• ×

03:11 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

الإنصاف فيما وقع في حكم القات من الخلاف رقم (1)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تمهيد:

الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى ، أما بعد:
فإن القات اسم لشجرة معمرة دائمة الخضرة تزرع في كثير من بلدان أفريقيا ، واليمن، وبعض الجبال المجاور له ، وربما وُجِدت في بلدان أخرى ولكن بنسب قليلة. ويعتقد أن الحبشة موطنه الأصلي ، وأجود أنواعه يزرع في الأراضي التي يتراوح ارتفاعها بين 1500- 2000 متر من مستوى سطح البحر ، ويندر في المناطق المنخفضة ، وما يزرع فيها يعدُّ من الأنواع الرديئة ، ويتم تعاطيه غالباً عن طريق مضغ أوراقه وأغصانه الطرية ، وله آثار كثيرة وخطيرة على الفرد والمجتمع .
وشجرة القات من أعجب ما عرفت في حياتي من حيث اختلاف الناس في حقيقة آثاره وأضراره ، فالناس يختلفون في ذلك اختلافاً كثيراً وكبيراً ، بل وعميقاً!! ، فبينما هناك من يغالي في مدح القات والثناء عليه ويرى أنه من شجر الجنة! ، وأنه زهرة الفردوس ! ، وأن جبريل عليه السلام نزل به السماء !! ، ومحمد صلى الله عليه وسلم أمر بأكله! ، وأخبر أن آكله لا ينطق إلا بالصواب!! ، وأنه يعين على فهم الكون وخالقه!! ، ويقرب العبد من ربّه!!.. وأنه بهذه الصفات والخصائص وغيرها شجرة مباركة! ، وتبارك بالتبعية من يتعاطاها!! ، وأنه يشفي من الأمراض الكثيرة! ، وأنه معين على العبادة والطاعة كمدارسة العلم ، والقراءة والبحث ؛ لأنه شاحذ للفكر! ، مفتح للذهن! منشط للبدن والهمة!!...وبهذا عدّوه مباحاً ! ، بل مستحباً !!، بل قدّسوه!! ، وقدّموا النذور للأولياء الذين كانوا يتعاطونه!! ، فزاروا أضرحتهم وقدّموا لها النذور التي هي عبارة عن أفخر أنواع القات!! ( ).
وأما هذا الهراء والافتراء ممن يهرفون بما لا يعرفون ، ويحكمون بالظن والأوهام ، ويؤمنون بالخرافات والخزعبلات.. هناك طرف آخر يصم القات بما ليس من خصائصه وآثاره ، فيعدّه من أخطر أنواع المخدرات!! ، ويساويه بالهروين والكوكائين وغيرها من المخدرات ذات الخطورة البالغة!! ، ويظن أن من أكل منه شيئاً فقد سكر! ، واختلط عقله!!.
والحقيقة في شأنه ليست مع هؤلاء ، ولا أولئك!! ، بل هي وسط بين النقيضين ، وهي تحتاج إلى تجلية وتوضيح دون تهوين أو تهويل ، وإذا كان البحث في قضية القات له أبعاد مختلفة ، ونواح متعددة ، فإن من أهم المسائل التي ينبغي بحثها بتجرد وإنصاف ، هي مسألة حكمه الشرعي ؛ لحاجة الناس إلى ذلك ، لاسيما وأن طائفة ممن يأكلونه يحافظون على الطاعات ، و ينكرون المنكرات كتعاطي أي نوع من أنواع المخدرات ، أو شرب المسكر أو غير ذلك مما يعرفون حكمه ، ويعتقدون بحرمته..
