• ×

09:22 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

إطلالة على الديمُقراطية (1)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إطلالة على الديمُقراطية (1)
بقلم : محمد بن سالم بن سليمان الفيفي


تعريف الديمُقراطية:
الديمُقراطية كلمةٌ مركبة مِن كلمتين: الأولى مشتقة من الكلمة اليونانية Δήμος أو Demos وتعني عامة الناس، والثانية Κρατία أو kratia وتعني حكم. وبهذا تكون الديمُقراطية Demoacratia تَعني في اللغة "حكم الشعب" أو "حكم الشعب لنفسه".
إذاً فالديمُقراطية تعني في الأصل حكم الشعب لنفسه، لكن كثيراً ما يطلق اللفظ علَى الديمُقراطية الليبرالية لأنها النظام السائد للديمُقراطية في الدول الغربية، وكذلك في بقية دول العالم في القرن الحادي والعشرين، وبهذا يكون استخدام لفظ "الديمُقراطية" لوصف الديمُقراطية الليبرالية خلطاً شائعاً في استخدام المصطلح سواء في الغرب أو الشرق، فالديمُقراطية هي شكل من أشكال الحكم السياسي قائمٌ بالإجمال علَى التداول السلمي للسلطة وحكم الأكثريّة.
بينما الليبرالية تؤكد على حماية حقوق الأفراد والأقليات، وهذا نوع من تقييد الأغلبية في التعامل مع الأقليات والأفراد بخلاف الأنظمة الديمُقراطية التي لا تشتمل على دستور يلزم مثل هذه الحماية والتي تدعى بالديمقراطيات الليبرالية، فهنالك تقارب بينهما في أمور وتباعد في أُخرى يظهر في العلاقة بين الديمُقراطية والليبرالية كما قد تختلف العلاقة بين الديمُقراطية والعلمانية باختلاف رأي الأغلبية.
وتحت نظام الديمُقراطية الليبرالية أو درجة من درجاته يعيش في بداية القرن الواحد والعشرين ما يزيد عن نصف سكّان الأرض في أوروبا والأمريكتين والهند وأنحاء أُخرى. بينما يعيش معظمُ الباقي تحت أنظمةٍ تدّعي نوعاً آخر من الديمُقراطية (كالصين التي تدعي الديمُقراطية الشعبية).
ويطلق مصطلح الديمُقراطية أحياناً على معنى ضيق لوصف نظام الحكم في دولة ديمقراطية، أو بمعنى أوسع لوصف ثقافة مجتمع. والديمُقراطية بهذا المعنى الأوسع هي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ويشير إلى ثقافة سياسية وأخلاقية معينة تتجلى فيها مفاهيم تتعلق بضرورة تداول السلطة سلمياً وبصورة دورية.
إن تشعب مقومات المعنى العام للديمقراطية وتعدد النظريات بشأنها، علاوة على تميز أنواعها وتعدد أنظمتها، والاختلاف حول غاياتها، ومحاولة تطبيقها في مجتمعات ذا تقيم وتكوينات اجتماعية وتاريخية مختلفة، يجعل مسألة تحديد نمط ديمقراطي دقيق وثابت مسألة غير واردة عملياً، إلا أن للنظام الديمقراطي ثلاثة أركان أساسية:
أ*- حكم الشعب .
ب-المساواة .
ج*- الحرية الفكرية .

مفاهيم وقيم الديمُقراطية:
وهي مفاهيم ومبادئ مصممة حتى تحافظ للأكثرية على قدرتها نحو الحكم الفعال والاستقرار والسلم الأهلي والخارجي ولمنع الأقليات من تعطيل الدولة وشلها، وهذه المبادئ والمفاهيم تتمحور في:
- مبدأ حكم الأكثرية.
- مبدأ فصل السلطات ومفهوم تجزئة الصلاحيات.
- مبدأ التمثيل والانتخاب.
- مفهوم المعارضة الوفية.
- مفهوم سيادة القانون.
- مفهوم اللامركزية.
- مبدأ تداول السلطات سلمياً.

