• ×

11:29 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

رواية | الخطا الطبي 3

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
[center]
الجزء الثالث من
رواية ( الخطأ الطبي )
[لقراءة الجزء الأول و الثاني من الرواية :إضغط هنا ]

للأستاذ : سلمان بن يحيى الغزواني


====================

وتقدم أحدهما بأنفاس مكتومة .. وخطوات متثاقلة ..
ليفتح الباب ..
أدار المزلاج ..
ثم فتحه بهدوء ..
ووقف مع زميله سادَّيْن الباب بجسميهما ..

..................
نظر كلٌ منهما إلى الغرفة ..
لم يجدا بها أحداً ..
وقفا مشدوهين .. هل يكذبان الصغير أم يصدقانه ..
ربما أخطأ في رقم الغرفة ..
توجها إلى الصغير .. وسألاه : أين سريرك ؟؟ ..
أجابهما : إنه هناك في الركن ..
استيقظ الأب على صوت الرجلين .. فَزِعاً ..
سأله أحدهما : أأنت المرافق لهذا الصغير ؟؟ ..
أجابه : نعم .. أنا أبوه ..
ـ وكيف تركته يخرج من الغرفة ؟؟ ..
ـ لا أعلم به .. لقد كنت نائماً ..
ـ هل مسؤولية المرافق أن ينام ويترك من يرافقه يخرج كيفما يشاء ؟؟ ..
ـ لا ليس هذا .. لكنني كنت متعباً .. ولم أفطن له .. وكان ..
ـ وكان ماذا ؟؟ ..
ـ كان ينام كل ليلة على سريره .. ولم يحدث أن تحرك ليلة دون أن يخبرني ..
سأل أحدهما الصغير : أهذا والدك ؟؟ ..
أجابه : لا ..
رد الرجل باستغراب : ماذا ؟؟ ..
أكد الابن إحابته : إنه ليس والدي ..
ـ ومن يكون إذاً ..
ـ لا أدري عنه شيئاً ..
نهض الأب واقفاً ..
فقد أطار جواب الابن صوابه .. بعد أن أطار الرجلان نومه ..
توجه إلى الرجلين ..
خاطبه أحدهما : أتدري أين وجدناه ؟؟ لقد وجدناه عند البوابة الخارجية .. يريد أن يذهب إلى البيت كما أخبرنا ..
قال الأب : لقد سمح له الأطباء بالخروج .. وقد بشرني فور مجيئي عصر اليوم بذلك .. واتفقت معه على أن نخرج في صباح الغد .. فلم العجلة إذاً ؟؟..
قال أحدهما :
أتعلم !! .. لو خرج ابنك الليلة من المستشفى فلن يسلم من السيارات .. ولو سلم من السيارات فلن يسلم من الناس .. ولو سلم من الناس والسيارات .. فلن تراه أبداً .. سيضيع .. في هذا العالم الواسع ..
ختم كلامه بنصيحة أشبه ما تكون بالتقريع : انتبه على ولدك ..
أما الصغير فقد انسل مرعوباً إلى السرير والتف بلحافه .. ثم غط في نوم عميق ..
ظل الأب ساهراً ليلته .. وأخذ يضرب كفاً بكف .. يسترجع ويحوقل ..
وباستغراب يتساءل ..أحقيقةً ما يجري .. أم أنها أضغاث أحلام ؟؟ ..
ماذا حصل لولدي ؟؟ ..
شيء يجل عن الوصف .. ويستعصي على التأويل .. !!
حسبنا الله ونعم الوكيل .. اللهم الطف بنا يا رب العالمين ..

