إطلالة على الكلاسيكية
أ.محمد بن سالم بن سليمان الفيفي
جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية
==============================
تعريف الكلاسيكية:
الكلاسيكية مذهب من المذاهب الأدبية الكبرى التي ظهرة في أوربا، ويطلق عليه أيضاً (المذهب الاتباعي)، وقد كان يقصد به في القرن الثاني الميلادي الكتابة الأرستقراطية الرفيعة الموجهة للصفوة المثقفة في المجتمع الأوروبي.
أما في عصر النهضة الأوروبية، وكذلك في العصر الحديث: فيقصد به كل أدب يبلور المثل الإنسانية المتمثلة في الخير والحق والجمال "وهي المثل التي لا تتغير باختلاف المكان والزمان والطبقة الاجتماعية"، وهذا المذهب له من الخصائص الجيدة ما يمكنه من البقاء وإثارة اهتمام الأجيال المتعاقبة.
التأسيس وأبرز الشخصيات:
يعد الكاتب اللاتيني "أولوس جيليوس" هو أول من استعمل لفظ الكلاسيكية على أنه اصطلاح مضاد للكتابة الشعبية، في القرن الثاني الميلادي.
وتعد مدرسة الإسكندرية القديمة أصدق مثال على الكلاسيكية التقليدية، التي تنحصر في تقليد وبلورة ما أنجزه القدماء وخاصة الإغريق دون محاولة الابتكار والإبداع.
وأول من طور الكلاسيكية الكاتب الإيطالي "بوكاتشيو" والذي عاش مابين 1313م - 1375م فألغى الفجوة ما بين الكتابة الأرستقراطية والكتابة الشعبية، وتعود له أصول اللغة الإيطالية المعاصرة.
كما أن رائد المدرسة الإنكليزية "شكسبير" والذي عاش ما بين 1564م - 1616م طور الكلاسيكية في عصره، ووجه الأذهان إلى الأدب الإيطالي في العصور الوسطى ومطالع عصر النهضة.
أما المذهب الكلاسيكي الحديث في الغرب، فإن المدرسة الفرنسية هي التي أسسته على يد الناقد الفرنسي "نيكولا بوالو" والذي عاش ما بين 1636م – 1711م في كتابه الشهير "فن الأدب" الذي ألفه عام 1674م.
فقد قنن قواعد الكلاسيكية وأبرزها للوجود من جديد، ولذا يعد مُنظر المذهب الكلاسيكي الفرنسي الذي يحظى باعتراف الجميع.
أبرز شخصيات المذهب الكلاسيكي في أوروبا بعد "بوالو":
1- الشاعر الإنكليزي "جون أولدهام" المتوفى سنة1773م وهو ناقد أدبي ومن المؤيدين للكلاسيكية.
2- الناقد الألماني "جوتشهيد" المتوفى سنة1766م الذي ألف كتاب "فن الشعر ونقده".
3- الأديب الفرنسي "راسين" المتوفى سنة1699م وأشهر مسرحياته "فيدرا والإسكندر".
4- والأديب "كورني" المتوفى سنة1784م وأشهر مسرحياته "السيد أوديب".
5- الأديب "موليير" المتوفى سنة1673م وأشهر مسرحياته "البخيل طرطوف".
6- والأديب "لافونتين" المتوفى سنة1695م الذي اشتهر بالقصص الشعرية وقد تأثر به أحمد شوقي في مسرحياته.
الأفكار والمعتقدات:
يقوم المذهب الكلاسيكي الحديث، الذي أنشأته المدرسة الفرنسية مؤسسة المذهب على الأفكار والمبادئ التالية:
1- تقليد الأدب اليوناني والروماني في تطبيق القواعد الأدبية والنقدية وخاصة القواعد الأرسطية في الكتابين الشهيرين: "فن الشعر" و"فن الخطابة" لأرسطو.
2- العقل هو الأساس والمعيار لفلسفة الجمال في الأدب، وهو الذي يحدد الرسالة الاجتماعية للأديب والشاعر، وهو الذي يوحد بين المتعة والمنفعة.
3- الأدب للصفوة المثقفة وليس لسواد الشعب، لأن أهل هذه الصفوة هم أعرف بالفن والجمال، فالجمال الشعري خاصة لا تراه كل العيون.
4- الاهتمام بالشكل وبالأسلوب وما يتبعه من فصاحة وجمال وتعبير.