مفهوم توازن الديمُقراطية الليبرالية:
تبدأ فكرة التوازن من أن مصالح الأكثرية قد تتعارض مع مصالح الأقليات والأفراد بشكل عام، وأنه لا بد من تحقيق توازن دقيق ومستديم بينهما (ومن هنا جاءت فكرة الديمُقراطية الليبرالية). وتتمدد هذه الفكرة لتشمل التوازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبين المناطق والقبائل والأعراق (ومن هنا فكرة اللامركزية)، وبين السلطات الدينية والدنيوية (ومن هنا جاءت فكرة العلمانية).

مفهوم الشرعية السياسية والثقافة الديمُقراطية:
تعتمد كل أشكال الحكومات على شرعيتها السياسية، أي على مدى قبول الشعب بها، لأنها من دون ذلك القبول لا تعدو كونها مجرد طرف في حرب أهلية، طالما أن سياساتها وقراراتها ستلقى معارضة ربما تكون مسلحة. وباستثناء من لديهم اعتراضات على مفهوم الدولة كالفوضويين والمتحررين (Libertarians) فإن معظم الناس مستعدون للقبول بحكوماتهم إذا دعت الضرورة. والفشل في تحقيق الشرعية السياسية في الدول الحديثة عادة ما يرتبط بالانفصالية والنزاعات العرقية والدينية أو بالاضطهاد وليس بالاختلافات السياسية، إلا أن ذلك لا ينفي وجود أمثلة على الاختلافات السياسية كالحرب الأهلية الإسبانية وفيها انقسم الأسبان إلى معسكرين سياسيين متخاصمين.
تتطلب الديمُقراطية وجود درجة عالية من الشرعية السياسية لأن العملية الانتخابية الدورية تقسم السكان إلى معسكرين "خاسر" و"رابح". لذا فإن الثقافة الديمُقراطية الناجحة تتضمن قبول الحزب الخاسر ومؤيديه بحكم الناخبين وسماحهم بالانتقال السلمي للسلطة وبمفهوم "المعارضة الموالية" أو "المعارضة الوفيّة". فقد يختلف المتنافسون السياسيون ولكن لابد أن يعترف كل طرف للآخر بدوره الشرعي، ومن الناحية المثالية يشجع المجتمع على التسامح والكياسة في إدارة النقاش بين المواطنين. وهذا الشكل من أشكال الشرعية السياسية ينطوي بداهة على أن كافة الأطراف تتشارك في القيم الأساسية الشائعة. وعلى الناخبين أن يعلموا بأن الحكومة الجديدة لن تتبع سياسات قد يجدونها بغيضة، لأن القيم المشتركة ناهيك عن الديمُقراطية تضمن عدم حدوث ذلك.
إن الانتخابات الحرة لوحدها ليست كافية لكي يصبح بلد ما ديمقراطياً؛ فثقافة المؤسسات السياسية والخدمات المدنية فيه يجب أن تتغير أيضاً، وهي نقلة ثقافية يصعب تحقيقها خاصة في الدول التي اعتادت تاريخياً أن يكون انتقال السلطة فيها عبر العنف. وهناك العديد من الأمثلة المتنوعة كـ فرنسا الثورية وأوغندا الحالية وإيران التي استطاعت الاستمرار على نهج الديمُقراطية بصورة محدودة حتى حدثت تغييرات ثقافية أوسع وفتحت المجال لظهور حكم الأغلبية.