وأما القات فما زالوا لم يتيقنوا تحريمه ذاتياً ، وإلا لو ثبت لهم ذلك بقين لما ترددوا في تركه ، ولكنهم ما زالوا يرون أنه ليس محرماً لذاته ؛ وإنما يعتقدون أنه إما مباح ، أو محرم لغيره من التوابع والآثار ، والأمور التي قد تحف بتعاطيه.. وعلى هذا الرأي يقولون: إنه قد يحرم على شخص ما ، ويباح لشخص آخر ؛ لأن أصل القات مباح ، وإنما يحرم بسبب ما يترتب على تعاطيه من آثار أو أضرار.. وأقصى ما يظنه البعض من هذه الطائفة في شأن القات أنه مكروه ، فيثاب تاركه ، ولا يعاقب آكله.
وللتدليل على وجود هذه الطائفة بين متعاطي القات ، وعلى ما فيهم من الخير والصلاح أذكر ثلاثة مواقف تؤكد ذلك:
الأول: ذكر لي أحد الإخوان الفضلاء أنه حضر مناسبة ، وكان في تلك المناسبة أحد القضاة الفضلاء ، وهذا الشيخ مازال قاضيا بإحدى المحاكم العامة في المملكة اليوم.. قال الأخ: فقام المضيف بعد انتهاء الوجبة بتوزيع القات! ، وبدأ بالشيخ!! فقال له الشيخ: لا ، أنا لا آكل القات. فقال المضيف: لماذا ، أهو حرام ؟، فقال الشيخ : نعم. فقال: لماذا لم تخبرنا؟. فقال: لم أجد الفرصة المناسبة للحديث في هذا الموضوع ، ثم أخشى أن لا تتقبلوا ذلك. فقال المضيف: بلى والله نتقبل ، وما دمت قلت أنه حرام ، فوالله لا آكله بعد اليوم.
الموقف الثاني: تحدثتُ مع أحد الأساتذة الكرام ممن يأكل القات ، وتناقشنا في قضية القات ، فقال لي: يا أخ علي ، نحن نعاني فراغاً لا نجد ما نسده به إلا جلسات القات ، وما زلنا لم نتيقن حرمة أكل القات ؛ لأن ما يقال عنه من آثار وأضرار ما زالت بالنسبة لي غير واقعية... إلى أن قال: ثق أنه لو ثبت لنا وهو يشير إلى نفسه وبعض زملائه المحترمين- حرمة أكل القات لما ترددنا في تركه فوراً.
ولي قريب يعمل معلماً ، وهو خريج كلية الشريعة ، ويأكل القات منذ الصغر ، ومع هذا يمنع أولاده وأولاد أقاربه من أكل القات! ، ويحذرهم منه!! ، وتناقشتُ معه فقال لي: يا أخي لا يمكن أن يبيح أكل القات عالم يحترم نفسه وعلمه!. وقال لي: أنا لا أشك في حرمة أكل القات!! ، ولكني لا أعدّه معصية كبيرة إذا لم يترتب على أكله مفاسد أخرى.

وهذا الكلام يدل على أن هذا الرجل الفاضل يعيش صراعاً مع نفسه ؛ لما يعلم من حكم القات ، وما يعانيه من ولوعه به منذ الصغر! ، وللبيئة في ذلك أكبر الأثر.. لكنه لا يكابر فيدافع عن القات إلا أمام من يأتيه بما لا حقيقة له في واقعه الذي يعرفه عن القات.
الموقف الثالث: اتصل بي أحد الأشخاص فقال لي: أنا رجل آكل القات ، ولكني أحافظ على الصلوات في المسجد جماعة ، والقات لا يسبب لي أي سكر ، أو تخدير ، تفتير.. بل إني بعد أن أنتهي من أكل القات ، أقرأ ثلاثة أجزاء من القرآن!.. وسؤالي ما هو حكم أكل القات بالدليل؟.