5- تكمن قيمة العمل الأدبي في تحليله للنفس البشرية والكشف عن أسرارها بأسلوب بارع ودقيق وموضوعي، بصرف النظر عما في هذه النفس من خير أو شر.
6- غاية الأدب هو الفائدة الخلقية من خلال المتعة الفنية، وهذا يتطلب التعلم والصنعة، ويعتمد عليها أكثر مما يعتمد على الإلهام والموهبة.
الجذور الفكرية والعقائدية:
- ارتبط المذهب الكلاسيكي بالنظرة اليونانية الوثنية، وحمل كل تصوراتها وأفكارها وأخلاقها وعاداتها وتقاليدها.
- الأدب اليوناني ارتبط بالوثنية في جميع الأجناس الأدبية من نقد أدبي وأسطورة إلى شعر ومسرح.
- جاء الرومان واقتبسوا جميع القيم الأدبية اليونانية وما تحويه عن عقائد وأفكار وثنية.
- جاءت النصرانية وحاربت هذه القيم باعتبارها قيماً وثنية، وحاولت أن تصبغ الأدب في عصرها بالطابع النصراني، وتستمد قيمها من الإنجيل إلا أنها فشلت، وذلك لقوة الأصول اليونانية ثم بسبب التحريف الذي أصابها.
- بعد القرن الثالث عشر الميلادي ظهرت في إيطاليا بداية حركة إحياء للآداب اليونانية القديمة، وذلك بعد اطلاع النقاد والأدباء على كتب "أرسطو" في أصولها اليونانية وترجماتها العربية، التي نقلت عن طريق الأندلس وصقلية وبلاد الشام بعد الحروب الصليبية.
- ازدهر المذهب الكلاسيكي في الأدب والنقد بعد القرن السادس عشر والسابع عشر الميلادي.
الكلاسيكية الحديثة:
تطورت الكلاسيكية في الوقت الحاضر إلى ما أطلق عليه النقاد (Neoclassical) أو الكلاسيكية الحديثة، والتي حاولت أن تنظر إلى الأمور نظرة تجمع بين الموضوعية الجامدة للكلاسيكية القديمة والذاتية المتطرفة للرومانسية الجديدة.
وقد بدأت هذه المدرسة في الظهور على يد كل من "ت. س. اليوت" الكاتب والأديب الأمريكي، و"أ. أ. ريتشاردز" وغيرهم من النقاد المعاصرين.
الانتشار ومواقع النفوذ:
تعد فرنسا البلد الأم لأكثر المذاهب الأدبية والفكرية في أوروبا، ومنها المذهب الكلاسيكي، وفرنسا هي التي قننت المذهب ووضعت له الأسس والقواعد النابعة من الأصول اليونانية.
ثم انتشر المذهب في إيطاليا وبريطانيا وألمانيا على يد كبار الأدباء مثل "بوكاتشيو" و"شكسبير".
نظرة أعمق إلى الكلاسيكية:
مما لا ريب فيه أن الأدب العربي الحديث اتصل بالأدب الغربي قديمه وحديثه اتصالاً وثيقاً، وتأثر به تأثراً بالغاً قد يفوق تأثره بالأدب العربي القديم، كل ذلك عن طريق الاقتباس والتعريب والترجمة، وإطلاع الأدباء العرب على الأدب الغربي في لغاته الأصلية، ويظهر ذلك من استحداث فنون أدبية جديدة في أدبنا العربي الحديث، أخذناها من الأدب الغربي كالملاحم والمسرحيات الشعرية، والمسرحيات التراجيدية والكوميدية، وتقليد المذاهب الأدبية مثل الكلاسيكية، والرومانسية، والرمزية.
تجدر الإشارة إلى أن النهضة الأدبية الأوروبية سعت منذ بزوغها إلى استلهام الأدب الإغريقي واللاتيني، وتتبع منهجه وخطاه، واستغرقت في دراسة واستظهار آثار "أفلاطون" و"أرسطو" و"هوميروس" و"سوفوكليس" و"شيشرون" وغيرهم، وفي ظل هذه العناية الفائقة بآثار اليونان والرومان نشأ في أوروبا أول المذاهب الأدبية وهو المذهب الكلاسيكي، ولكن هذا المذهب لم يكتب له الذيوع والانتشار إلا مدة محدودة، إذ قامت في إيطاليا وألمانيا وإنجلترا انتفاضات على هذا التقليد، وتمرد على تلك التبعية لآثار الإغريق والرومان، وبخاصة إذا عرفنا أن هذه الأقطار وأقطاراً أخرى كانت تسعى نحو الاستقلال والوحدة، وتنشد أدباً ذاتيا يعبر عن آمالها وآلامها وأفراحها وأحزانها، وهذا أفضى بها إلى استحداث مذاهب أدبية جديدة غير الكلاسيكية، وهذه المذاهب نشأت نتيجة الحالات النفسية والأوضاع الاجتماعية التي سادت أوروبا.