الديمُقراطيات في العصور القديمة:
إن مصطلح الديمُقراطية بشكله الإغريقي القديم - تم نحته في أثينا القديمة في القرن الخامس قبل الميلاد، والديمُقراطية الأثينية عموماً يُنظر إليها على أنها من أولى الأمثلة التي تنطبق عليها المفاهيم المعاصرة للحكم الديمقراطي. كان نصف أو ربع سكان أثينا الذكور فقط لهم حق التصويت، ولكن هذا الحاجز لم يكن حاجزاً قومياً ولا علاقة له بالمكانة الاقتصادية فبغض النظر عن درجة فقرهم كان كل مواطني أثنيا أحرار في التصويت والتحدث في الجمعية العمومية. وكان مواطنو أثينا القديمة يتخذون قراراتهم مباشرة بدلاً من التصويت على اختيار نواب ينوبون عنهم في اتخاذها. وهذا الشكل من الحكم الديمقراطي الذي كان معمولاً به في أثينا القديمة يسمى بالديمُقراطية المباشرة أو الديمُقراطية النقية. وبمرور الزمن تغير معنى "الديمُقراطية" وارتقى تعريفها الحديث كثيراً منذ القرن الثامن عشر مع ظهور الأنظمة "الديمُقراطية" المتعاقبة في العديد من دول العالم.
أولى أشكال الديمُقراطية ظهرت في جمهوريات الهند القديمة والتي تواجدت في فترة القرن السادس قبل الميلاد وقبل ميلاد "بوذا". وكانت تلك الجمهوريات تعرف بالـ "ماها جاناباداس"، ومن بين هذه الجمهوريات "فايشالي" التي كانت تحكم فيما يعرف اليوم "ببيهار" في الهند والتي تعتبر أول حكومة جمهورية في تاريخ البشرية. وبعد ذلك في عهد "الإسكندر الأكبر" في القرن الرابع قبل الميلاد كتب الإغريق عن دولتي "ساباركايي" و"سامباستايي"، اللتين كانت تحكمان فيما يعرف اليوم بباكستان وأفغانستان، "وفقاً للمؤرخين اليونانيين الذين كتبوا عنهما في حينه فإن شكل الحكومة فيهما كان ديمقراطياً ولم يكن ملكياً".

الديمُقراطية في العصور الوسطى:
إن معظم الديمقراطيّات القديمة نمت في مدنٍ صغيرة ذات ديانات محلية أو ما يسمى بالمدينة - الدولة. وهكذا فإن قيام الإِمبراطوريات والدول الكبرى مثل الإِمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الهلينية - الرومانيّة والإِمبراطورية الصينية والإِمبراطورية العربيّة - الإِسلامية والإِمبراطورية المغولية في العصور الوسطى، وفي معظم البلاد التي كانت تضم الديمُقراطيات الأولى قد قضى على هذه الدويلات الديمُقراطية بل على فرص قيامها أيضاً. لكن هذا لا يعني أن تطوراً بٱتجاهِ الديمُقراطية لم يحصل في العصور الوسطى. ولكنّ معظم هذا التطور حصل على مستوى القيم وحقوق الأفراد الذي نتج عن قيم الليبرالية التي نشأت مع فلاسفة التنوير "توماس هوبز" و"جون لوك" و"إيمانويل كانط" قبل تحقيق تقدم ملموس في الديمُقراطية وهو الذي أدى إلى ازدهار نموذج الديمُقراطية الليبرالية دون غيرها من الديمقراطيات في الغرب.
وقد ساهمت الديانات الكبرى كالمسيحية والبوذية والإسلام في توطيد قيم وثقافات ساعدت على ازدهار الديمُقراطية فيما بعد، ومن هذه القيم:
- فكرة شرعية الدولة.
- فكرة المساواة الكاملة بين القبائل والأعراق بشكل عام.
- فكرة المساواة ولو جزئية بين الأفراد ولا سيما بين الجنسين وبين الأسياد والعبيد.
- أفكار عن المسؤولية والمساءلة والتعاون والشورى.
- الدفاع عن حقوق عديدة مثل افتراض البراءة وحرية التنقل وحقوق الملكية وحق العمل.

