• ×

09:01 مساءً , الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016

أقيلوا هذا الفاسد بناءً على طلبنا ...! 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أقيلوا هذا الفاسد بناءً على طلبنا ...!

بقلم . الأستاذ : جابر بن مسعود العبدلي الفيفي


================================

دعواتكم لأخيكم بالتوفيق والسداد , سأتحدث عن مرض للعيان باد :
(ثقافـــــة الفســــــاد ) !
وبما أن الفساد مرض فلابد من المبضع , فألم المبضع أهون من ألم المرض الحاد !
الفساد يختلف من بلد إلى آخر ومن زمن إلى آخر ويختلف باختلاف ثقافة العباد !
البعض يربط الفساد بالمال فقط وهذا غير صحيح , فالفساد هو كل تجاوز في حق المواطن والبلاد !
وسأتحدث هذه المرة عن أحد أمراض هذه الثقافة عندنا , ومن أبرزها ثقافة \" بناء على طلبه \":
عندما يثبت لدينا فساد مسؤول كبير في الدولة فإننا دائماً نترقب خبر إقالته بمرسوم \" بناء على طلبه \" !
ثم تعيينه في منصب أعلى حفاظاً على ماء وجهه وهيبته !
كم حملت لنا هذه العبارة من المآسي علمنا أم لم نعلم !
فهي ثقافة انتقلت من قمة الهرم إلى القاع لأنه لا يوجد جزاء رادع أو بديل يعلم .
وإن وجد القانون فالثقافة تمنعنا من تطبيقه خوفاً على \" رزق \" و سمعة المتهم!
ليست لدينا قوانين رادعة أوتشريعات واضحة لكل حالة فالمسألة وبصراحة لدينا مسألة" قَبْيَلة"