فكانت خلاصة كلامي له: أن القات مختلف في حكمه ، ما بين من يبيح تعاطيه ، ومن يعدّه مكروهاً ومن المشتبهات ، ومن يحرمه مطلقاً.. والقائلون بحله ليس لهم دليل معتبر سوى القاعدة الفقهية ( الأصل في الأشياء الإباحة ) ، وهذه القاعدة لا تنطبق على ما ثبت ضرره ، والقات قد ثبتت أضراره فلا يدخل تحت هذه القاعدة الفقهية. فقال: يعني أتركه؟، فقلت له: نعم وأخلص النية لله في ذلك ،فإن من ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه ، وأبدله حلاوة إيمان يجدها في قلبه.. فقال: أشهدك أنني تركته طاعة وتعبداً لله تعالى ، فدعوت الله أن يثبتني وإياه وإخواننا المسلمين على الطاعة والاستقامة.
ورغبة مني في النصح والبيان لإخواني المسلمين أقدم هذا البحث فيما يتعلق بحكم أكل القات ، وقد سعيت إلى جمع أقوال العلماء في هذه القضية ، مع مناقشة الأقوال التي تحتاج إلى مناقشة ، وبيان القول الراجح ، ثم أوردتُ أبرز الشبه المثارة حول هذه القضية مع الرد عليها بما منَّ الله به ويسر.
وقبل هذا ذكرتُ أسباب اختلاف العلماء في حكم القات ، وأشرتُ إلى أنه خلاف في مسألة فرعية ، وليس في أصل من أصول الدين ، أو ركن من أركانه ، أو أساس من أسسه التي لا يقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة.
أسأل الله جلَّت قدرته أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم ، موافقاً لشرعه القويم ، نافعاً لكاتبه وقارئه وجميع إخواني المسلمين.
المطلب الأول: أسباب اختلاف العلماء في حكم القات علماء أهل السنة والجماعة لا يختلفون في أصل من أصول الدين ، فـ" أصول الدين وأركانه وأسسه ، مسائلُ متفق عليها بين جميع الأمة في الجملة ، لا اختلاف بين علمائها في ذلك ، وقد جاء بها الإسلام بنصوص قطعية واضحة ، لا مجالَ للخلاف فيها.
فأركان الإيمان ، وأركان الإسلام ، وأمهات الفضائل ، كل هذه أمور لم يُختلف عليها، وكذلك أمهاتُ الرذائل المقبوحة ، فلم يخالف مسلم في أن الله خالق الخلق ، وأنه أرسل رسلَه للناس ، وأنه واجب على الناس اتباعهم ، والسير على هديهم.
وما كان مما تقدم لا مجال للتأويل فيه ، ولا للجدل ، ولا للمراء ، فهو من أسس الدين.
ونصوص الشارع منها ما هو قطعي الثبوت ، كالقرآن والمتواتر من السنة ، ومنها ما هو ظني الثبوت ، ككثير من أخبار الآحاد.
والقطعي في ثبوته ، منه ما هو قطعي في دلالته ، كقوله: ... فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كاملة ...  ( ).
ومنه ما هو ظني في دلالته ، كقوله تعالى: ... إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ... ( ).
فالقطعي ليس من مواضع الاجتهاد ، فلا مجال للاجتهاد فيه ، والظني هو مجال للاجتهاد، سواءً أكان في ثبوت النص أم دلالته ، أم فيما أُلحق به.
ومراتب الظنون تختلفُ في القوة والضعف حسب قوةِ الاحتمال وضعفه ( ) .
إذن: فأصول ومعتقد أهل السنة والجماعة لا خلاف فيها بينهم ، فقولهم في توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات... وغيرها من أمور العقيدة واحد ، وهذا " من خصائص مذهب أهل السنّة والجماعة أن قولهم في كل مسائل الاعتقاد وأصول الدين قول واحد ، وهو بنصه ومعناه ما تقرر في الكتاب والسنّة وإجماع السلف ، فلا يختلف أهل السنّة في شيء من ذلك من أول جيل ( عصر الصحابة ) إلى يومنا هذا ، وهذا بحمد الله مما تكفل الله به من حفظ الدين ، فهو الصراط المستقيم ، والعروة الوثقى ، وسبيل المؤمنين ، لا تعدد فيه ولا اختلاف ؛ لأنه مؤسس على اليقين وعلى الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ( ) .
