• ×

05:25 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

أما.. آن لشجرة القات أن تترجل [1] 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أما . . آن. .
لشجرة القات أن تترجل
( من ترجل الفارس عن جواده لا من الرجولة )
دراسة : تحليلية ، موضوعية ، عن شجر القات ، وبيان حكمه الشرعي ، وظواهر وآثار استعماله السلبية ، وكيفية التخلص منه
بقلم الفقير إلى الله

د / سليمان بن قاسم الفيفي

=======================================

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) النساء: ٥٩ . | قرآن كريم،،،

وعن أبي عبد الله النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : [ إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وأن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ] رواه البخاري و مسلم | حديث شريف ،،،

=======================================



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه
وبعد : شجرة القات شجرة معمرة ، وهي دائمة الخضرة ، تورق أوراقا ندية ، وتطلع أغصانا طرية إذا كانت الأرض المغروسة فيها طيبة التربة ، والأمطار متوالية ولو كانت خفيفة ، وشجرة القات لا تحتاج إلى عناية كبيرة ، وليس لها موسم معين بل هي تنتج طول السنة إذا وجدت من المطر ما يبلل جذورها .
هذه الشجرة بلدها الأصلي شرق إفريقيا كالحبشة والصومال وكينيا ، ثم نقلت إلى اليمن وانتشرت فيه ، ثم نقلت من اليمن إلى جبال المملكة الجنوبية المجاورة لليمن كبني مالك ، و فيفاء ، وجبال الحشر ، وهروب ، وجبال الريث ، وهي تزدهر في المناطق المعتدلة .
نقلت إلى فيفاء بواسطة الغزاة أو المهاجرين اليمنيين في آخر القرن الثالث عشر الهجري تقريبا حيث كان الوالد ـ رحمه الله ـ وهو من مواليد عام 1317 هـ تقريبا يذكر أسماء الأوائل الذين غرسوها في فيفاء وهم في سنه أو أكبر منه قليلاً ، وكان غرسهم لها استطلاعاً لهذه الشجرة الغريبة السريعة النمو للتعرف عليها ، وكانوا يغرسونها في الأماكن الرديئة ، وفي أطراف المدرجات الزراعية ، وفي أساسات جدر المدرجات ويمكن أن يلحظ ذلك في الأشجار القديمة فهم لا يغرسونها وسط المدرجات ولا في الأماكن الجيدة للزراعة حتى لا تعيق زراعة الحبوب وغرس الأشجار المثمرة المفيدة .
لم يكن الناس يعرفون قيمة هذه الشجرة ، لذلك لم يعيروها كبير اهتمام ، ولم يستعملوها عن رغبة وإنما حب الاستطلاع وتقليد الذين أتوا بها ، فكان استعمالهم لها تذوقاً ومحاكاة للذين أتوا بها دون تعلق بها ، ثم أخذ استعمالها يتوسع بعدما نعمت البلاد بالاستقرار في العهد السعودي ، وعم الرخاء ، وتوفرت وسائل المواصلات من فيفاء وإليها من البلدان المجاورة لها حيث أصبح يأتي إلى فيفاء أناس يعرفون هذه الشجرة ويولعون بها ، وبذلك أصبح عليها طلب من الأفراد ، ومن البلدان المجاورة كجازان وصبيا وأبو عريش وغيرها ، بل تعدى تصديرها إلى الحجاز ، وأصبح لها مردود مادي فاهتم الناس بغرسها والعناية بها وتوسعوا في ذلك استجابة للطلب المتزايد عليها ، وقد شجع على ذلك سرعة نموها ، وعدم كلفة غرسها والعناية بها ، واستمرار عطائها على مدار العام ، وتزامن ذلك مع قلة الإنتاج الزراعي المعتاد من الحبوب وبعض الفواكه والخضروات لمشقة وكلفة الزراعة التقليدية ، وتدني مردود إنتاج الأشجار الأخرى كالبن والموز والفواكه الموسمية ، وكون إنتاجها عرضة للتأثر بقلة الأمطار والآفات والرياح وتقلب الطقس فسنة يحصل إنتاج وأخرى لا يحصل أو يحصل شيئاً لا يساوي المجهود الذي يبذل لإنتاجه ، كل هذه العوامل ساعدت على التوسع في غرس القات حتى أصبح في وقت من الأوقات هو العنصر المهم في الإنتاج الزراعي ، وأصبح ريعه يمثل دخلاً جيداً ساعد على تحسن معيشة الناس وانتعاش أحوالهم في المعيشة والكساء والبناء والتعليم لتوفر الدخل المناسب من هذه الشجرة .