الكلاسيكية أول مذهب أدبي، نشأ في أوروبا بعد الحركة العلمية والنهضة الأدبية التي سادت أوروبا إبان القرن الخامس عشر من الميلاد، وتعد فرنسا الموطن الأول الذي نشأت فيه الكلاسيكية، ونمت وترعرعت، ويحدد "لانسون" فترة وجودها في الأدب الفرنسي من عام 1549م حتى عام 1615م، ووضعت أصولها وقواعدها وأسسها حوالي عام 1630م، وذلك بظهور طائفة من زعماء هذه المدرسة من أمثال: "شابلان"، و"أسكديري"، والناقد "بوالو".
والكلاسيكية في معناها اللغوي مشتقة من الكلمة اللاتينية: "كلاسيس Classis، وتطلق في الأصل على مجموعة من السفن الحربية أو التجارية، أي "وحدة في الأسطول" ، كما تطلق أيضاً على: "الفصل الدراسي"، ويترجمها الأستاذ "أحمد حسن الزيات" بـــــــ: "الاتباعية"، ولعل في ترجمته لها شيئاً من التجوز، وبخاصة إذا عرفنا اشتقاقها اللغوي، ولكنها على أية حال أدق معنى وأصدق دلالة من تفسيرها بالقديم أو التليد.
وعندما ظهرت الحركة العلمية في أوروبا، وذلك بعد نزوح علماء بيزنطة وأدبائها إلى إيطاليا، حاملين معهم المخطوطات الإغريقية واللاتينية القديمة، أخذ الأوروبيون يعملون على نشر تلك المخطوطات ودراستها، واستنباط خصائصها وقواعدها تلك التي أكسبتها الخلود والبقاء، مستضيئين في ذلك بكتابي "أرسطو" المشهورين: "الخطابة" و"الشعر"، وبالقصيدة الطويلة للشاعر الروماني "هوراس" المسماة: "فن الشعر".
فالتراث اليوناني والروماني في الأدب والفن بصفة عامة هو القاعدة التي اتكأت عليها الكلاسيكية منذ نشأتها، ومنه استمدت أصولها ومبادئها، ولكن يجب أن لا يغرب عن البال أن الأصول النظرية التي وضعها "أرسطو" هي التي تعد في نظر الكثيرين أصل الكلاسيكية، ومن المعروف أن "أرسطو" لم يتطرق في كتابه: "الشعر"، إلا إلى الملاحم والدراما، واهتم بالأدب التمثيلي بفرعيه: التراجيديا، والكوميديا.
وبذهب بعض الباحثين بناء على هذا إلى أن أغلب الأصول الفنية التي تعصبت لها الكلاسيكية كانت في الواقع الأصول الخاصة بالدراما والتراجيديا، بحيث نستطيع أن نقول: إن أصول الكلاسيكية تنحصر في الأدب التمثيلي، وهو الأدب الذي انصرفت إليه جهود الكلاسيكيين، وتميزوا به، ومن الخير أن نشير إلى تلك الجهود اللغوية، ومن ثم الجهود الفلسفية التي ساعدت على تأصيل هذا المذهب واكتماله.
في القرن السادس عشر من الميلاد تألفت جماعة من شعراء فرنسا بزعامة الشاعر: "روتسار" المتوفى سنة1585م، أطلقت على نفسها جماعة: "الثريا"، وعملت على إحياء اللغة وتجديد أساليبها، ومحاكاة النماذج العالية من أدب اليونان والرومان، وأصدر الشاعر "دي بللي" أحد أعضائها كتابه "دفاع عن اللغة الفرنسية" عام1549م، هاجم فيه أولئك الذين يكتبون إلى الشعب الفرنسي باللاتينية، ويتجاهلون لغته التي تميزت معالمها، ونادى بالانصراف عن الموضوعات الشعرية التافهة، كالأدب الكنسي وأدب الفرسان، وضرورة الإقبال على الموضوعات الشعرية الجليلة التي أقبل عليها الإغريق والرومان.