بدايات الديمُقراطية الحديثة:
لم يكن يوجد في عام 1900م نظام ديمُقراطي ليبرالي واحد يضمن حق التصويت وفق المعايير الدولية، ولكن في العام 2000م كانت 120 دولة من دول العالم أو ما يوازي 60% من مجموعها تعد ديمُقراطيات ليبرالية. استناداً على تقارير مؤسسة بيت الحرية(1) وهي مؤسسة أمريكية يزيد عمرها عن 64 عاماً، هدفها الذي يعبر عنه الاسم والشعار هو نشر "الحرية" في كل مكان، كانت هناك 25 دولة في عام 1900م أو ما يعادل 19% منها كانت تطبق "ممارسات ديمُقراطية محدودة"، و 16 أو 8% من دول العالم اليوم.
إن تقييم بيت الحرية في هذا المجال لا زال مثاراً للجدل فـ"نيوزلندا" مثلاً تطبق المعايير الدولية لحقوق التصويت منذ عام 1893م (رغم وجود بعض الجدل حول قيود معينة مفروضة على حقوق شعب الماوري في التصويت). ويتجاهل بيت الحرية بأن "نيوزيلندا" لم تكن دولة مستقلة تماماً. كما إن بعض الدول غيرت أنظمة حكمها بعد عام 2000م كــ"نيبال" مثلاً والتي صارت غير ديمُقراطية بعد أن فرضت الحكومة قانون الطوارئ عقب الهزائم التي لحقت بها في الحرب الأهلية النيبالية.

المد الديمُقراطي في القرن العشرين:
لم يتخذ توسع الديمُقراطية في القرن العشرين شكل الانتقال البطيء في كل بلد على حدة، بل شكل "موجات ديمُقراطية" متعاقبة، صاحب بعضها حروب وثورات. وفي بعض الدول تم فرض الديمُقراطية من قبل قوى عسكرية خارجية. ويرى البعض ذلك تحريراً للشعوب. لقد أنتجت الحرب العالمية الأولى الدول القومية في أوروبا والتي كان معظمها ديمُقراطياً بالاسم فقط كجمهورية "فايمار" مثلاً. في البداية لم يؤثر ظهور هذه الدول على الديمُقراطيات التي كانت موجودة حينها كـفرنسا وبريطانيا وبلجيكا وسويسرا التي احتفظت بأشكال حكوماتها. إلا أن تصاعد مد الفاشية في ألمانيا النازية والفاشية في إيطاليا ونظام الجنرال "فرانكو" في أسبانيا ونظام "أنطونيو دي أوليفيرا سالازار" في البرتغال ساهمت كلها في تضييق نطاق الديمُقراطية في ثلاثينيات القرن الماضي وأعطت الانطباع بانه "عصر الحكام الدكتاتوريين" بينما ظلت معظم الدول المستعمرة على حالها؛ لقد تسببت الحرب العالمية الثانية بحدوث انتكاسة شديدة للتوجه الديمُقراطي في أوروبا الشرقية. فاحتلال ألمانيا وجعلها دولة ديمقراطية ناجحة من قبل قوة الحلفاء خدمت كنموذج للنظرية التي تلت والخاصة بتغيير النظام، ولكن نصف أوروبا الشرقية أُرغم على الدخول في الكتلة السوفيتية غير الديمُقراطية. وتبع الحرب إزالة الاستعمار، ومرة أخرى سادت في معظم الدول المستقلة الحديثة دساتير لا تحمل من الديمُقراطية سوى التسمية فقط.
في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية امتلكت معظم الدول الديمُقراطية الغربية اقتصاديات السوق الحرة والتي نجم عنها دول الرفاهية وهو ما عكس إجماعاً عاماً بين الناخبين والأحزاب السياسية في تلك الدول، أما في الخمسينات والستينات فقد كان النمو الاقتصادي مرتفعاً في الدول الغربية والشيوعية على حد سواء، ومن ثم تناقص ذلك النمو في الدول الشيوعية.
وبحلول عام 1960م كانت الغالبية العظمى من الدول أنظمة ديمُقراطية بالاسم فقط، وهكذا فإن غالبية سكان العالم كانت تعيش في دول شهدت انتخابات معيبة وأشكالاً أخرى من التحايل وخاصة في الدول الشيوعية.
لقد أسهمت الموجات المتعاقبة من الديمُقراطية في تسجيل نقاط إضافية للديمُقراطية الليبرالية للعديد من الشعوب. أما الضائقة الاقتصادية في ثمانينات القرن الماضي فقد ساهمت إلى جانب الامتعاض من قمع الأنظمة الشيوعية في انهيار الإتحاد السوفيتي وإنهاء الحرب الباردة وتحرر دول الكتلة السوفيتية السابقة وتحولها إلى الديمُقراطية. وأكثر الديمُقراطيات الجديدة نجاحاً كانت تلك القريبة جغرافياً وثقافياً من دول أوروبا الغربية، وهي الآن إما دول أعضاء أو مرشحة للانتماء إلى الإتحاد الأوروبي.
معظم دول أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا مثل تايوان وكوريا الجنوبية وبعض الدول العربية والأفريقية مثل لبنان والسلطة الفلسطينية فقد تحركت نحو تحقيق المزيد من الديمُقراطية الليبرالية خلال عقد التسعينات وعام 2000م. إن عدد الأنظمة الديمُقراطية الليبرالية الآن أكثر من أي وقت مضى وهو يتزايد منذ مدة دون توقف. ولهذا يتوقع البعض بأن هذا التوجه سيستمر في المستقبل إلى الحد الذي ستصبح فيه الدول الديمُقراطية الليبرالية المقياس العالمي لشكل المجتمع البشري. وهذا التنبوء يمثل جوهر نظرية "فرانسيس فوكوياما" (نهاية التاريخ).
التجربة الديمُقراطية الأمريكية تأتي في مقدمة التجارب الديمُقراطية في العصر الحديث، حيث بدأت مع قيام الثورة الأمريكية عام 1776م والتي وضعت نهاية للاستعمار البريطاني ولعقود من الاستبداد وضمنت المشاركة في الثروة والسلطة انطلاقاً من مقولة "لا ضرائب بدون تمثيل" كما تضمنت الثورة الكثير من القيم والمبادئ والمؤسسات مثل، إعلان الاستقلال، وثيقة الحقوق، الدستور.