فاختلاف أهل السنّة إنما كان في الاجتهادات من أمور الأحكام ، أو فرعيات المسائل الملحقة بالعقيدة مما لم يرد به دليل قاطع ( ).
والخلاف بين العلماء في الفروع حاصل وسائغ ، وليس ذلك - في الغالب - لهوى ، أو عصبية ، أو مكابرة ؛ وإنما لأسباب قد ذكرها العلماء وبينوها في مواضعها من كتب الفقه وأصوله ، وليس هنا مكان ذكرها.
ومسألة القات من مسائل الفروع التي وقع فيها الخلاف بين العلماء ؛ لأسباب من أهمها وأبرزها ما يلي :
1.كون تعاطي القات من المسائل الحادثة التي لم تُعرف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، أو صحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم . فلا يوجد فيها نص صريح من كتاب الله عز وجل ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو أحد من خلفائه الراشدين ، كما أنها ليست من مسائل الاجماع التي أجمع فقهاء الأمة على قول واحد فيها. بل إن الفقهاء لم يتطرقوا إلى مسألة حكم القات إلا في القرن العاشر الهجري بعد أن انتشر في اليمن وأصبح تعاطيه ظاهرة معروفة بين الناس ، وقد وصف أحد العلماء فقهاء ذلك الزمن بقوله: ظهر القات في زمن فقهاء لا يجسرون على تحريم ولا تحليل ، ولو ظهر في زمن الفقهاء المتقدمين لحرموه ( ).
2.المحرمات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: المحرم لذاته.. وهو: ما ورد فيه نص صريح صحيح بالتحريم. والقسم الثاني: المحرم لغيره.. وهو: ما لم يرد فيه نص بذاته ؛ وإنما يدخل تحت عمومات النصوص الشرعية ، أو يندرج تحت قاعدة من القواعد الفقهية التي استنبطها الفقهاء.
فالقسم الأول لا يختلف فيه العلماء غالباً ، لأن الدليل الشرعي ينص عليه ويعينه ويصرح بالحكم فيه سواءً كان الحكم فيه حلاًّ أو حرمة.
وأما القسم الثاني فخلاف العلماء فيه أكثر من ذي قبله بكثير ، وبعض القات هو من هذا القسم ؛ ولذلك وقع الاختلاف في حكمه بين العلماء ، إلا ما ثبت إسكاره ، فإنه يحرم لذاته ؛ لأن ( كل مسكر حرام ) ( ) و ( ما أسكر كثيره فقليله حرام )( ) كما صحَّ بذلك الخبر عن المصطفى صلى الله عليه وسلم. وأما ما ثبت تفتيره ففيه خلاف منشؤه الحكم على حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر ) ( ). فمن يضعف إسناد الحديث لا يراه نصاً في المفترات ، ومن يصححه يراه نصاً صريحاً في تحريم المفترات. والأقرب أنه من المحرم لذاته ؛ لأن الخلاف إنما هو في أحد رواة الحديث ، وهو شهر بن حوشب ، وقد وثقه كبار علماء الجرح والتعديل ، كالإمام أحمد ، ويحيى بن معين وغيرهم. يقول العلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى - : (( وهذا حديث صالح للاحتجاج به لأن أبا داود سكت عنه ، وقد روي عنه أنَّه لا يسكت إلا عن ما هو صالح للاحتجاج. وصرح بمثل ذلك جماعة من الحفاظ، كابن الصلاح ، وزين الدِّين ، والنووي ، وغيرهم.
وإذا أردنا الكشف عن حقيقة رجال إسناده ، فليس فيهم من هو متكلم عليه إلا شهر بن حوشب. وقد اختلف في شأنه أئمة الجرح والتعديل، فوثقه الإمام أحمد ، ويحيى بن معين ، وهما إماما الجرح والتعديل، ما اجتمعا على توثيق رجل إلا وكان ثقة ، ولا على تضعيف رجل إلا وكان ضعيفاً.