*********** [ 1 ] ***********
هل يعتبر القات رزقاً . ؟ .



ما يقدره الله للإنسان من الرزق هو من المغيبات التي استأثر الله بعلمها كما قال الله تعالى :إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) لقمان: ٣٤ ، وقد ربط الله الأرزاق بالأسباب فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ولا أرغفة خبز ولا غير ذلك من المأكولات المعروفة ، إنما ينزل الله الماء من السماء فيختلط بمكونات الأرض ، فتخرج الأرض كنوزها ، قال الله تعالى : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)الأنبياء: ٣٠ ، ولقد هيأ الله أسباب الأرزاق والإنسان يسعى في مناكب الأرض لتحصيل رزقه ، ومسبب الأسباب ـ سبحانه وتعالى ـ يقدر الرزق بحكمته البالغة الصادرة عن علمه الواسع الذي أحاط بكل شيء علما ، ومن حكمته أنه لا يساوي بين الناس في الخلق والقدرات والأرزاق فمنهم الغني والفقير ، والقوي والضعيف ، والعاقل والسفيه ، والعالم والجاهل حتى يطلب كل واحد ما ليس عنده من الآخرين فتبقى عجلة الحياة تدور بناء على حاجة الإنسان لأخيه الإنسان ، قال الله تعالى :أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (32) الزخرف: ٣٢ ، والرزق يختلف في مقداره ونوعه وكيفيته من شخص لشخص ومن مكان لمكان ، ومن زمان لزمان بحكمة وعلم من الله العليم الحكيم كما أخبر بذلك في كثير من الآيات كقوله تعالى : اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ (26) الرعد: ٢٦ ، وقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) الإسراء: ٣٠، وقوله تعالى :اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) العنكبوت: ٦٢ ، ورزق العباد في فيفاء في العهد القريب الذي أدركته مر بتنوع وتغير كبير بحسب الزمان والأحوال كما يلي :-

1 ـ كان الرزق في فيفاء مقدراً فيما ينتجه الإنسان من حبوب وثمار بسيطة من أرضه المحدودة ، أو ما يقتنيه من بهيمة الأنعام ، أو ما يحصل عليه من أجور في مقابل عمله المحدود عند الآخرين ، فلم تكن هناك وظائف ، ولا صناعات ، ولا مساعدات حكومية .

2 ـ ولما غرس الناس القات وكثر الطلب عليه توسع الناس في غرسه والعناية به لأنهم أصبحوا يعدون دخله رزقاً يحرص الناس على كسبه ، ويومها ازدهر وكثر الطلب عليه ، وبذلك تحسنت أحوال الناس في المعيشة والسكن والكساء والتعليم وغير ذلك ، لكنه في الأخير تراجع دخله لأسباب كثيرة من ذلك : منعه من الدولة ، وكثرة المهرب منه من اليمن وغيرها ، وكثرة الآفات التي تؤثر على أشجاره ، ووجدت في الأخير أرزاق متعددة ممثلة في رواتب الوظيفة في القطاع العام أو الخاص ، وكذلك التقاعد والضمان ، لذلك لم يعد دخل القات رزقاً أساسياً حتى يهتم به ، بل أصبح دخله مجرد دخل إضافي إن جاء نفع ، وإن فقد لم يضر .

3 ـ لما انتشر التعليم والنهضة الحديثة أخذ الشباب يتطلعون للوظيفة العامة في الدولة بدلا من الحرث والزرع ، وبذلك أصبح العمل في الوظيفة أو غيرها من القطاعات الخاصة هو السبب الرئيسي لطلب الرزق في زماننا الحاضر ، وأصبح الإنسان يعد نفسه للحصول على وظيفة في الدولة ، أو القطاع الخاص بالتعليم والتدريب ، أو يسعى لإنشاء مشروع تجاري أو صناعي أو خدمي منتج ليسترزق منه رزقا يسعد به .

4 ـ ومع تطور التعليم وتوسع مجالاته ، وقيام النهضة الحالية في التجارة والاقتصاد والصناعة والسياحة فقد فتحت أبواب متعددة للرزق في القطاعات الخاصة وفي الخدمات المتنوعة التي تتطلبها النهضة الشاملة المتنوعة الحاضرة .