ثم أتى بعده الشاعر "ماليرب" المتوفى سنة1628م، وكان له أثر بعيد في تهذيب اللغة وتطويرها، وامتاز شعره بالفخامة، والجزالة والرصانة، وإحكام النسج، واختار لشعره موضوعات جليلة ذات طابع إنساني، ولم يسمح لعاطفته الجياشة الفياضة أن تطغى على شعره، بل لاءم بينها وبين عقله، واستخف بما عمله "رونسان" وجماعته من الدعوة للأخذ باللغة الشعبية، وإغنائها بألفاظ جديدة، مبتكرة، أو مقتبسة.
والأدب عند "ماليرب" إلهام وصنعة وموهبة ومعاناة، وهو يرى أن لكل انفعال عاطفي أو نفسي وزنه ونبرته، وقد أعجب بهذه المعاني ورددها الشاعر والناقد الفرنسي "بوالو" المتوفى سنة1711م، في قصيدته الطويلة: "فن الشعر"، التي حاكى فيها "هوراس" في مطولته: "فن الشعر"، أو "خطاب إلى آل بيزون" ، وعلى هذا الأساس يمكن لنا أن نعد الشاعر "ماليرب" من رواد المذهب الكلاسيكي، في حين أن ما عمله "رونسار" وجماعته يعد في صميمه انشقاقاً على هذا المذهب.
ولو أن "رونسار" حاول أن يحيي فن الملاحم وهو جزء من تراث الإغريق الأدبي وذلك بإنشاء ملحمته المسامة "الفرنسياد"، التي يقص فيها البطولات وأعمال التضحيات التي أتى بها "فرانسوا" الأول في غزوه لإيطاليا، بسبب أن محاولته الملحمية تلك فشلت، بحيث لم تجد رواجاً بين الناس، حيث إن عصر الملاحم فيما يبدو كان قد ولى، الأمر الذي صرفه وصرف جماعته إلى الشعر الغنائي، والمناداة بأخذ لغة فرنسية جديدة مستقلة عن اللاتينية، ولا شك أن هذا بعيد كل البعد عن روح الكلاسيكية ومبادئها.
وفي سنة1634م أنشأ الكاردينال "دي ريشيليو" وزير الملك لويس الثالث عشر المجمع اللغوي الفرنسي، وقام هذا المجمع بوضع قاموس لغوي ترسم فيه خطوات الشاعر "ماليرب".
هذا عن الجهود اللغوية.
أما الجهود الفلسفية، فتتمثل في جهد فيلسوفين عظيمين، رسما للأدب بفلسفتهما اتجاهاته الفكرية ، بعده فنّا له في الحياة الإنسانية رسالة سامية، وآراء هذين الفيلسوفين تعد الوجه الحقيقي للكلاسيكية، وصنعت فلسفتهما وعاءً فكرياً نظرياً مجرداً لتحديد مسار هذا المذهب، والفيلسوفان هما "ديكارت" المتوفى سنة1650م، و"باسكال" المتوفى سنة1662م.
ففي سنة 1637م أصدر "ديكارت" كتاباً في الفلسفة بعنوان: "خطاب في المنهج"، وفيه يقرر عدم التسليم بشيء ما لم يوضع تحت مجهر العقل، فيفحصه ويتحقق من وجوده، وذهب أيضاً إلى أن العقل هو الموصل الوحيد إلى الخير والمعرفة، وما يرفضه العقل يجب علينا أن نرفضه، وهو في هذا يذهب مذهب المعتزلة، الذين يحكمون عقولهم فيما يعرض لهم، وهو صاحب المبدأ المشهور "أنا أفكر، فأنا إذا موجود"، ومبدأ "الشك أساس اليقين".
وإنصافاً للحقيقة التاريخية لابد من أن أشير إلى أن مبدأ "الشك أساس اليقين"، كان أحد المبادئ التي بنى عليها المعتزلة مذهبهم، وعنه صدرت ما أثر عنهم من مناظرات ومجادلات كما هو معروف في "علم الكلام"، وقد طبق "الجاحظ" هذا المبدأ تطبيقاً عملياً في كتابه المشهور "الحيوان"، وبه أخذ الدكتور "طه حسين" في دراسته للشعر الجاهلي.
فالعقل عند "ديكارت" يكبح أهواء النفوس، والنزعات الضارة، والإرادة تدفع إلى العمل الخير النافع، ولقد تأثر كثير من الأدباء في مناهجهم الأدبية بفلسفة ديكارت، ويرى النقاد أن ذلك ماثل بصفة خاصة في "مآسي كورني".