أشكال الحكم الديمُقراطي:
- الديمُقراطية المباشرة:
وتسمى عادة بالديمُقراطية النقية وهي الأقل شيوعاً وتمثل النظام الذي يصوت فيه الشعب على قرارات الحكومة مثل المصادقة على القوانين أو رفضها وتسمى بالديمُقراطية المباشرة لأن الناس يمارسون بشكل مباشر سلطة صنع القرار من دون وسطاء أو نواب ينوبون عنهم. وتاريخياً كان هذا الشكل من أشكال الحكم نادراً نظراً لصعوبة جمع كل الأفراد المعنيين في مكان واحد من أجل عملية التصويت على القرارات. ولهذا فإن كل الديمُقراطيات المباشرة كانت على شكل مجتمعات صغيرة نسبياً وعادة ما كانت على شكل دول المدن، وأشهر هذه الديمُقراطيات كانت أثينا القديمة، وفي العصر الحالي سويسرا هي أقرب دولة إلى هذا النظام.
- الديمُقراطية النيابية:
وهي نظام سياسي يصوت فيه أفراد الشعب على اختيار أعضاء الحكومة الذين بدورهم يتخذون القرارات التي تتفق ومصالح الناخبين. وتسمى بالنيابية لأن الشعب لا يصوت على قرارات الحكومة بل ينتخب نواباً يقررون عنهم. وقد شاع هذا الشكل من الحكم الديمُقراطي في العصور الأخيرة وشهد القرن العشرين تزايداً كبيراً في أعداد نظم الحكم هذه، ولهذا صار غالبية سكان العالم يعيشون في ظل حكومات ديمقراطية نيابية وأحياناً يُطلق عليها "الجمهوريات".
وبالإمكان تقسيم الديمُقراطيات إلى ديمُقراطيات ليبرالية (حرة) وغير ليبرالية (غير حرة). فالديمُقراطية الليبرالية شكل من أشكال الديمُقراطية تكون فيها السلطة الحاكمة خاضعة لسلطة القانون ومبدأ فصل السلطات، ويضمن دستور الدولة للمواطنين (وبالتالي للأقليات أيضاً) حقوقاً لا يمكن انتهاكها. أما الديمُقراطية غير الليبرالية (غير الحرة) فهي شكل من أشكال الديمُقراطية لا توجد فيها حدود تحد من سلطات النواب المنتخبين ليحكموا كيفما شاءوا.