*********** [ 2 ] ***********
أبواب الرزق في فيفاء
متوفرة بدون القات


فيفاء هي جزء من أرض الله الواسعة التي خلقها الله واستخلف الإنسان فيها ، والتي أودع فيها أبواب رزقه المقدر المغيب تحت ستار الأسباب التي اقتضتها حكمة الله حتى يسعى الإنسان في طلب رزقه الذي كتب له بعمل وجد واجتهاد كما قال تعالى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) الجمعة: ١٠ ، وقال تعالى :هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)الملك: ١٥ ، و فيفاء بما وهبها الله من الجمال واعتدال الجو وكثرة الأمطار وخصوبة الأرض جعلها جنة من جنان الأرض الفريدة ، وما أوجده الإنسان فيها من تعمير للبيوت والمدرجات الزراعية التي أصبحت تجفة وروعة في الجمال ، وأضحى تراثا يشد الأنظار ، وما تخرجه الأرض من زينة النبات والأشجار والأزهار أكسبها جمالا لا يعرف قدره إلا من يأتي إليها من غير أهلها ، أما أهلها فقد ألفوا مناظرها حتى فقدوا الإحساس بجمالها مع كثرة الإمساس ، فالذين زاروها بهرهم ما فيها من الجمال حتى أطلق عليها من بعضهم ( جنة الفردوس المجهولة ) ، أو ( لبنان تهامة ) ، أو ( جارة القمر ) ، وأنقل لكم انطباع زائر لها هو الأستاذ الدكتور / سعيد الشربيني مصري الأصل بريطاني الجنسية ، وهو واحد من علماء اللغات الكونية ، وتخصصه في اللغة العربية ، زار فيفاء لأول مرة حيث أتى إلى المملكة بقصد البحث عن اللهجة الفيفية أهي عربية أم هي أعجمية بناء على مداخلة حصلت من أحد الذين حضروا محاضرة له في لندن عند ما كان يتحدث عن نشأة اللغة العربية في جنوب الجزيرة العربية ، وقال في محاضرته : إنها لا توجد لغة أعجمية ذات منشأ في جزيرة العرب ، فقال المتداخل الذي حضر محاضرته ، بل توجد لغة أعجمية في فيفاء ، وفيفاء هي في جنوب الجزيرة فانزعج الشربيني لتلك المداخلة التي هدمت قناعاته التي توصل إليها ، وزاد من انزعاجه أنه ذهب لمقابلة الملحق الثقافي السعودي في سفارة المملكة العربية السعودية في لندن ليستطلع الأمر فأكد له ما ذكره المتداخل ، فعزم على استقصاء الأمر بنفسه فزار جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض فلم يجد عندها جواباً ، ودل على المهندس في الجامعة / يحيى بن سليمان الفيفي باعتباره من أبناء فيفاء ، فزاره وزوده بما عنده من معلومات عن اللهجة الفيفية وأشار عليه بأن يتصل بي لأنني كنت قد كتبت عن اللهجة الفيفية وجمعت بعض مفرداتها ، فزارني في مكة المكرمة وهو في طريق رحلته إلى فيفاء لتقصي الحقائق عن اللهجة الفيفية ، فرتبت زيارة فيفاء ، وقد زارها ، وتمكن من زيارة عموم جبال فيفاء والتقى بأفراد وجماعات من أهلها وحصل على مراده ، وأثبت بمقاييسه العلمية بأن اللهجة الفيفية هي عربية أصيلة ، والذي يهمني في هذا المقام انطباعه عن فيفاء حيث قال : لقد زرت كثيرا من بلاد العالم فلم أر مثل جمال فيفاء في المناظر والتكوينات الجبلية الطبيعة ، وتلك الآثار الجميلة التي خلفها الإنسان في بناء المنازل والمدرجات مع اعتدال الجو ، وقال : لو توفرت في فيفاء الطرق الحديثة ، والخدمات المطلوبة للسائح مع الدعاية والإعلام المناسب لكانت فيفاء مقصدا للسياح ، ولضمنت لكم عشرين ألف سائح سنوياً من أوربا .