الحزن يخيم على الجميع
استيقظت أقسام الدور الرابع على وقع الخبر ..
وانتشر الخبر في أوساط الأطباء والممرضات .. انتشار النار في يابس الهشيم ..
توافد الجميع .. ليشاهدوا ( سلمان ) ..
وكلما حضر فرد منهم .. لم يشاهد أمراً ذي بال ..
فلم تتغير صورته .. ولم يتغير حديثه .. ولم يجدوه مربوطاً بالسرير .. كما خمن بعضهم ..
توجهت إليه ( سربديفي ) وبتوجس سألته ..
ـ من أنا ؟
أجابها ـ أنت ممرضة ..
ـ ما اسمي ؟
ـ سربديفي ..
ـ و .. أنت .. أين أنت ؟
ـ في المستشفى ..
عدة أسئلة .. قابلها بإجابات صحيحة واقعية ..
ثم سألته ـ من هذا ؟؟
أجابها ـ لا أدري ..
ـ أليس أبوك ؟؟ ..
ـ كلا .. ليس أبي ..
تغيرت ملامحها .. وبدا عليها الحزن ..
ثم استدارت مبتعدة عنه ..
اقترب الأب منه .. جلس معه على السرير ..
قابل الابن اقترابه بجمع رجليه وضمهما إلى صدره .. وانسحب على أعلى السرير .. يسارق النظر إليه بعينين لم تستطيعا إخفاء الخوف والهلع اللذان يلفانهما ..
بدأ الأب في محاورته ..
ـ ألست أبوك ؟؟
ـ كلا لست أبي ..
ـ من أنا ؟؟
ـ لا أدري ..
ـ أين أبوك ؟؟
ـ أبي متوفى ..
ـ ماذا تقول ؟؟ .. ( قالها الأب باستغراب ظاهر ) ..
ـ أبي توفي منذ ثلاث سنوات .. رحمه الله تعالى ..
أشاح الابن بوجهه ناحية النافذة الزجاجية .. المغطاة بستائر .. تسمح بعض أجزائها بدخول خيوط من أشعة شمس ذلك الصباح .. ثم تابع قائلاً ..
توفي منذ ثلاث سنوات .. وهو الآن في ثلاجة الموتى بالأسفل لم يجد حتى من يستلم جثته .. ويكرمها بدفنها ..
نزل كلامه كالصاعقة على أبيه ..
أدرك أن ابنه فقد ذاكرته .. لكنه لا يعلم إلى أي مدىً كان قد فقدها ..
أعاد سؤاله ..
ـ هل تدرس ؟
أجابه ـ نعم ..
ـ في أي صف ؟؟
ـ في الصف الخامس ..
ـ ما هو اليوم ؟؟
ـ الثلاثاء ..
ـ وأمس ؟؟
ـ الاثنين ..
ـ وغداً ؟؟
ـ الأربعاء ..
فكر الأب ملياً .. ثم سأله أسئلة أعمق .. عن أمه .. وإخوته .. عن الجيران .. عن الماشية التي لديهم في البيت .. عن ألعابه وأصحابه ..
وكانت إجابته عنها كلها .. إجابات إيجابية .. لا تنبئ عن فقدانٍ للذاكرة ..
إذا ما الذي يحدث ؟؟ تساءل الأب في نفسه ..
قرر أن يواجه ابنه بدليل دامغ .. لا يمكنه إنكاره أو تجاهله ..
أدخل يده في جيبه .. ثم أخرج حفيظة النفوس ..
فتح غلافها ..
قدمها إليه مبرزاً الاسم الرباعي .. تعتليه صورته الشمسية ..
وسأله ـ ما هذا الاسم ؟؟
ـ أجابه ـ اسم والدي ..
ـ والصورة ؟؟
ـ صورته ..
ـ وكيف تقول إنني لست والدك ؟؟
ـ ولا زلت مصراً أنك لست والدي ..
ـ وهذه الحفيظة .. ( قالها بنبرة غاضبة ) ..
ـ لا أدري كيف حصلت عليها .. ربما ضاعت منه فوجدتها .. ( رد الابن بحذلقة ) ..
ثم أردف ـ ربما حصلت عليها هنا في المستشفى الذي توفي فيه ..
لما استيأس الأب منه خلص إلى زاوية من الغرفة .. وجلس وحيداً مهموماً ..
يفكر .. ما الذي يكون قد أصاب ولده بعده ..