الديمُقراطية الليبرالية (الحرة):
في الاستخدام الشائع يتم الخلط خطأً بين الديمُقراطية والديمُقراطية الليبرالية (الحرة)، ولكن الديمُقراطية الليبرالية هي بالتحديد شكل من أشكال الديمُقراطية النيابية حيث السلطة السياسية للحكومة مقيدة بدستور يحمى بدوره حقوق وحريات الأفراد والأقليات (وتسمى كذلك الليبرالية الدستورية).
ولهذا يضع الدستور قيوداً على ممارسة إرادة الأغلبية. أما الديمُقراطية غير الليبرالية فهي التي لا يتم فيها احترام هذه الحقوق والحريات الفردية. ويجب أن نلاحظ بأن بعض الديمُقراطيات الليبرالية لديها صلاحيات لأوقات الطوارئ والتي تجعل هذه الأنظمة الليبرالية أقل ليبرالية مؤقتاً إذا ما طُبقت تلك الصلاحيات سواء كان من قبل الحكومة أو البرلمان أو عبر الاستفتاء.

الديمُقراطية الاشتراكية:
يمكن القول بأن الديمُقراطية الاشتراكية مشتقة من الأفكار الاشتراكية في غطاء تقدمي وتدريجي وديمُقراطي ودستوري. العديد من الأحزاب الديمُقراطية الاشتراكية في العالم تعد نسخاً متطورة منا الأحزاب الثورية التي توصلت - لأسباب أيديولوجية أو براجماتية تبنت إستراتيجية التغيير التدريجي من خلال المؤسسات الموجودة أو من خلال سياسة العمل على تحقيق الإصلاحات الليبرالية قبل إحداث التغييرات الاجتماعية الأعمق، عوضاً عن التغيير الثوري المفاجئ. وهي، أي الديمُقراطية الاشتراكية، قد تتضمن التقدمية. إلا أن معظم الأحزاب التي تسمي نفسها ديمُقراطية اشتراكية لا تنادي بإلغاء الرأسمالية، بل تنادي بدلاً من ذلك بتقنينها بشكل كبير. وعلى العموم فإن السمات المميزة للديمُقراطية الاشتراكية هي:
- تنظيم الأسواق.
- الضمان الاجتماعي ويعرف كذلك بدولة الرفاهية.
- مدارس حكومية وخدمات صحية ممولة أو مملوكة من قبل الحكومة.
- نظام ضريبي تقدمي.
وعلاوة على ذلك فبسبب الانجذاب الأيديولوجي أو لأسباب أخرى فإن غالبية الديمُقراطيين الاشتراكيين يلتقون مع أنصار حماية البيئة وأنصار تعدد الثقافات والعلمانيين.