وكما اعتمد "ديكارت" على العقل، فإن "باسكال" اعتمد عليه أيضاً، فالعقل عنده نقطة البداية، كما أنه نقطة النهاية، ويبدو ذلك واضحاً في كتابيه "الريفيات" ، و"الأفكار"، وقد امتاز بأسلوب منطقي ساحر جذاب، وبخاصة في كتابه "الريفيات" وهذا ما جعل "فولتير" المتوفى سنة1778م، يثني على هذا الكتاب، ويصفه بأنه نموذج حي من سطوة المنطق، وحرارة العاطفة، وكان موضوعياً في كتاباته، يسعى إلى تمثيل الحق والخير والجمال، وهذا المذهب هو الذي قامت عليه الكلاسيكية، و"باسكال" في أدبه ينحو منحى "أرسطو اليوناني"، و"هوراس" الروماني، في حين أن الأدب يجب أن تتوافر فيه الفائدة واللذة الفنية.
ماذا عن الكلاسيكية من الناحية الفنية، ثم هل تقيد الكلاسيكيون بالموضوعات والأصول الفنية التي وضعوها؟ بالنسبة للأصول الفنية فيمكن إجمالها في النقاط التالية:
1 - محاكاة الأقدمين، وأول من أخذ بها الشاعر الفرنسي "رونسار".
2 - الاعتماد على الصنعة والإلهام معاً في الأدب والفن، لأن اعتماد الأديب على الموهبة وحدها يحرمه من الأصالة الفنية التي لا تتوافر إلا بالبحث المضني في أغوار النفس.
3 -الاعتراف بسلطان العقل الواعي، الهادئ المتزن الذي يكبح الغرائز والعواطف الثائرة.
4 - إلتزام الحيدة في محاكاة الطبيعة، وإنطاق أبطال المسرحيات بما يدور في خواطرهم وعقولهم.
5 - الاتجاه إلى الأدب الجماعي الإنساني، وعدم اشتغال الأديب بأحاسيسه الخاصة ومشاعره الذاتية.
6 - جودة الصياغة اللغوية، والحرص على فخامة الأسلوب وجزالته من غير تكلف، ولا زخرفة.
اتجاه الكلاسيكية نحو الأدب الموضوعي:
من المعروف أن الكلاسيكية اتجهت نحو الأدب الموضوعي، وهذا يشمل فيما يشمل القصة والمسرحية، ولكن لما كان اليونان والرومان لم يتركوا قصصاً، بل تركوا مسرحيات، فقد توافر الكلاسيكيون على الفن المسرحي يكتبونه شعراً، والتزموا بالاتجاه اليوناني والروماني القديم، من حيث الأصول العامة، والموضوعات وطريقة المعالجة، واختيار الشخصيات، بل لقد جمدوا من حيث بقاء مسرحياتهم على ما سموه "مشاكلة الحياة" ؛ لأن المسرح عندهم لا يعدو أن يكون مجهراً للحياة أو مرآة لها، وقد اقتضاهم ذلك أن يتوافر لمسرحياتهم ما سموه بالوحدات الثلاث: وحدة المكان، ووحدة الزمان، ووحدة الموضوع.
ولهذا فإن مسرحياتهم لا تتناول حياة شخصية بأكملها، بل تتناول أزمة محددة في حياة تلك الشخصية، وورثوا أيضاً عن الإغريق والرومان تقسيماً دقيقاً لفنون المسرح تقيدوا به والتزموه، ففنون المسرح عندهم تنقسم قسمين:
1 - التراجيديا: وهي المسرحية الجادة النبيلة التي تثير الشفقة والخوف، وأسلوبها سام رفيع، وشخصياتها من الملوك والأمراء، وعند اليونانيين القدامى كانت شخصياتها من الآلهة، وأنصاف الآلهة كما يزعمون.
2 - الكوميديا: وهي مسرحية هزلية تثير الضحك توضع للتسلية، أو للنقد السياسي والاجتماعي، أو لتصوير العيوب النفسية والاجتماعية ومحاولة إصلاحها، وشخصياتها تؤخذ غالباً من عامة الشعب.
