• ×

08:59 مساءً , الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016

المقامة الجيزانيّة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
المقامة الجيزانيّة

أ. جبران بن سلمان سحّاري .
مؤسس مدرسة الميزان للنقد الأدبي
بالرياض، عضو نادي جازان الأدبي .

حدثنا عمرو بن هشام الحميريُّ قال: طوحت بي طوائح الزمن، من أرض عـدن، ومقر ابن ذي يزن، إلى حيث يتسابق الفرسان، ويجتمع الأقران، وترقص الأغصان، من روعـة الشعـر والألحان، قلتُ له: ما هذه المدينة الثمينة؟ قال: يا جبران لا أدري أيقال لها: جيزان أم جازان؟ قلتُ: يجوز الوجهان، وقد ردد عليَّ هذا السؤالَ الإنسُ والجان، فقال: لما نزلتُ ساحتَها رأيتُ فيها ما لم تره عـينان، ولم يخطر ببال إنسان، ولم يسبق حدوثُه على مر الأزمان، قلتُ: قد شوقتني فماذا رأيت؟ فلو صرحتَ أو كنيت، قال: رأيتُ شيخاً وقف خطيباً في القوم، وقال: أما فيكم معتبرٌ اليوم؟ يا قوم لقد سارع المشمرون للخيرات، وقدموا الأعمال الصالحات، وأنتم في غمرات الجهل وعميق السبات، ضحك من أفعالكم الحيوان والنبات، ثم أنشد:

الجو قد زان في جازانَ حيث أتى *** جبرانُ بل زانتِ الدنيا بسحّارِ

فقلتُ له: من هذا يا حميريُّ الذي يحول البليغ إلى أخرس؟ فقال: هو الشيخ قنبس بن أبي العنبس، قلتُ: ماذا أيضاً رأيتَ في جازان؟ فقال: رأيت والله العـجب العـجاب، الذي يضحك منه السحاب، كتابٌ وأي كتاب، كتابٌ لعمري إذا حوضر به في المحافل فهو بهاء، وللأفاضل متى وردوه أبهة، قد اخترق الآفاق مشرقاً ومغـربا، وتدارك سيرُه في البلاد مصعِّداً ومصوباً، مدّ بحرَه الكامل البسيط، وفاض عبابُه الزاخرُ المحيط ، وجلت مننه عند أهل الفن وبُسِطت أياديه، واشتهر في المدارس اشتهارَ أبي دلفٍ بين محتضره وباديه، وخف على العلماء حملُه إذ تناولوه، وقرب عليهم مأخذه فتداولوه وتناقلوه، فقلتُ: ما هذا الكتاب ومن مؤلفه؟ فقال: اسكت يا شيخُ أنت لا تعرفه، فقلتُ: حدثني عنه فوالله لكأنه تاج العروس، أو أصل الناموس، أو رجل الطاووس، أو مكسر الضروس، ما هذا الكتاب الواقع في مجلد، قد أتهم صيتُه وأنجد؟ قال: إنه كتابٌ واضح المنهج كثير الفائدة، سهل السلوك موصول العائدة، بديع الإتقان، صحيح الأركان، سليمٌ من لفظة (لو كان)، حل مؤلفُه بوضعه ذروةَ الحفّاظ ، وحل به عـقدةَ الألفاظ ، جمع فيه ما تفرق في الكتب من منطوقٍ ومفهوم، وبسط القولَ فيه ولم يقنع باليسير فطالب العلم منهوم، وخاطب من يأخذ عنه أن ينقل مضمونَه، ولا يبدل فيه شيئاً فإنما إثمه على الذين يبدلونه [البقرة:181] ، فالناقل عنه يمد باعه ويطلق لسانَه، ويتنوع في نقله عنه؛ لأنه ينقل عن خزانة، جمعه مؤلفه في زمنٍ أهله بغير العلم يفخرون، وصنعه كما صنع نوحٌ ـ عليه السلام ـ الفلكَ وقومه منه يسخرون، وكأني بالعالِم المنصف قد اطلع عليه فارتضاه، وأجال فيه نظرةَ ذي عـلَقٍ فاجتباه، ولله در القائل فما أصدقَ حديثه وأحسنَ مغـزاه:

إذا رضيت عـني كرامُ عـشيرتي *** فلا زال غـضباناً عـليَّ لئامُها

لقد ظهر للأعمى كمالُ تحقيقِه وتدقيقِه، وطلع صبحُ فضله فاستغـلظ فاستوى على سوقه، نادى مؤلفَه لسانُ الإنصاف غـيرَ متلبث،  وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى:11] هذا الكتاب هـو شمسُ عوارف المعارف، وقمر لطائف الظرائف، ونجم سماء العلى والناس تلقاءَ حرَمِه بين عاكفٍ وطائف، من شاهده قال: [هكذا هكذا وإلا فلا لا ]، ومن أنفق من خزائن علمه (لم يخشَ من ذي العرشِ إقلالاً ) ، ومن تأمله منصفاً جبُن عن معارضته وأنشد: [أهــابــك إجــلالاً]، ومن لم يغترف من بحر درره فهو المحروم نوالا .