فأقل أحوال حديث شهر المذكور أن يكون حسناً.
والترمذي يصحح حديثه ؛ يعرف ذلك من له ممارسة لجامعه )) ( ).
ويقول عن الحشيشة: (( تقرر من هذا: أنها تحرم لمضرتها العقل ، ودخولها في المفتِّر المنهي عنه... إلى أن يقول: والحاصل: أن الحشيشة ، وما في حكمها مما له عملها ، لا شك ولا ريب في تحريمها ؛ لأنها إن كانت من المسكرات فهي داخلة في عموم أدلة تحريم المسكر، وقد عرفتَ من جزم بأنها مسكرة ، وإن كانت من المفترات المخدرات فهي محرمة بالحديث المتقدِّم في تحريم كل مفتر ، ولا تخرج عن هذين الأمرين أصلا ، والخَدَرُ ليس أمراً غير الفتور بل هو فتور مع زيادة )) ( ). فالشوكاني رحمه الله تعالى -: يقرر أن الحديث السابق نص في تحريم كل مفتر ، ويوضح أن التخدير ما هو إلا فتور بزيادة.
3.اختلاف تأثير القات على المتعاطي من شخص إلى آخر ؛ إما لاختلاف أنواع القات من حيث تأثيره على المتعاطي قوة ، وضعفاً ، ونوعاً.. وإما لاختلاف طبائع الأشخاص وأمزجتهم من حيث الاعتدال وخلافه.
4.تضارب آراء وأقوال متعاطي القات! ، ما بين مادح وقادح ، وما بين منكر لآثاره المؤثرة على العقل والجسم ، ومثبت لها!.
5.رغم اتفاق متعاطي القات على أنه مادة منبهة ومنشطة ؛ إلا أن الخلاف يحتدم فيما يتبع ذلك من آثار أخرى مغايرة لذلك .
6.رغم وجود دراسات علمية ودولية تتحدث عن وجود مواد مخدرة في نبات القات؛ إلا أن ذلك ما زال مثار شكٍّ عند كثير من الناس بما فيهم بعض العلماء خاصة من أهل اليمن ؛ لحيث أنهم لا يجدون ذلك بشكل واضح وجلي ومطرد في كل من يتعاطاه ؛ ولذلك يعتقدون أن تلك الدراسات غير دقيقة فيما توصلت إليه، أو أن نسبة التخدير في نبات القات ضئيلة لدرجة لا تكاد تؤثر!.
7.مع أن أضرار تعاطي القات واضحة للعيان ، ولا يكاد يخالف فيها حتى الذين يبيحونه ؛ إلا أن بعضهم يرى له بعض المزايا ، كما أن البعض يفرق بين أصل تعاطي القات ، وبين الأضرار المترتبة على ذلك! ، فيبيح تعاطيه إذا لم يترتب على ذلك ضرر ، ويحرمه إذا ترتب عليه ضرر صحيٌّ أو ماليٌّ ، أو أسريٌّ ، أو اجتماعيّ.
8.من الأسباب المهمة في الخلاف في شأن تعاطي القات هو: الاختلاف في أي
القواعد الفقهية أولى أن يدرج تحتها ، فالذين يبيحونه يدرجونه تحت قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة . أما الذين يحرمونه فيسوقون في ذلك عدة قواعد فقهية منها : قاعدة: لا ضرر ولا ضرار. وقاعدة : الوسائل لها أحكام الغايات. وقاعدة: المثبتُ مقدم على النافي. وقاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وأن الشريعة أباحت ما منفعته خالصة أو راجحة ، ومنعت ما مفسدته أو مضرته خالصة أو راجحة. وقاعدة: إذا اجتمع حاظر ومبيح قُدِّم العمل بالحاظر. كما أدرجه بعض العلماء تحت قاعدة: تحريم الخمر. وقاعدة: تحريم الخبائث. وقاعدة: تحريم الضرر.