****
مر الأطباء في موعدهم المحدد ..
نقلت لهم الممرضات الحالة الغريبة التي رأوها هذا اليوم ..
لم تظهر أعراضها إلى الآن .. إلا في إنكاره لأبيه ..
تحلق الأطباء حوله .. ومعهم بعض الاستشاريين .. الذين يراهم لأول مرة ..
بدؤوا في النقاش .. وتبادل الآراء ..
سأله احدهم ـ أتذكر اسمي ؟
أجابه ـ أنت الدكتور ( بُول ) ..
ـ وهذا ؟ وأشار على زميله الذي يقف بجانبه ..
ـ الدكتور ( برناردو ) ..
زم الدكتور شفتيه قائلاً ..
ـ حسناً حسناً ..
طلب كبيرهم من الممرضة أن تتأكد من قياسات ضغط وحرارة المريض ..
وتفحص أجزاء كبيرة من جسمه .. وتوقف كثيراً عند فحص عينيه ..
وكرر النظر إليها عبر منظار صغير .. ومصباح يوجه ضوءه إلى عدسة العين ..
تشاور مع الأطباء بحضرة المترجم ( الخواجي ) ..
لم يستطع الأب الانتظار كثيراً ..
فقد توجه إلى المترجم وطلب منه إخباره عن حالة ولده ..
طمأنه قائلاً أن الأطباء يؤكدون أنها حالة بسيطة سرعان ما تزول ..
قضى الأب نهاره مغموماً .. مهموماً .. لم يتذوق طعاماً .. ولم تعرف عينه مناماً ..
قبيل الظهر .. قامت إحدى الممرضات باصطحاب الصغير إلى أحد الأقسام ..
توجهت إلى أحد أجهزة الهاتف .. ورفعت السماعة وطلبت رقماً ..
تحدثت قليلاً .. ثم طلبت منه الصغير الحديث عبر الهاتف مع أبيه ..
وافق مبدئياً ..
ثم استمر في الحديث .. وبعد إنهاء المكالمة .. اعترف لها أن المتحدث على الطرف الآخر هو والده ..
كانت خطوة غير مسبوقة .. ونجاح لم يحققه أحد سوى هذه الممرضة ..
لقد انتزعت منه اعترافاً مهماً ..
اصطحبت الصغير وعادت به إلى غرفته فرحة بهذا الإنجاز .. ولما وصلا الغرفة .. أشارت إلى أبيه قائله ..
ـ هذا الذي حدثته قبل قليل ..
نظر إليها باستغراب .. ثم رد عليها ـ لا ليس هذا ..
أكدت له قائلة ..
ـ هذا أبوك ..
رفض بشدة ..
ـ لا ليس أبي ..
بعدها .. فَتَرت كل محاولات إقناعه ..
وأصبح الجميع في انتظار رأي الأطباء .. ونتائج تقييمهم لحالة المريض ..
أما الأب فلم يكن ينتظر إلا رحمة الله أن تتداركه .. وتحفظ عليه ابنه ..
وكان .. كلما عاوده الأمل ..
اتجه إلى ابنه يحاوره .. محاولاً استمالته والتقرب منه ..
لكن المحاورة .. لم تزده إلا عناداً .. ولم يزده تقرب والده إلا نفوراً ..
وأصبح أكثر تمسكاً برأيه .. وأشد ما يكون تصميماً ..

....................................