الاختلاف في تحديد الديمُقراطية:
الديمُقراطية كشكل من أشكال الحكم هي اشتراك الشعب في حكم نفسه، وعادة ما يكون ذلك عبر حكم الأغلبية عن طريق نظام للتصويت والتمثيل النيابي. ولكن بالحديث عن المجتمع الحر فإن الديمُقراطية تعني حكم الشعب لنفسه بصورة منفردة من خلال حق الملكية الخاصة والحقوق والواجبات المدنية (الحريات والمسؤوليات الفردية) وهو ما يعني توسيع مفهوم توزيع السلطات من القمة إلى الأفراد المواطنين. والسيادة بالفعل في المجتمع الحر هي للشعب ومنه تنتقل إلى الحكومة وليس العكس.
لأن مصطلح الديمُقراطية يستخدم لوصف أشكال الحكم والمجتمع الحر بالتناوب، فغالباً ما يُساء فهمه لأن المرء يتوقع عادة أن تعطيه زخارف حكم الأغلبية كل مزايا المجتمع الحر. إذ في الوقت الذي يمكن فيه أن يكون للمجتمع الديمُقراطي حكومة ديمُقراطية فإن وجود حكومة ديمُقراطية لا يعني بالضرورة وجود مجتمع ديمُقراطي. لقد اكتسب مصطلح الديمُقراطية إيحاءً إيجابياً جداً خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى حد دفع بالحكام الدكتاتوريين الشموليين للتشدق بدعم "الديمُقراطية" وإجراء انتخابات معروفة النتائج سلفاً. وكل حكومات العالم تقريباً تدعي الديمُقراطية. كما إن معظم الآيديولوجيات السياسية المعاصرة اشتملت ولو على دعم بالاسم لنوع من أنواع الديمُقراطية بغض النظر عما تنادي به تلك الآيديولوجيات. وهكذا فإن هناك اختلافات مهمة بين عدة أنواع مهمة من الديمُقراطية.
تمنح بعض الأنظمة الانتخابية المقاعد البرلمانية وفق الأغلبية الإقليمية. فالحزب السياسي أو الفرد المرشح الذي يحصل على معظم الأصوات يفوز بالمقعد المخصص لذلك الإقليم. وهناك أنظمة انتخابية ديمُقراطية أخرى، كالأشكال المتنوعة من التمثيل النسبي، التي تمنح المقاعد البرلمانية بناء على نسبة الأصوات المنفردة التي يحصل عليها الحزب على المستوى الوطني. إحدى أبرز نقاط الخلاف بين هذين النظامين يكمن في الاختيار بين أن يكون لديك ممثل قادر على أن يمثل إقليماً أو منطقة معينة من البلاد بشكل فاعال، وبين أن تكون كل أصوات المواطنين لها قيمتها في اختيار هذا الممثل بغض النظر عن مكان إقامتهم في البلد. بعض الدول كألمانيا ونيوزيلندا تعالج هذا النزاع بين شكلي التمثيل هذين بتخصيص نوعين من المقاعد البرلمانية الفيدرالية. النوع الأول من المقاعد يتم تخصيصه حسب الشعبية الإقليمية والباقي يتم تخصيصه للأحزاب بمنحها نسبة من المقاعد تساوي أو ما يساوي تقريباً الأصوات التي حصلت عليها على المستوى الوطني. ويدعى هذا بالنظام المختلط لتمثيل الأعضاء النسبي.

المعارضون للديمُقراطية:
يعارض الفوضويون الدول الديمُقراطية الموجودة في الواقع ومثل كافة أشكال الحكم الأخرى ويعتبرونها الفساد والقسرية متأصلة فيها. فعلى سبيل المثال رفض "ألكسندر بيركمان" عاش ما بين 1870م 1936م فوضوي من أصل روسي قدم إلى الولايات المتحدة وعاش فيها وكان عضواً بارزاً في حركة الفوضويين. وكان ينظم مع "ئيما غولدمان" الفوضوية حملات للحقوق المدنية ومعاداة الحرب الاعتراف بكومنولث بنسلفانيا بما يكفي للدفاع عن نفسه في محاكمته. معظم الفوضويين يفضلون نظاماً أقل هرمية وقسرية من الديمُقراطية المباشرة من خلال الجمعيات الحرة، ولكن وكما هو متوقع فهناك بين الفوضويين أيضاً عدم اتفاق، والبعض منهم يتحدث عن الجمعيات وكأنها مجتمعات الديمُقراطية المباشرة.
الفوضويين الفرديين يعادون الديمُقراطية بصراحة. فكما قال "بنيامين تكر" عاش ما بين 1854م 1939م من مناصري الفوضوية الفردية الأمريكية في القرن التاسع عشر:
"الحكم شيء شرير ولا أسوأ من وجود حكم الأغلبية، ما هي ورقة الاقتراع؟ هي ليست أكثر ولا أقل قطعة من الورق تمثل الحربة والهراوة والرصاصة إنها عمل إنقاذي للتأكد من الطرف الذي يحظى بالقوة والانحناء للمحتوم. إن صوت الأغلبية يحقن الدماء ولكنه لا يقل عشوائية عن القوة كمثل مرسوم أكثر الطغاة قساوة والمدعوم بأقوى الجيوش".
"بيير جوزيف برودون" عاش ما بين 1809م 1865م فيلسوف واقتصادي اشتراكي فرنسي، وهو أول من سمى نفسه بالفوضوي ويعتبر من أوائل المفكرين الفوضويين يقول:
"الديمُقراطية لا شيء ولكن طغيان الأغلبية يعتبر أسوأ أشكال الطغيان وذلك لأنه لا يستند إلى سلطة الدين ولا على نبل العرق ولا على حسنات الذكاء والغنى. إنه يستند على أرقام مجردة ويتخفى خلف اسم الناس".
ومن المعادين للديمُقراطية أيضاً اليمين المتطرف، والجماعاتة الملكية كذلك كان شانها على الدوام.