أعود للكلام عن أبواب الرزق في فيفاء فأقول : إن الله الذي خلق العباد قد تكفل بأرزاقهم في كل زمان ومكان حيث قال تعالى :وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (6) هود: ٦ ، وقد جعل للرزق أسباباً تناسب الزمان والمكان وفيفاء لا زالت أبواب الأرزاق فيها متوفرة ومتنوعة بما يتناسب متطلبات الوقت الحاضر الذي انفتحت فيه الدنيا على بعضها وقربت المسافات بالاتصال والمواصلات مما جعل التواصل بين الناس وتبادل المنافع سهلا ميسرا ، وكل ذلك فتح مجالات للعمل في الوظيفة بالقطاع العام والخاص ، وبالتجارة والسياحة وتقديم الخدمات التي يحتاجها الإنسان من مطاعم ومخابز ومغاسل وغير ذلك من فرص العمل المختلفة ، وهذا ما سوف أشير إليه عند الكلام عن البدائل المناسبة للقات .

*********** [ 3 ] ***********
هل يعتبر القات من الرزق الحلال . ؟ .

كثير من الذين يغرسون القات ويعتنون به ، ويتجرون فيه يعتقدون أنه باب رزق مباح كغيره من السلع الأخرى لكن هؤلاء يقولون هذا القول من باب تبرير تشبثهم بالقات لتحقيق مصالحهم وهوا في نفوسهم المتعلقة به ، ولم ينهجوا منهج الحق في معرفة حكمه القائل :(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النحل: ٤٣ ، وهم ليسوا مؤهلين للقول بتحريمه من عدمه ، والأمر في ذلك يحتاج إلى بحث ودراسة ترتكز على الطرق التي يعرف بها الحلال من الحرام ، وذلك يرجع للعلماء الشرعيين المتخصصين الذين يعتبرون مرجعاً للعامة من الناس في بيان الأحكام الشرعية المأخوذة من أدلتها التفصيلية ، والبحث في حله من عدمه يرتكز على معرفة تركيباته والآثار المترتبة على استعماله ، ومن ثم النظر في حكمه الشرعي المستند على قواعد علمية شرعية يعرف من خلالها موجب التحريم من عدمه .

وأهل فيفاء مؤمنون بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، سامعون مطيعون لولاة الأمر من الحكام والعلماء متى ما عرفوا الحكم الشرعي ، وأهل فيفاء مختلفون في موضوع إبقاء القات من إزالته : فمنهم من أزاله من أمواله باقتناع متقرباً بذلك إلى الله ، ومنهم من يتمنى إزالته اليوم قبل غد ، ومنهم من يتمسك به لا حباً فيه ولكن ينتظر غيره ولعله يحصل بسببه على عوض أو بديل مناسب ، والقلة القليلة متمسكة به ، وحيث أن التعريف بالقات وما قيل عنه وعن آثاره السلبية وأضراره المحضة أو الراجحة هو الذي يشخصه ، ويوضح موجب الحكم عليه بالحل أو التحريم ، ومشاركة مني في هذا الموضوع كتبت هذا البحث فإن كان ما قلته فيه صواباً فمن الله وتوفيقه ، وإن كان خلاف ذلك فمني ومن الشيطان ، وأستغفر الله أن أقول على الله بغير علم ، والهدف هو فتح باب النقاش في هذا الموضوع الذي ابتلي به الناس .

كيف يعرف
تحريم المأكولات والمشروبات . ؟ .


الأصل في المأكولات والمشروبات الحل والإباحة ، والمحرم منها مستثنى وهو قليل جدا ومحدود ، والكلام عن تحريم القات هو من حيث استعماله ، وتدخل زراعته والاتجار فيه تبعا لذلك ، وتحريم الأشياء له أبواب وموجبات شرعية يعرف بها، والمحرمات تتفاوت في درجة الحرمة بحسب موجب التحريم وما يترتب عليه من ضرر وإثم وعقوبة ، كما أن الواجبات تتفاوت في درجة الوجوب بحسب موجبها وما يترتب عليها من أجر وثواب ، وفيما يلي نذكر الأمور التي تجعل الأشياء محرمة وبيان ضوابط ذلك على النحو التالي :-

أولاً : النص بالتـحـريـم
إذا نص الشرع في الكتاب أو السنة على تحريم شيء كان التحريم حينئذ جلياً ، ولا يسع المسلم إلا السمع والطاعة لقول الله تعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) الأحزاب: ٣٦ ، و مثال ذلك قول الله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3) المائدة: ٣ ، وقوله تعالى : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) البقرة: ٢٧٥ .