معاناة والد
مر اليوم الأول كأثقل ما يكون .. فقد أصبح الابن لا يتحدث مع أبيه ..
والأب يتوجس خيفة من هروب ابنه ..
لا يستطيع مغادرة الغرفة .. لا يقدر على النوم بهدوء .. يخشى أن يغيب ابنه عن مرمى نظره .. ولو للحظاتٍ قليلة ..
وما أحزنه أن ابنه لم ينكر أحداً سواه ..
تعرف على الأطباء .. وتعرف على الممرضات .. حتى عمال النظافة .. لم ينكرهم ..
يذكر الأيام .. والأهل والأصحاب .. يسرد الذكريات .. ويخبر بالمفارقات ..
أما أنا فلا يذكرني (خاطب الأب نفسه ) ..
أما أنا فلا يذكرني .. ( كررها بصوت مسموع .. دون أن يفطن لذلك ) ..
سمعه الابن فالتفت إليه ..
صادفت التفاتته نظرَ أبيه إليه ..
التقت العينان على غير موعد ..
اقترب الأب منه .. وخاطبه بنبرة حزينة .. قائلاً ..
ـ لمَِ تتنكر لي ؟؟ ..
توقف الابن عن الحديث زمناً يسيراً .. لكنه كان في حساب الأب يعني دهراً طويلاً ..
ثم أمسك بكف أبيه .. وبسط أصابعه .. ثم تأمل الخطوط التي تتضح في راحة يده ..
تأملها قليلاً .. تحسسها بأصابعه الصغيرة ..
ثم رفع بصره إلى أبيه وصارحه قائلاً ..
ـ كيف تكون أبي وهذه الأخاديد في يدك .. كبيرة جداً ..
نظر الأب إليه ذاهلاً .. وسأله ..
ـ كيف تراها ؟؟ ..
ـ أشبه ما تكون بالشعاب في الجبال ..
لم يدر الأب ماذا يعلق .. وتمتم بكلمات يناجي بها ربه .. أن يرحم ضعف قوته .. وقلة حيلته ..
ابتعد عن الابن ..
مخفياً عنه قتار الحزن الذي يبدو على محياه ..
ابتعد عنه عائداً إلى كرسيه القريب من النافذة ..
لمح الابنُ حزن أبيه .. مما دفعه لمراجعة نفسه ..
بقي صامتاً يتأمل ـ بعمق ـ ما يجري ..
هل هو أبي حقاً ؟؟ .. كيف يدرك هذه المعلومات عني ؟؟ .. كيف يعرف اسمي واسم أمي وإخوتي ؟؟ .. ( أخذ يسائل نفسه ) ..
قد يكون أبي .. ( همس لنفسه ) ..
لا .. ( رد بسرعة ) .. لا ليس أبي ..
وهذه المعلومات .. كيف عرفها .. ( حاصر نفسه بهذا السؤال )..
ربما استطاع الحصول عليها أثناء مرضي .. لم يقتنع بهذه الإجابة .. فأردف معللاً .. ربما هناك سر في الأمر لا أعلمه .. !!
لكنه حقاً ليس أبي .. وأنا من أنا ؟؟ لقد وصل الشك الآن إلى نفسه .. وأخذ يتساءل ..
ـ من أنا ؟؟
ـ يقولون إن اسمي ( سلمان ) فما الذي يثبت لي أنني ( سلمان ) ؟؟ ..
حاول أن يتذكر شيئاً يميزه .. شيئاً يعرف به نفسه .. يفرِّق بينها وبين غيرها ..
تذكر إصبعه الوسطى في إحدى يديه ..
تذكر أنها لا تحمل من الظفر إلا نصفه .. أما النصف الآخر فقد فقده ذات يوم في حادث عرضي ..
تذكر هذا .. فكأنما فُتِح له بابٌ من الأمل .. يستطيع به التحقق من نفسه ..
نفسه التي وصل شَكُّهُ إليها ..
تلفت يمنة ويسرة .. نظر هل يراه من أحد ..
ثم أخذ يسارق النظر إلى أصبعه الوسطى في كفه الأيمن .. فوجدها سليمة ..
دق ناقوس الخطر في صدره .. وازداد نبضه .. وبدأ يميل إلى تصديق نفسه .. أنه ليس ( سلمان ) ..
رفع رأسه متعجباً .. ثم نظر إلى كفه الأيسر ..
تفحص الأصبع الوسطى .. وجد ظفرها مكسور من منتصفه ..
أعاد النظر .. ودقق فيه .. فلما تحقق من ذلك عادت إليه أنفاسه ..
أيقن أنه هو ( سلمان ) ..
أخذ يتأمل .. وظل يفكر ..
ما هذا الشك الذي يعصف بي .. حتى شككت في نفسي ..
نفسي التي أعرفها جيداً .. كيف تزعزعت ثقتي بها بهذه السهولة ؟؟ ..