ولكن هذا التقسيم الكلاسيكي، والتقيد به لم يدم طويلاً، بل أخذ في التضعضع، ثم في الانهيار بفعل تقدم الإنسانية، ونمو ثقافتها، وتغير أوضاعها الاجتماعية، وأنكر الأدباء والمفكرون على الكلاسيكية أن تلتزم في الفن المسرحي المأساة والملهاة فقط، واحتجوا بأن الحياة في صميمها ليست مأساة، وليست ملهاة، وإنما يبكي الناس ويضحكون في أزمات أو فترات طارئة، لذلك ربما وجدت مسرحيات لا تبلغ حد المأساة كما لا تبلغ حد الملهاة، لذلك نشأت ما أطلقوا عليه الدراما الدامعة، وهي بالطبع غير مفجعة، ولا محزنة، وما سموه أيضا بـــ (الماريغودية)، وهي تقوم على الدعابة المهذبة والنكتة اللطيفة.
وإن كان الأدباء لم يحطموا الكلاسيكية تحطيماً كاملاً، فإنهم توسعوا في موضوعاتها، ولم يتقيدوا بجميع أصولها، أما انهيارها وتحطمها وسقوطها، فحصل بعد ظهور الرومانسية، وذلك في القرن التاسع عشر الميلادي.
وقد ترددت في أدبنا العربي لفظة الكلاسيكية وكلاسيكي فيقال: هذا أدب كلاسيكي، أو هذا أديب أو شاعر كلاسيكي النزعة بمعنى أنه قديم، أو يسير على نهج القدماء ويترسم خطواتهم، وبذلك تنطبق لفظة الاتباعية على ما نعنيه في هذا المقام.
وإذا أخذنا بهذا التفسير، فيمكن لنا أن نعد جميع الشعراء العرب القدامى كلاسيكيين، ولكن في هذا الاعتبار شيء من عدم الدقة، إذ لا ينطبق هذا الحكم على أولئك الشعراء الذين حاولوا استحداث أوزان جديدة، أو لم يتقيدوا بما تقيد به العرب من مطالع القصائد، أو لم يحكموا عقولهم الهادئة المتزنة فيما ينظمونه من شعر، إذن فالقدم أو الحداثة لا يصلحان أبداً مقياساً نحكم بهما على هذا الشاعر بأنه كلاسيكي، أو غير كلاسيكي.
خصائص الكلاسيكية:
1- تقليد الأقدمين:
كان الأدباء قبل القرن السابع عشر ينظرون إلى قدماء اليونان واللاتين نظرة احترام، ويعدونهم أساتذة في الأجناس الأدبية كلها، هذا ما أكده "ماليرب" و"بلزاك" وكُتّابُ المأساة الكبار، وبلغ احترام القدماء والتعويل عليهم أقصى درجاته عند "راسين" و"لافونتين" و"بوالو، أما "موليير" فقد كان أكثر استقلالاً، ويرى "بوالو" أن تكوين الملكة العقلية الصحيحة لا يتم إلاّ بدراسة القدماء، لأنهم كانوا أقرب إلى الطبيعة، وحللوها بمزيد من البساطة، واستطاعت مؤلفاتهم التي أنجزوها في حضارتهم القديمة أن تصمد أمام الكثير من التغيرات السياسية والأخلاقية والفنّية، لأنها تحتوي على الكونيّ والإنسانيّ، حتى إن "لافونتين" يقول: "إنك إذا اخترت طريقاً آخر غير طريق القدماء فسوف تضلّ".
فبتقليد القدماء تستطيع مؤلفاتنا الاستمرار بالحياة في الأجيال القادمة، وإذا تأملنا معظم موضوعات "راسين" وجدناها مستقاة من القديم.
2- الاعتماد عل العقل فقط:
بالعقل نستطيع التمييز بين الحقيقي والمزيف، والنسبيّ والمطلق، والخاص والعام، والعقل هو الذي يمنعنا من أن ننساق وراء نزوات الخيال، ويبعدنا عن المبالغة في التعبير عن آلامنا وأفراحنا، والعقل أيضاً مرادفٌ للحسّ السليم تقريباً، فهو يعتمد في أحكامه على ما هو شاملٌ وبسيط في الطبيعة الإنسانية، من هنا غابت عن الأدب الكلاسيكي الغنائيةُ المعتمدةُ على الخيال والأحلام والعواطف القويّة.
3- إتقان الفن وصقله:
لا بد للكاتب الكلاسيكي من أن يتقن فنه ويصقله إلى درجة قصوى، مع مراعاة البساطة وعدم التكلف، فلا مجال في الكلاسيكية إلى الخروج عن القواعد.
والجمال الفني يعني العمل الجادّ والإخلاص فيه ومراجعته بالتهذيب والتنقيح، دون تجاوز القواعد ودون الوقوع فيما يسيء إلى الموهبة، وفن التراجيديا الكلاسيكية التي تمسكت بنظرية الأجناس والوحدات الثّلاث إطاراً للإبداع أوضحُ مثالٍ على ذلك.