9.من الأسباب المؤثِّرة في الخلاف في شأن تعاطي القات تأثير البيئة على المفتي ؛ فمن نشأ في بلد يزرع فيها القات ، ويتعاطاه أهلها على نطاق واسع ، فيعتاد على ذلك منذ الصغر ، وينشأ في تلك البيئة التي يعتبر أهلها مضغ القات ظاهرة اجتماعية وثقافية ليس إلا ؛ فهذا لا شك أن نظره يختلف عمن نشأ في بيئة لا يوجد فيها القات. والبيئة وأثرها على العالم مما يُعتذر به للمتساهلين في تحريم القات رغم أضراره التي لا يكاد يختلف عليها اثنان..
10.من أسباب اختلاف العلماء في حكم القات في نظر الباحث هو اختلافهم في علّة التحريم هل هي أثره المباشر على الجهاز العصبي من تغيير أو تخدير أو تفتير؟. أم هي: أضراره المختلفة؟. فآثاره المباشرة يختلف الناس فيها كثيراً ما بين من يقرُّ بوقوعها ولو في فترات متفاوتة ، وبين نافٍ حدوث شيء من التغيير أو التخدير أو التفتير له حال تعاطيه للقات. وأما أضراره الدينية ، والصحية ، والاجتماعية ، والمالية...إلخ ، فالخلاف فيها قليل . والأقرب أن يقال : علّة تحريم القات هي: الضرر ؛ لأنه أمر يطرد في متعاطيه سواءً كان بشكل مباشر أو غير مباشر ، ولا ينكر ذلك إلا قلة قليلة ، إما جهلاً أو مكابرة.
11.وأخيراً فإن من أسباب اختلاف العلماء في حكم القات ما كان للصوفية من دور فاعل في الدفاع عن القات والترويج له ، والثناء عليه ، وإنشاد القصائد الشعرية في ذلك.

وللموضوع تكملة إن شاء الله تعالى
علي بن يحيى جابر الفيفي
الأربعاء 14 ربيع الثاني 1433هـ
الهوامش :::
( ) سوف يخرج لي بحث قريباً إن شاء الله بعنوان: القات في الفكر الصوفي!! ينسب كل هذه المعتقدات والخرافات إلى المصادر والمراجع التي أوردتها.
( ) سورة البقرة ، جزء من آية: 196.
( ) سورة البقرة ، جزء من آية: 237.
( ) أسباب اختلاف الفقهاء ، عبد الله بن عبد المحسن التركي ، 43- 44، ط3، مؤسسة الرسالة 1431هـ - 2010م .
( ) مناهج أهل الأهواء والافتراق والبدع وأصولهم وسماتهم ، أ.د. ناصر بن عبد الكريم العقل ، 82- 83 ، ط2، دار الوطن الرياض 1417هـ .
( )حراسة العقيدة ، ناصر بن عبد الكريم العقل ، 58 ، ط1، كنوز اشبيليا للنشر والتوزيع - الرياض 1425هـ - 2004م .
( ) تحذير الثقات من استعمال القات ضمن كتاب: القات في الأدب اليمني والفقه الإسلامي 101.
( ) أخرجه البخاري ، 4/1579، برقم ( 4087).
( ) أخرجه أبو داوود ، 3/327 ، برقم ( 3681 ) . وقال الألباني: حسن صحيح.
( ) أخرجه أبو داوود ، 2/ 354، برقم (3686 ) ، وأحمد في المسند ، 6/ 309، برقم ( 26676) وغيرهما . وقد ضعَّف الشيخان محمد بن ناصر الدين الألباني ، والشيخ شعيب الأرنؤوط إسناد الحديث.
( ) البحث المسفر عن تحريم كل مسكر ومفتر ، تأليف: محمد بن علي الشوكاني ، تحقيق: عبد الكريم بن صنيتان العمري، 144 147، ط1، دار البخاري المدينة المنورة 1415هـ .
( ) المصدر السابق ، 162- 163.

 10  0  1684
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:11 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.