ثانياً : ـ التحـريـم من أجل العلة
إذا ربط الشرع تحريم شيء بعلة ظاهرة اقتضت التحريم فإنه يقاس على ذلك كل شيء وجدت فيه تلك العلة ، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً ، مثال ذلك تحريم الخمر بعلة السكر لأنه يغطي العقل عن التفكير والإدراك ، فالعلماء متفقون بأن علة التحريم في الخمر هو السكر ، وكانت مادة الخمر معروفة في صدر الإسلام في أشياء معينة ، وقيس عليها كل شيء وجدت فيه تلك العلة لما رواه مسلم عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً من اليمن سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : [ أمسكر .؟ قال : نعم ، فقال صلى الله عليه وسلم : كل مسكر حرام ، إن علي عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال ، قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال .؟ قال : عرق أهل النار ، أو عصارة أهل النار ... ] ، وفي صحيح البخاري أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن البتع ، وعن نبيذ العسل ، فقال : [ كل شراب أسكر فهو حرام .. ] ، فجعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ علة التحريم السكر فكل ما أسكر فهو حرام ، ولا يشترط لتحريم الشيء الذي قد حرم لعلة كونه يسكر أن تكون الكمية المستعملة منه قد أدت إلى السكر ، بل يكفي في تحريمه كون المادة المسكرة موجودة فيه ولو بنسبة قليلة ، لما رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : [ ما أسكر كثيره فقليله حرام .. ] ، وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : [ ما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام ... ] رواه الإمام أحمد في مسنده .

*********** [ 4 ] ***********
ماذا عن القات . ؟ .

لم يأت نص صريح في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم القات بعينه ، وبما أنني أعرف القات وأعرف كثيراً من الذين يستعملونه فإنني لم أر مستعملاً له قد سكر بسبب استعماله ، ولم أسمع بحصول ذلك حتى يقاس على الخمر في التحريم بعلة السكر ، لذلك لم يبق من أسباب التحريم الذي يمكن أن يدخل منها لمعرفة حكم القات إلا النظر هل يسبب الإدمان أم لا ؟ حتى يلحق بالمخدرات ، وهل توجد فيه أضرار محضة ، أو راجحة عما فيه من المنافع أم لا . ؟ .
هل يسبب الإدمان . ؟ .

يعَّرف الإدمان بأنه عمل أو مادة يشعر المدمن من خلال استعمالها برغبة ملحة وقهرية مستمرة لتناول هذه المادة أو أداء العمل الذي أدمن عليه ، وقد يكون سبب الإدمان تلوث الدم من عناصر ما يستعمله ، فقد يكون سببا لاعتلال الجسم وتأثره بتلك المادة ، فالدم هو العنصر الذي يمد الجسم بالحياة والحيوية والنشاط فإذا تلوث من مكونات المادة التي استعملها أصبح في حاجة إلى تطهيره منها ، فإذا تعاطي الإنسان الموادة المخدرة سببت له الإدمان إما لقوة إدمانها ، وإما لكبر كميتها ، أو لفترات الاستعمال الطويل حتى تجعل الفرد مدمنا على هذه المواد ، وخاضعاً لتأثيرها مما يصعب عليه تركها حتى يعالج منها ويخلص الدم منها ، ومما يدل على إدمانه لتلك المادة إنه لو تركها شعر بالإعياء والتعب والخمول والفتور والرغبة في تناولها وعدم الصبر عنها ، وربما أصيب بالصداع والغثيان والهياج لأن الدم الذي يغذي الجسم بالطاقة والحيوية بما في ذلك الدماغ الذي تعتبر خلاياه كخلايا الكمبيوتر لجسم الإنسان قد تلوث بهذه المخدرات ، وليس بالضرورة أن يكون الإدمان من المسكرات والمخدرات المعروفة فقط فقد تكون من أشياء آخر كتناول القات والدخان ومشتقاته ، أو بعض المنبهات التي يوجد فيها نسبة من النكوتين والكوكايين ولو بنسب قليلة ، وإذا كانت المادة التي تسبب الإدمان لا يحصل الإدمان منها إلا عند تناول كمية كبيرة ، فإن وجود هذه المادة ولو كانت قليلة تجعله محظوراً ما دام كثيرها يسبب الإدمان حيث يطبق في حقها ما ورد في الخمر من تحريم قليله ما دام كثيره مسكراً ، لما أخرجه الإمام أحمد والأربعة وصححه ابن حبان عن جابر ـ رضي الهل عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال : [ ما أسكر كثيره فقليله حرام ... ] ، وحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : [ ما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام ] .