التصورات السياسية حول الديمُقراطية:
تشيع بين منظّري علم السياسة أربعة تصورات متنافسة حول الديمُقراطية:
- ديمقراطية الحد من سلطة الأحزاب:
والديمُقراطية وفق هذا التصور نظام حكم يمنح المواطنون فيه مجموعة من القادة السياسيين الحق في ممارسة الحكم عبر انتخابات دورية. ووفقاً لهذا المفهوم لا يستطيع المواطنون بل ولا يجب أن "يحكموا"، لأنهم في معظم الأوقات وفيما يخص معظم القضايا لا يملكون حيالها فكرة واضحة أو أن أفكارهم غير ذكية. وقد أوضح "ديفيد شومتر" هذا الرأي الشهير في كتابه "الرأسمالية، الاشتراكية والديمُقراطية". ويعد كل من "وليام ريكر" و"آدم بريزورسكي" و"ريتشارد بوسنر" من المفكرين المعاصرين المدافعين عن مفهوم (minimalism) أو الحد من سلطة الحزب.
- المفهوم التجزيئي للديمقراطية:
ويدعو التصور المذكور بوجوب أن تكون الحكومة على شكل نظام ينتج قوانين وسياسات قريبة من آراء الناخب الوسطي حيث تكون نصفها إلى يسار هذا الناخب ونصفها الآخر إلى يمينه. ويعتبر "أنطوني داونز" صاحب هذا الرأي وأورده في كتابه "النظرية الاقتصادية في الديمُقراطية"عام 1957م.
- الديمُقراطية الاستشارية:
وتقوم على المفهوم القائل بأن الديمُقراطية هي الحكم عن طريق المناقشات. ويقول المنادون بهذا الرأي: بأن القوانين والسياسات يجب أن تقوم على أسباب تكون مقبولة من قبل كافة المواطنين، وبأن الميدان السياسي يجب أن يكون ساحةً لنقاشات القادة والمواطنين ليصغوا فيها لبعضهم ويغيروا فيها آراءهم.
- الديمُقراطية التشاركية:
وفيها يجب أن يشارك المواطنون مشاركة مباشرة لا من خلال نوابهم - في وضع القوانين والسياسات. ويعرض المدافعون عن الديمُقراطية التشاركية أسباباً متعددة لدعم رأيهم هذا. فالنشاط السياسي بحد ذاته يمكن أن يكون شيئاً قيماً لأنه يثقف المواطنين ويجعلهم اجتماعيين، كما إن بإمكان الاشتراك الشعبي وضع حد للنخب المتنفذة. كما إن الأهم من ذلك كله حقيقة أن المواطنين لا يحكمون أنفسهم فعلاً إن لم يشاركوا مباشرة في صنع القوانين والسياسات.

*************************************
الهوامش:
(1) بيت الحرية وبالإنجليزية "فريدم هاوس" (Freedom House) هي مؤسسة دولية غير حكومية مقرها واشنطن دي سي، تأسست العام 1941م، تقوم بإجراء بحوث ودعوات حول الديمُقراطية، الحرية السياسية وحقوق الإنسان. تحصل بيت الحرية على التمويل من خلال الأفراد، وأيضاً من قبل حكومة الولايات المتحدة. وتصدر المؤسسة تقريراً سنوياً تقيم فيه درجة الحريات الديمقراطية من حقوق مدنية وحرية الصحافة وغيرها في كل بلد حول العالم. وتستخدم منشورات وأبحاث المؤسسة في مجال دراسات العلوم السياسية . ويعمل في المؤسسة نحو 120 شخصا.


الجزء الثاني في الأسبوع القادم إنشاء الله.

 4  0  1607
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:22 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.