*****

إن كل مجال قد تأثر ويتأثر بقدر أو بآخر بهذه الثقافة , واعلم كل واحد منكم لديه في مجاله قصة !
ولأني أعمل في مجال التعليم فسأحكي حكاية تبين لكم كيف تأثر تعليمنا سلباً بهذه الثقافة !
و حتى يتبين المقال فسأشرح باستخدام المثال:
قبل أن أنتقل للعمل في فيفاء عملت في أحدى مناطق بلادنا الحبيبة .
حين وصلت إلى إحدى المدارس كان فيها أحد المعلمين المثيرين للجدل , وكأي واحد منا حينها كان طلب الرزق هو سبب تقدمه للتعليم , ولهذا التحق بهذا العمل , كانت الوزارة في تلك الفترة مهتمة بـ( الكم ) أكثر من اهتمامها بـ( الكيف ) , لكن هذا المعلم كان تقريباً قد فشل في التعليم بشكل مسيء للمهنة , لقد كان من أصحاب الأفكار السلبية المسبقة , ( الطالب فلان لا يصلح لأنه من قبيلة فلان , و المعلم الفلاني من آل فلان ...وهكذا ) , فالجميع عنده متهمون , والمتهم لديه مدان حتى لو ثبتت براءته , ولم يُعلم أنه أثني على أحد منذ أن عرفناه , وهذا المرض موجود لدى بعض الناس أعاذنا الله وإياكم منه , فالكذب ديدنه , والافتراء مطيته ,والانتقام هدفه , ومهنتنا لا تصلح إلا لمن وهبهم الله الصبر والمصابرة , وللأسف فإنه محسوب على فئة الكل يجلُّها ويحترمها, وقد عانت المدرسة ( إدارة ومعلمين وطلاب وحتى مستخدمين ) من سوء سلوكه وتصرفاته , وكانت الطامة حين ختم مسيرته التعليمية بأن أقدم على الاعتداء على أحد الطلاب بالضرب وسب العرض , حينها تقدم ولي أمر الطالب بالشكوى إلى إدارة التعليم .
وهنا تدخلت الثقافة !
قام الجميع بالوقوف مع المعلم خوفاً عليه لأنه ليست هناك بدائل في مثل هذه الحالة فإما الفصل وهذا مستحيل !
وإما الوقوف مع الزميل!
وأملاً من الجميع في أن يستقيم سلوك هذا المعلم بعد هذا الدرس وقف الجميع معه حتى النهاية , ولكن خاب التعويل !
بعد هذه القضية تفتقت عقلية إدارة التعليم عن فكرة خطيرة !
فكرة يُحفظ بها ماء وجه المعلم و يُخرج من التعليم بطريقة غير مثيرة !
إنها فكرة : ( بناء على طلبه ) !
فقد تم ترشيح هذا المعلم للعمل في التوجيه التربوي لعل الله أن يهديه !
ولكن الله لم يهديه , لقد انتقل إلى هذا المركز القيادي بكامل أمراضه!
وبعد سنة رأت إدارة التعليم أن هذا الشخص هو الأنسب للإشراف على مدرسته السابقة !
فهو يملك الخبرة الكاملة والمعلومات عن جميع زملائه السابقين , وهذه فرصته للتوجيه الانتقامي !
تخيلوا معي وضع المدرسة والعاملين بها بعد هذا القرار !
لقد أحدث ذلك القرار صدمه مدوّية , فيامن كنت تنتقد سلوكيات هذا الزميل السابق أين الفرار ؟
يا من كنتم تدّعون أن الرجل غير مناسب للتعليم هاهو يوجهكم ويبين لكم كيف تكون التربية ويكون التعليم !
عيشوا معي أيها الأحبة كمية الإحباط , حسبنا الله على من أناط !
صدقوني أنه فرض على زملائه السابقين دورات تربوية وألزمهم بها وكانوا أحق بها وأهلها !!
لقد اكتشف أنهم مقصرون وغير تربويين وأن التعليم مهنة لا يليقون بها ولا يصلحون لها!
يجب أن يسلكوا نفس السلوك الذي انتهجه سابقاً فله الحق فلقد أوصله ذلك السلوك إلى الموقع المرموق !
ما جعلني أتناول هذه القصة هو اتصال تلقيته مؤخراً من أحد زملائي السابقين في تلك المنطقة ليخبرني أن ذلك الرجل لا يزال يتابع زملائه السابقين وقد أمكنه الله من بعضهم , والبعض لازال في الطريق !
بل الطامة الكبرى أن الرجل لازال هو صاحب الكلمة الأولى في الإدارة , فلا يصدر مدير التعليم هناك إلا عن أمره !
ولا يصدر قرار إلا أن يمهره بأمره !
وهو يوجه اجتماعات الإدارة ويطرح أفكاره حول كل شيء !
إن هذه الشخصية تبوت مركزها بناءً على هذه الثقافة للأسف .
وأننا نحمد الله لعدم وجود مثل هذا الشخصية في منطقتنا .

*****

اعلم أن كل واحد لديه قصة مشابهة أو مقاربة سببها ثقافة " بناء على طلبه " !
وحتى تنتهي هذه الثقافة علينا ما يلي :
أولاً : أن نعكس السائد وأن نبدأ الإصلاح من قمة الهرم ثم إلى القاع , وهذا ما تم في عهد الخليفة الخامس ففي عهده صلحت أحوال الأمة ورجع لها من هيبتها ما كان قد ضاع !
ثانيا : أن نخلق تشريعات قابلة للتطبيق على أرض الواقع بدلا من ثقافة " بناء على طلبه " , وبحيث تكون عادلة ومناسبة وتكون هناك هيئات تقرر ولجان تنفيذية وجهات رقابية تشرف على ذلك .
ثالثاً : انصح نفسي وكل مسئول ولاه الله أمانة أن يتابعها بنفسه بقدر استطاعته حتى لا يقع الظلم على من تحته , وأن يولَي أهل الصدق والأمانة الحقيقيين, وأن يحذر المرضى النفسيين والحاقدين والمتزلفين.
وفي الأخير : أتمنى أن يأتي اليوم الذي يتم فيه إقالة الفاسدين بناء على طلب الشعب , وإحالتهم إلى المكان الذي يستحقون حتى لو كان السجن قسم جرائم " النصب" !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللهم إنا نعوذ بك من شرور الأشرار وندرأ بك في نحورهم , اللهم أكفناهم بما شئت
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه



 30  0  3059
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:01 مساءً الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016.