وبالنسبة للقات : فقد اطلعت على عدة بحوث ودراسات وتجارب أجراها أفراد ، وجماعات ، وجامعات تكاد كلها تجمع على أن القات يسبب الإدمان من أهم تلك الدراسات ما يلي :-

أولاً ـ دراسة أجريت في السعودية تقول : إن للمستخلص الايثانولى أثراً ملموساً في تنبيه الجهاز العصبي المركزي وارتفاع طفيف في درجة الحرارة وزيادة في ضغط الدم الشرياني ومعدل وشدة ضربات القلب وازدياد الحس المرهف نتيجة الاستجابة ( للتولازولين هيدرو كالوريد ) مما يشير إلى حدوث نشاط سمبثاوى بواسطة مستخلص القات .

ثانياً ـدراسة هالباخ ( 1972م ) أثبتت نتائجها على أن السيلان المنوي شكوى عامة عند ماضغي القات ، وهذا يفسر تأثير الكاثينون على الوعاء الناقل له فيؤدى إلي انقباضه ، وأما التقلب الجنسي فهي حالة تنتج عن تغيرات نفسية وظيفية لدى المستخدم للقات فيكون هناك في البداية ازدياد في النشاط الجنسي غالبه نفسي ثم اختلال وهبوط في النشاط الجنسي .

ثالثاً ـدراسة أجرتها جامعة الدول العربية (1983م) على عينة عشوائية مؤلفة من (221) من الجنسين في الجمهورية اليمنية اتـضح من نتائجها أن لتعاطي القات آثاراً على الفرد من الناحية النفسية والصحية .

رابعاً ـ دراسة أجرتها جامعة مقديشو (1983م) لمعرفة ما إذا كان للقات أثر في الناحية الفسيولوجية والعصبية ، وهل له تأثير مشابه لتأثير الامفيتامين أجريت الدراسة علي عينة مؤلفة من مجموعة أفراد كانت نتائجها أن للقات أثراً على الناحيتين الفسيولوجية والعصبية وله تأثير شبيه بتأثير الأمفيتامين .

خامساً ـدراسة جون كنيدى وآخرون (1983م) وكانت تهدف إلى تقييم التأثيرات الرئيسية لعقار القات ومشكلة الإدمان على عينة عشوائية من الذكور في الجمهورية اليمنية ، وكانت نتائج الدراسة أن هناك آثاراً سلبية مترتبة على تعاطي القات من الناحيتين النفسية والفسيولوجية ، وأن تعاطيه يسبب انقياداً نفسياً وليس انقياداً فسيولوجياً .

سادساًاً ـدراسة جورج وكوكسون في إنجلترا (1984م) كانت نتائجها أن القات يسبب مرض التشويش النفسي كشكل من أشكال انفصام الشخصية .

سابعاً ـ دراسة جيجر واد وآخرون (1994م) على بعض الحالات المرضية في مستشفي هيث هيرتون في استراليا ، وكانت تهدف إلى معرفة ما إذا كانت هناك أعراض ذهنية تنتج عن تعاطي القات ، ومن خلال الفحوصات الإكلينيكية ثبت أن هناك ذهاناً ينتج عن تعاطي القات يشبه الذهان الناتج عن تعاطي الامفيتامين وذهان البرانويا.

ثامناً ـ دراسة عريشي (1423) ، وهي دراسة مقارنة بين مستخدمين للقات وغير مستخدمين له تهدف إلى معرفة ظهور سمة القلق لدى المستخدمين للقات وأثره على الصحة النفسية ، وقد خلصت الدراسة إلى أن للقات أثراً على التركيبة النفسية لدى المستخدم .

وهذه النتائج التي توصلت إليها الدراسات المذكورة أعلاه لفتت نظري إلى تلك الحالات الموجودة في فيفاء لبعض متعاطي القات بطريقة عشوائية من اعتلال صحتهم النفسية ، وانفصام الشخصية وما يظهر عليهم من شبه الذهان والاكتئاب وأمراض نفسية وذهنية .