****


نظر إلى أبيه .. بعينين حزينتين ..
تمنى لو قدر على إفراحه وإخباره أنه والده ..
لكنه لا يستطيع ..
يجد في قرارة نفسه حاجزاً يمنعه من قول ذلك .. لا يعلم ما هو ..
يتمنى أن يدخل الفرح .. ويمسح الحزن عن وجه ذلك الشيخ القابع على كرسيه يتأمل عبر النافذة ..
تمنى لو تبدت له الحقيقة ليريح ويستريح ..
بقيت هذه الأمنية تراوده .. تتردد عليه طيلة نهاره وطرفاً من ليله .. حتى أوى إلى فراشه ..
أوى إلى فراشه بعد صراع نفسي مرير .. لم يستطع معه أن يرجّحَ شيئاً ..
أما الأب فلم يكن بإمكانه أن ينام .. وأنى له أن ينام مع ما مر عليه من هموم ..
وأنى له أن ينام وهو كالحارس المؤتمن على تمرد هذا الابن ..
وأنى له أن ينام وهو لم يعرف إلى أين ستستقر هذه الحالة الغريبة ..
تهدأ الأصوات وتختفي .. تُطفأ الأنوار وتتلاشى .. ويغط الجميع في نوم عميق ..
أما هو فيظل ساهراً يعد الأنفاس ..
يبقى جالساً يرقب صدور أي حركة ..
يحلم بالأحلام .. يتسلى بالكوابيس .. التي تزوره يقظان نائماً ..
يمني نفسه بليت ولعل وعسى ..
فإذا ألجأته الأحزان لركن ضيق .. تذكر وعاد .. وأخذ يناجي ربه في هدأة الليل ..
يناجيه بدعوات تخرج من فؤاد مكلوم ..
تصعد من قلب واجف .. متعلق بالله بعد أن رأى عجز قوى البشر الأرضية ..
ما إن تتامُّ الدعوات ..
حتى تتنزل عليه السكينة تنزُّلاً ..
ويعبُّ الطمأنينة عبّاً ..
فيخف حزنه .. ويتلاشى يأسه .. ويذهب قنوطه ..
بهذا أخذ يُقَضِّي ليله .. حتى ينبلج الفجر .. ويتنفس الصباح ..

الأيام الثلاثة الحرجة
مر الأطباء في الصباح .. وتحلقوا حول سرير ( سلمان ) بحضور الطبيب الاستشاري ..
تفحص الاستشاري ملف المريض .. وتحاور مع الأطباء ..
فحص المريض فحصاً سريرياً ..
وجه له بعض الأسئلة ..
ناقش أباه ـ بمساعدة المترجم ـ حول حالة المريض .. والأعراض التي لاحظها عليه ..
بين له الأب ما لاحظه على ابنه خلال هذين اليومين ..
ذكر له كيف أنه يظل شارد الذهن ..
كيف أنه أنكره .. ولم يلتفت لكل القرائن التي يسوقها له ..
كيف أن حديثه قَلَّ عن ذي قبل .. وابتسامته اختفت .. وحركته خَفَّت ..
طلب منه الطبيب أن يتذكر أشياءً أدق تحديداً وأكثر عمقاً ..
حاول الأب أن يتذكر شيئاً بارزاً .. شيئاً يكونُ قد لَفَت نظره ..
لكنه لم يجد شيئاً ذا بال ..
ثم .. تذكر حديث ابنه حول الأخاديد في راحة يديه ..
التفت إلى الطبيب وأخبره الخبر ..
دوَّنَ الطبيب في الملف بعض العبارات .. ثم وجه الممرضات ببعض التوجيهات ..
اطمأن على المريض ..
ثم خرج .. إلى غرفة أخرى .. ومريض آخر ..


****
بعد قليل عادت الممرضة ببعض الأدوات ..
سحبت من وريد ذراعه ثلاثة أنابيب من الدم متوسطه الحجم .. ثم انصرفت ..
بخلاف ذلك لم يلاحظ أي تغير يطرأ .. أو إجراء يتخذ ..
لم يصف له الطبيب إلا نوعاً واحداً من الأدوية ..
الطعام ( المتنوع ) الذي كان يتناوله لم يتغير ..
أخذ الابن يطيل النظر إلى والده ..
لم يكن في حاجة إلى بديهةٍ ليلاحظ الحزن الذي يلف والده ..
لقد اجتمع عليه ..
الحزن على ابنه من مرضه .. والخوف من المجهول الذي ينتظره .. وسهر الليالي الذي هدَّ قواه وأنهكه ..
مر اليومُ كئيباً بطيئاً متثاقلاً ..
فلما جن الليل تناول الجميع عشاءهم ..
ثم خلدوا للنوم ..
لم ينم الأب .. كل ما عمله أن أرخى جسمه على الفراش ..
بعد أن عَهِد إلى الابن أن لا يتحرك من سريره إلا بعد أن يخبره ..
أكد عليه مرة أخرى ..قائلاً ..
ـ حتى لو أردت أن تشرب ماءً .. حتى لو أردت أن تذهب للحمَّام .. لا بد أن تخبرني قبل أن تنزل من سريرك ..
ـ نعم .. نعم ( أجابه الابن مكرهاً ) ..