4- التعويل على الحقيقة والابتعاد عن الخيال:
وذلك بالاقتراب من الواقع والابتعاد عن نزوات الخيال، فالحقيقيّ وحده هو الجميل، وهو الطبيعيّ والممتع والمحبوب، والأدب الكلاسيكي سيكولوجي لأنه يهتم بداخل الإنسان، والغاية من هذه السيكولوجية تتجلَّى في البحث عن الملامح المشتركة التي يلتقي حولها البشر في كلّ العصور.
ومع ذلك لا ينفي الناقد "بوالو" الاهتمام بتصوير الطبيعة الخارجية تصويراً بديعاً، ولما كانَ هدف الشعر عنده ليس التثقيف والتعليم، بل الإمتاع، فالطبيعة وحدها هي الشيء الممتع، وكل مصطنعٍ مَقيت.
5- وجود القيم الأخلاقية في النص الأدبي:
لا يُطْلَبُ الجمالُ الفنيُّ لذاته أو لتحقيق الإمتاع فقط، بل لا بد معه من مثال أخلاقي وروحيّ يسمو بالإنسان إلى حال أفضل، فالجمال والخير صنوان لا يفترقان، لذلك يجب أن يجتمع الإنسانيُّ والأخلاقيُّ في النص الأدبي، والفصاحة هبة من الله تعالى يجب أن تستخدم في حث الإنسان على فعل الخير.
من هذا المنطلق عالج الكُتَّابُ الكلاسيكيون في أدبهم الأحوال الإنسانية كالحُبّ والبغض والهوى والغيرة والعقل والواجب والعاطفة والرياء، وبالتالي اتضح في الكلاسيكية اتجاه عام في الشعر والنثر على السواء يهدف إلى صياغة مثالٍ جماليٍّ وأخلاقي موحّد.
6- التعبير باللغة المحلية:
عزف رواد الكلاسيكية الأوائل عن الكتابة باللاتينية، وأصروا على الكتابة باللغة المحلية، وعملوا على إغنائها بالمفردات بطرائق مختلفة، حتى أصبحت لغة غنية قادرة على التعبير عن كل المقاصد.
ولكن هذه اللغة المحلية تختلف من كاتب إلى آخر، فلكل كاتب شخصيته اللغوية الخاصة. أما الأسلوب فقد تخلّص من النحو اللاتيني وأصبح يتحلى بالوضوح والبساطة مع التنقيح والتهذيب، لكنه لم يتدنَّ إلى المستوى العامّي.
7- أن لا يقحم الأديب شخصيته مباشرة في النص:
لا يعبر الأديب عن آرائه ومشاعره مباشرة، بل يتبع النهج التعليمي أو الدراميّ، حتى إن الذات تبدو كأنها غائبة، ويبقى التعبير من خارج الذات أو من اتحاد الذات بالموضوع، فشخوص المسرحية هي التي تتكلم وتعبر عن مقاصد الأديب بطريقة غير مباشرة، ومع ذلك فإنَّ الذات لا تغيب تماماً، بل قد تظهر من خلال الأشخاص، فكثيراً ما كانت أعمال "موليير" و"راسين" و"بوسوييه" و"كورنيي" تعبر عن ذواتهم.
8- التركيز على النفس الإنسانية:
انطلق الأدباء من النفس الإنسانية واتجهوا إليها، فالملهاة راحت تصوّر مهازل المجتمع ونقائصه بأسلوبها الممتع بهدف حماية المجتمع وإصلاحه، وركز الشعر الغنائي على أحوال المجتمع مع إبداء شيءٍ من الاهتمام بالشؤون الفردية، وحظيت الخطابة بإقبال كبير من الجمهور، وكان لها أكبر الأثر فيه.
أما الحكاية والرواية فقد اقتربتا من المثالية والمعالجة النفسيّة وركزتا على القيم الأخلاقية، وقد اهتمت هذه الأنواع كلّها بالأحوال المشتركة والأخلاق العامة وابتعدت عن الأحوال شديدة الخصوصيّة أو النادرة، يقول "بيير جانيه": إن أدبنا الكلاسيكي أدبٌ إنساني مطلقاً، نشأ من الإنسانيّ وتوجّه لتلبية حاجات الإنسان.
