهة وحصلت على كرت صعود الطائرة ذهبت إلى البوفيه وكنت مضطرباً جداً , كنت أشعر بضيق في الصدر حتى أني أكاد اختنق , ولم يعد أي مأكل أو مشرب يطيب لي , كنت أشعر وكأن جميع هموم الدنيا على رأسي , لقد انتهت الدنيا وتوقفت الحياة بالنسبة إلي , كنت أشعر بالظلم والمرارة والحسرة , وأن الدنيا أظلمت في وجهي , ولم يعد المستقبل يتبين لي , كانت تخرج من صدري زفرات شديدة , يداي تتحركان لا إرادياً , وجسمي نحيل وكنت أرجف .

لفتت حالتي وتصرفاتي أحد المسافرين إلى جانبي , فالتفت إلي وسألني : ما بك ؟

ملأت الغُصّة حلقي ولم أستطع الجواب وكلما أردت الحديث شعرت بالغثيان , ليست لدي رغبة في الحديث مع أي كان , وعندما رأى أن لساني يعجز عن الكلام لم يُطل الانتظار وقال لي كلمات لا زلت أتذكرها ولازالت تمر بخاطري إلى اليوم ولا زلت ادعوا له منذ ذلك اليوم فما جزاء الإحسان إلا الإحسان .

قال يا بني : أشعر بأنك متضايق ولديك بعض الصعاب , يا بني : أنت لا تزال في مقتبل عمرك والحياة مليئة بالمنغّصات وإذا كانت هذه بدايتك فتنبه لنهايتك لأنها ستكون سريعة , يا بني : هذه الدنيا لم تصف لأحد وكل من تشاهدهم في هذا المطار لديهم مشاكل , بل قد تكون مشاكلهم أكثر وأكبر من مشاكلك , وليست هناك مشكلة بلا حل !

وبعد أن انشرحت نفسي له نظرت له وقلت : لكن مشاكلي تختلف... ثم بدأت أشرح له بعض ما أعانيه ,فقال لي : توقف ... ثم تبسم وقال بلهجة بسيطة : ( يا ولدي بس كذا !... بسيطة , الدنيا كذا , لا أنت أول الناس ولا آخرهم ) , يا ولدي : لن تكون هذه الهموم أول ما تلقاه ولن تكون آخرها , لازالت الطريق أمامك طويلة لازلت في أولها , والمشاكل في الدنيا كثيرة ومتنوعة ( في الأهل والمال والولد ) يا ولدي : لو كل واحد ممن تراهم أمامك في المطار حكى لك ما يعانيه لضحكت من نفسك ومما لديك وما لديه , يا ولدي : لا تغرّك ابتسامات الناس فما تخفي دواخلهم لا يعلمها إلا رب الناس , يا ولدي : لن أطيل عليك سأعلمك كلمات قلها من قلبك وأضمن لك أن تشفى من وقتك , استغربت ولم أصدق كلامه لكني جاهدت نفسي أن أجامله فقال لي قل : ( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي ) , كررتها خلفه وما أن انتهيت حتى شعرت بشي في نفسي يتغير , انفرجت همومي وانشرح صدري وشعرت بسعادة لم أشعر بها منذ مدة طويلة , ذهلت من تلك السرعة التي يتغير بها حال من يقرأ هذا الدعاء , طلبت منه أن أكتب الدعاء في ورقة فأملاني إياه , ثم دلّني على ذلك السفر الخالد ( حصن المسلم ) , صدقوني أني كنت في غفلة لدرجة أنني لم أكن أعرف ذلك الكتاب , إنه كتاب صغير الحجم وكبير القيمة , قيمته المادية لا تتجاوز ريالات فقط , أما المعنوية فلا تعدلها الملايين , لقد انقلبت حياتي منذ تلك اللحظة ومن بعد ذلك الكتيب فالشكر لله ثم لذلك الرجل .

تذكرت بعدها كم كانت غفلتي وبعدي عن الله , وكم كنت جاهلاً بعظمة الخالق سبحانه , وكلما مرت بي ضائقة لجأت إلى الله بهذا الدعاء العظيم فوالله ما كان يخيبني سبحانه , وكلما تذكرت ذلك الرجل دعوت له , ثم فكرت في كل من يعاني الهموم حتى أن بعضهم قد يصل إلى الانتحار والعياذ بالله ولم يهتد إلى الحل مع سهولته , تمنيت أن يلتقي كل من أصابه الهم والحزن بمثل هذا الرجل , وكلما رأيت مهموماً نصحته بنصيحة ذلك الرجل !

*****

إنه الدعاء

فأوصيكم ونفسي بالارتباط مباشرة بالله عن طريق الدعاء

وأن تعلموا أبنائكم وأهليكم ومن يعز عليكم أهمية الدعاء

أخي لا تبخل بالنصيحة لكل من ترى أنها قد تلبسته الهموم بلزوم الدعاء

أخي الكريم إن ضاقت عليك نفسك والدنيا فما عليك سوى الدعاء

وإن احترت في أمر فما عليك سوى الدعاء

أخي إن خفت عدواً فما عليك سوى الدعاء

*****

قال تعالى :( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )

وقال سبحانه : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم )

وفي الحديث يقول الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني )

وفي حديث آخر: (إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبتين)

لا حظوا كيف قرن الله الدعاء بالإجابة !

أتهزأ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما فعل الدعاء

سهام الليل لا تخطي ولكن لها أمد وللأمد انقضاء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللهم انا نعـوذ بك من الهَم والحَـزَن ونعـوذ بك من العـجز والكسل ونعـوذ بك من الجبن والبخـل ونعـوذ بك من غـَلَبة الدَين وقهر الرجال .

اللهم أسلمنا وجوهـنا اٍليك وفوّضنا أمورنا اٍليك وألجأنا ظهورنا إليك رغـبة ورهـبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وفجاءة نقمتك وتحول عافيتك ومن جميع سخطك

 10  0  3670
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:42 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.