*********** [ 5 ] ***********
ثالثاً : تحريم القات كونه
يسبب الإدمان

لقد أثبتت الدراسات التي أشرت إلى بعضها أعلاه على أن القات يسبب الإدمان ، ومما يرجح ذلك تلك الإجراءات الرسمية التي اتخذت ضده ومن أهمها ما يلي :-

أولاً ـ لقد أدرج القات في منظمة الصحة العالمية ضمن المواد المخدرة المحظورة دولياً .

ثانياً ـ اعتبر القات في المملكة العربية السعودية ضمن المخدرات والمؤثرات العقلية المحظورة والمعاقب عليها نظاماً ، ويطبق في جرائم القات العقوبات التي صدر بها قرار مجلس الوزاء رقم 11 وتاريخ 1 / 2 /1374 هـ حتى صدرت أخيرا برقية من الديوان الملكي برقم 59633 وتاريخ 9 / 12 / 1433 هـ تقضي باستثناء القات من تطبيق العقوبات المنصوص عليها في نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ، وأن تطبق على جرائمه العقوبات المعمول بها قبل نفاذ نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ، وهذا التوجيه لم يستثن القات من تصنيفه ضمن المخدرات وإنما استثناه من تطبيق العقوبات المنصوص عليها في نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ، ولعل سبب ذلك لصعوبة التنفيذ كونه ينتج محلياً .

ثالثاً ـوأرى بأنه قد يقطع النزاع والخلاف في موضوع حكم تحريم القات تلك القاعدة الفقهية التي تقول :( حكم القاضي يرفع الخلاف ) فإذا كانت المسألة خلافية وفي حكمها آراء وأقوال للعلماء فإن القاضي إذا اختار قولا وحكم به وجب الأخذ به وترك ما سواه ، والقاضي إنما يستمد ولايته في القضاء من ولي الأمر الذي عينه قاضيا ، ونحن لا نشك في حرص ولاة أمرنا على طلب الحق والتمسك بتعاليم الشريعة الإسلامية ، قد أعلنوا موقفهم الحاسم الصريح في موضوع حظر القات ويتمثل ذلك في الآتي :-

1 ـ صدر أول أمر ملكي بمنع القات من جلالة الملك / عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ في عام ( 1368 هـ ) ولا زال قائماً .
2 ـ صدرت أوامر سامية حازمة مؤكدة لمنعه ووجوب إزالته من جلالة الملك / فيصل بن عبد العزيز آل سعود ـ رحمه الله ـ في عام ( 1392 هـ ) تقريبا .
3 ـ صدرت أوامر سامية مؤكدة لذلك في عهد جلالة الملك / خالد بن عبد العزيز آل سعود ـ رحمه الله ـ لكن رؤى من باب الرفق بالرعية إيجاد بدائل له قبل إزالته ، ومن أجل ذلك أنشئت هيئة تطوير وتعمير فيفاء في عهده ، ولكن البدائل التي اقترحت فشلت .
4 ـ لا زالت الأوامر من ولاة الأمر تؤكد وجوب إزالته والتخلص منه .
5 ـ تستند الأوامر السامية على فتاوى شرعية صادرة من علماء المملكة العربية السعودية ، ومنها : فتوى مفتي المملكة العربية السعودية سماحة الشيخ / محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله ـ وفتاوى علماء المملكة العربية السعودية تجمع على تحريمه ، ولعلامة الجنوب الشيخ / حافظ بن أحمد الحكمي ـ رحمه الله ـ قول صريح في تحريم القات ضمنه منظومته المشهورة ( القاتية ) .
إذاً : فموجب تحريمه ثابت ولم يبق عذر لمؤمن من أبناء هذه المملكة الغالية في عدم السمع والطاعة لولاة الأمر من الحكام والعلماء امتثالا لقول الله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3) النساء: ٥٩ .