موقف الإسلامية من الكلاسّيكية:
ارتبط المذهب الكلاسيكي بالنظرة اليونانية الوثنية، وحمل كل تصوراتها وأفكارها وأخلاقها وعاداتها وتقاليدها، والأدب اليوناني ارتبط بالوثنية في جميع الأجناس الأدبية من نقد أدبي وأسطورة إلى شعر ومسرح.
ثم جاء الرومان واقتبسوا جميع القيم الأدبية اليونانية وما تحويه من عقائد وأفكار وثنية، وجاءت النصرانية وحاربت هذه القيم باعتبارها قيماً وثنية، وحاولت أن تصبغ الأدب في عصرها بالطابع النصراني، وتستمد قيمها من الإنجيل إلاَّ أنها أخفقت، وذلك لقوة الأصول اليونانية، وبسبب التحريف الذي أصابها.
وبعد القرن الثالث عشر الميلادي ظهرت في إيطاليا بداية حركة إحياء للآداب اليونانية القديمة، وذلك بعد إطلاع النقاد والأدباء على كتب "أرسطو" في أصولها اليونانية وترجماتها العربية، التي نقلت عن طريق الأندلس وصقلية وبلاد الشام بعد الحروب الصليبية.
إن الكلاسيكية مذهب أدبي يقول عنه أتباعه: إنه يبلور المثل الإنسانية الثابتة كالحق والخير والجمال، ويهدف إلى العناية بأسلوب الكتابة وفصاحة اللغة وربط الأدب بالمبادئ الأخلاقية.
ويُعَدُّ "شكسبير" رائدَ المدرسة الكلاسيكية في عصره، ولكن المذهب الكلاسيكي الحديث ينسب إلى المدرسة الفرنسية، حيث تبناه الناقد الفرنسي "نيكولا بوالو" في كتابه الشهير "علم الأدب".
ويقوم المذهب الكلاسيكي الحديث على أفكار مهمة، منها تقليد الأدب اليوناني والروماني في بعض الاتجاهات، واعتبار العقل هو الأساس والمعيار لفلسفة الجمال في الأدب، فضلاً عن جعل الأدب للصفوة المثقفة وليس لسواد الشعب، مع الاهتمام بالشكل والأسلوب وما يستتبع ذلك من جمال التعبير، على نحو تتحقق معه فكرة تحليل النفس البشرية والكشف عن أسرارها بأسلوب بارع ودقيق وموضوعي.
ومن أهم الجوانب التي تستحق التعليق في الكلاسيكية أنها تعلي من قدر الأدبين اليوناني والروماني مع ارتباطهما بالتصورات الوثنية، ورغم ما فيهما من تصوير بارع للعواطف الإنسانية فإن اهتماماتهما توجه بالدرجة الأولى إلى الطبقات العليا من المجتمع وربما تبع ذلك الانصراف عن الاهتمام بالمشكلات الاجتماعية والسياسية.
*******************************************
المصادر:
1 - الأدب ومذاهبه، تأليف: محمد مندور. الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر سنة 2006م.
2 - معالم في النقد الأدبي، تأليف: مصطفى الصاوي الجويني. الناشر: منشأة المعارف بالإسكندرية سنة 1998م.
3 - الإسلامية والمذاهب الأدبية، تأليف: نجيب الكيلاني. الناشر: الشركة المتحدة للنشر والتوزيع سنة 1987م.
4 - تاريخ الأدب العربي، تأليف: أحمد حسن الزيات. الناشر: دار الشرق العربي سنة 2006م. 5 - نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد، تأليف: عبد الرحمن رأفت الباشا. الناشر: دار الأدب الإسلامي للنشر والتوزيع سنة 2004م.
6- فلسفة الحداثة الليبرالية الكلاسيكية من هوبز إلى كانط، تأليف: صالح مصباح. الناشر: جداول للطباعة والنشر والتوزيع سنة 2011م.
7- 7- المذاهب الأدبية الكبرى في فرنسا، تأليف: فيليب فان تيغيم، ترجمة: فريد أنطونيوس. الناشر: عويدات للنشر والطباعة سنة 1986م.
8- الكلاسيكية، تأليف: محمد مندور. الناشر: دار الكتب الحديثة.
9- موقع الألوكة على شبكة الإنترنت.
10- ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
مقال ممتاز ولكن لكي افهمه على أن اقرأه أكثر من مره
بخصوص كلمة كلاسيس Classis وتكتب classes هذه الكلمة ليس معناها أسطول من السفن
بل تعني نوعية معنية من السفن ذات صفات واحده أما كلمة أسطول فيطلق عليها فليت fleet