ومن يكُ ذا فمٍ مرٍ مريضٍ *** يجدْ مراً به الماءَ الزلالا

ولكأني بمن يحسد شمسَ ضوئه ويجتهد أن يأتيَ له بنظير، كمن يطاول الثريا وما أبعدها عن المتناول فيرجع إليه بصرُه خاسئاً وهو حسير، إذا رآه المنصفُ البعيدُ عن المرا، قال: (كل الصيد في جوف الفرا) انظر: [مجمع الأمثال:2/136]، قلتُ: يا عمرو بن هشام، قبل تمام الكلام، أسألك بالله إلا أخبرتني بالكتاب ومؤلفِه، فلا أستطيع صبراً عن تعرفه، فقال: إنه كتابٌ عظيم القدر والميزان، عنوانه (إغاثة اللهفان في التفريق بين الجوعان والشبعان)، فضربتُ على رأسي وسقطتُ مغمى عليّْ، فلما أفقتُ قلتُ: قربوا الحميريَّ إليّْ، فقلتُ: يا للويل والحرَب، وفضيحة العرب، وضيعة الأدب، كل هذا المدح لهذا الكتاب السخيف، قال: نعم ومؤلفه قنبس الشيخُ الظريف، قلتُ: هل هو مطبوعٌ يباعُ في المكتبات؟ قال: بل لا يزال في عالَم المخطوطات .
قلتُ: وماذا رأيتَ أيضاً في جازان؟ قال: العلمُ والعرفان، وزرتُ النادي الأدبيّ ، ومعرض الكتاب العربي، وسوقَ اللحوم والخضار، وزرتُ قريةَ (سحّار) ، قلتُ: ماذا رأيت؟ قال: كيت وكيت، قلتُ: صف لنا يا حميريُّ مشهدين، واذكر لنا بيتين، ولخص لنا قصتين، فقال: أما المشهد الأول فرأيتُ السلعَ تباع ، على الرعاع، والأدباء جياع، وأما الثاني: فالحِيَلُ قائمة، والخيل صائمة،

وفيهم مقاماتٌ حســانٌ وجوهُهم *** وأنديةٌ ينتابُها القــولُ والفعـلُ
عـلى مكثريهم رَزقُ من يعـتليهمُ *** وعـند المقلين السماحةُ والبذلُ

وأما القصتان: فجاء أحدُ الأدباء إلى أحد الأثرياء فقال: أتبيع الرطب بالخطب؟ قال: في شهر رجب، قال: أتبيع البلح بالمُلَح؟ قال: إذا ظهر قوسُ قزح، قال: أتبيع الثمر بالسمر؟ قال: إذا غاب القمر، قال: أتبيع العصائد بالقصائد؟ قال: إذا كثرتِ الموارد، قال: أتبيع الثرائد بالفرائد؟ قال: مع القلائد، قال: أتبيع الدقيق بالمعنى الدقيق؟ قال: إذا نزلنا العقيق، فقال الأديب المغلوب: وهكذا ذهب الوقتُ في (مواعـيد عـرقوب) انظر: [مجمع الأمثال:2/311]، والجوع قد استولى على القلوب، وقد خلت من الأثمان الجيوب، فلم أجد بالشعر شعيرة، ولا بالنثر نُثارة، ولا بالقصص قصاصة، ولا بالملاحم لحمة، ولا بحكم لقمان لقمة، وأما القصة الثانية: فلما احتاج أحد الأدباء إلى الطعام، رهن سيفَه في صاعٍ ولم يشفع له حسنُ الكلام، فكان كمن (ضيّع اللبنَ في الصيف) ، ولم يعثر على طعامٍ ولا سيف، قلتُ: يا حميريُّ زدني حكمةً لتنال بها خيرا، فقال:
[الثورُ ثورٌ وإن ألقمتَه ثورا] ثم اختـفى .

 1  0  1442
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:59 مساءً الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016.