رابعاً ـ التـحـريـــم
بسبب ما يحصل من ضرر

من أسباب تحريم المأكولات والمشروبات على وجه العموم ما يحصل منها من ضرر ، إما ضرر محض كالسميات ، أو يسبب استعمالها ضرراً واضحاً كالإصابة بالجنون أو التليف الكبدي أو الفشل الكلوي أو الإسهال الذي يؤدي للهلاك ، أو يسبب أمراضا خطيرة كالسرطان ونحو ذلك فمثل هذه الأشياء إذا ثبت وجودها ولو بنسب قليلة فإنه موجب قطعاً لتحريمها لما فيها من أضرار ظاهرة للعيان ، وهناك أشياء يكون الضرر فيها أرجح من المنافع كالتي يوجد فيها ضرر راجح عن نفعها وذلك قياسا على الخمر والميسر الذي قال الله تعالى عنه : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) البقرة: ٢١٩ ، فقد أثبت الله وجود منافع فيهما وأن إثمهما أكبر من نفعهما فاقتضى ذلك تحريمهما ، فإذا كان الضرر أرجح من المنفعة فالتحريم أرجح ، والأديان السماوية كلها توجب حفظ الضروريات الخمس : الدين والنفس والعقل والمال والعرض ، وكل ما يلحق ضررا بهذه الضروريات يعتبر محرما ، ولقد ذكر في الدراسات والأبحاث التي أشرت لبعضها أعلاه أن القات يسبب الإدمان ، ويحصل بسببه الذهان الذي يشبه الذهان الناتج عن تعاطي الامفيتامين وذهان البرانويا ، وان له أثراً على الصحة النفسية ، وعلى التركيبة النفسية لدى المستخدم أي انفصام الشخصية ، وهذه الأضرار تؤهله لاكتساب حكم التحريم ، وفيه الضرر الخطير التالي :-





وأخيراً
ظهرت للقات أضرار خطيرة

نعم لقد ظهرت للقات أضرار خطيرة قاتلة بسبب سوء إنتاجه والعناية به ، إذ أصبح بعض الزارعين له أو المشتغلين في مزارعه من غير أهله يستعملون لإنتاجه الأسمدة الكيماوية السامة لكي يطلع أغصاناً طرية خضراء ندية ذات رونق مغر لمن يستعمله لطراوتها ونضارتها ، وليستمر في الإطلاع دون انقطاع ، ومن أجل الحفاظ على أوراقه وأغصانه الندية من الحشرات يقومون برشه بالمواد الحشرية السامة .

إن الذين يفعلون ذلك لا يهمهم الضرر الذي يحصل على المستعمل له إنما يهمهم المبالغ التي يحصلون عليها من قيمته ، والقات يشبه الورقيات من الخضار كالجرجير و الخس ونحوهما تتشبع أوراقه بالسموم التي لا تدرك ولا ترى بالعين المجردة ، ولا يمكن التخلص منها بالغسل لأنها قد تشبعت خلاياها بتلك السموم ، والأوراق والأغصان الطرية النيئة هي التي يستعملها مستعمل القات بطريق المضغ واستحلاب عصارتها بالمضغ وبلعها ، فالقات لا يطبخ حتى تزال السموم منه بالطبخ ، ويذكر أن أناسا استعملوا مثل هذا القات فكان سببا لهلاكهم الفوري ولم يتمكن أحد من إنقاذهم .

لذا فالقات إذا كان حال بعضه ما ذكر فإنه مصدر ضرر بليغ يؤدي بمستهلكه للهلاك ، ولا يستطيع المستهلك معرفة محل الخطر منه إذا لم يكن هو الذي أنتجه في مزرعته لأنه لا يعرف مصدره ، وعليه فكل قات لا يعلم مصدره هو مظنة التشبع بالسموم القاتلة ، وهذا يكفي لتحريم استعماله شرعاً لما فيه من مظنة الضرر القاتل .


*********** [ 6 ] ***********
خامساً ـ تردد الشيء بين الحلال والحرام
الأولى تركه للتقوى



لو لم يجد المسلم دليلاً ظاهراً لتحريم القات ، وكان مولعاً به لكفاه لترك استعماله الاشتباه في أمره أهو حلال أم حرام لحديث أبي عبد الله النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : [ إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وأن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ] رواه البخاري و مسلم .

فهذا الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوصي المسلم ويرشده بالاحتياط لدينه في أكله وشربه ، فإذا اشتبه عليه الأمر وتردد بين الحلال والحرام ، فعليه أن يبتعد عن كل ما فيه شبهة ويأخذ بالأحوط ، فذلك أتقى له وأسلم حتى لا يقع في الحرام بسبب إقدامه على أمر مشتبه فيه ، مع أن موجب تحريم القات يكاد يكون جلياً ظاهراً في أمرين ذكرتهما آنفا وهما :-
الأول ـ ما يسببه من إدمان .
الثاني ـ ما فيه من الأضرار المحضة أو الراجحة عما فيه من المنافع إن وجدت .


[
يُستكمل في الجزء الثاني , الاسبوع التالي بإذن الله
]

 80  0  7161
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:25 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.