****
في صباح اليوم التالي .. حضرت الممرضة وفعلت ما فعلته في اليوم السابق .. سحبت ثلاثة أنابيب من ساعده الأيمن ..
في التاسعة صباحاً مر الأطباء كعادتهم ..
فحصوا المريض ..
حاور بعضهم بعضاً ..
سألوا الأب هل طرأ أي تحسن على الابن ..
أجابهم بالنفي ..
أخذوا في مناقشة ملفه الطبي ..
وجهوا الممرضة بعدة توجيهات .. ثم انصرفوا من الغرفة خارجين ..
بقي الأب على مقربة من ابنه .. يدفعه الأمل لسؤاله .. فلعلَّ أفكاره قد تغيرت ..
ويرده عن إمضاء ذلك العزم .. ما رآه سابقاً من إصراره وامتناعه ..
فضل الانتظار علَّ فرصة مواتية أن تبرز أمامه ..
ظل الابن منطوياً على نفسه .. شارد الذهن ..
لا يقطع عليه ذلك إلا دخول ممرضة .. أو حلول وجبة .. وما عدا ذلك فخمول ورتابة ..
بقي الاثنان يتبادلان النظرات .. في انتظار القادم المجهول ..
مرَّ اليوم بطيئاً متثاقلاً ..
بحلول العصر ودخول وقت الزيارة ..
اصطحبه الأب معه إلى خارج الغرفة .. سار به في اتجاه المصلى .. وقف أمامه وذكره بالمرات التي اصطحبه ليصلي معه فيه ..
ذهب به إلى صالة التلفزيون .. ذكره كم جلس معه في مشاهدة البرامج والأخبار .. نزل به إلى الأدوار السفلى .. صعد معه في المصعد ..
ولما سأله ألا تتذكر .. أجابه بالإيجاب .. ولكنه عاد ليقول :
ـ ولكنك لست أبي .. ولا تريد الاعتراف بذلك ..
عاد به مساءً إلى الغرفة 364 .. وبعد المغرب تناولا العشاء ..
ثم خلد الابن إلى فراشه وغطَّ في نومٍ عميق ..
ظل نائماً .. والأب يرقبه عن كثب ..
وكلما أخذته سِنَةٌ من النوم .. استيقظ ليتأكد من وجوده على السرير ..


****
في صباح اليوم الثالث ..
مرَّ الأطباء كعادتهم في التاسعة صباحاً ..
شاهدوا المريض .. ثم خرجوا ..
سحبت منه الممرضة ثلاثة أنابيب أخرى ..
بقي على سريره والأب على مقربة منه جالساً على كرسيه ..
بعد قليل .. وفي قرابة العاشرة إلا ربعاً ..
نزل الابن من سريره وتوجه إلى أبيه ..قائلاً ..
ـ السلام عليكم ..
ـ وعليكم السلام .. ( أجابه الأب مسايرةً له .. ) ..
ـ أهلاً أبي متى جئت إلى هنا ..
ـ مرحباً .. وصلت قبل أيام ..
ـ كيف حالك .. وما هي أخبار أمي وإخوتي ..
نظر إليه الأب بنظرات ملؤها الشفقة والحزن .. تمتم في نفسه ( ها هي حلقة جديدةٌ من مرض سلمان تظهر اليوم ) .. أطال النظر إليه ولم يرد على سؤاله ..


يتبع الجزء الرابع والأخير


 4  0  1383
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:29 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.