• ×

07:32 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

الكشف عن معاني الحروف المفردةفي القرآن ـ6

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الكشف عن معاني الحروف المفردة في القرآن ـ6

بحث الأستاذ/ عبده سليمان الفيفي ..
(
الحلقة السادسة
)

الحمد لله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدا , وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث بالهدى , وآله الطيبين الطاهرين أُلِي النهى . وبعد
فلا زلنا أيها الأحبة في تتبع معنى يس وقبل أن نمضي في استكمال ما قد بدأناه , أود التذكير بالمقدمة - والتنبيه إلى ما فاتني هناك ثم نسخها مقدمة لكل حلقة ؛ ليتسنى لمن قرأ أي حلقة فهم ما يدور حوله الحديث , والهدف الذي نسعى إليه . وهو إثبات ما يلي :
يس (1) كلمة مركبة من اسمي حرفين هما الياء والسين .- (والمركب : هو ما أريد بتركيبه معنىً لا يقوم به جزءه (1) ) وأن هذا التركيب معنويا تاما , وذكرنا أنها تـُقرأ ( ياسين ) بالتسهيل . و(ياءْ سين) بسكتة لطيفة على الياء دون تنفس , وقد تدغم النون في واو القسم ,وذكرنا سر القراءتين , وأنها على معناها المعروف من اليأس . واستقلت بآية لتمام معناها كما أن إطلاقها اسما للسورة فيه إشارة إلى أنه أحدث لهم أسما جديدا ينطبق عليه ما ينطبق على أمثاله من الأسماء المركبة . واستهل بها السورة , وهذا ما يسمى في علم البلاغة ( براعة الاستهلال ) فخرج بالكلمة عن جمع المذكر السالم (يائِسين) المنصوب - والذي لا يحسن أن يكون مبتدأً ولا خبرا مقدماً . كما أنه محدود المعنى , طويل المبنى - إلى كلمة جديدة قصيرة المبنى عظيمة المعنى لا تتجاوز حرفين كن فيكون , فالمعنى الذي نحن بصدده أعم ينطبق على ما تضمنته السورة . من القرآن الحكم , إلى آخر ما تضمنته السورة من معنى اليأس .
وبما أن الحكيم جل جلاله قد أعاد تركيب الكلمة فعدل عن التركيب الهجائي للحرف إلى التركيب الاسمي ؛ فبدلا من تركيب من ( يـَ , اْ , ئِـ , سـِ ,يـْ , ن ) أصبحت (يس), فألبس الكلمة ثوبا جديدا في الرسم والصوت - بما لم ولن تعهد الإنس والجن مثله قبله أو بعده - فقد صحح كذلك بعض المفاهيم حول هذا المعنى وأقر وأضاف وأحدث , كما صحح في الرسم والصوت , وقد بيناه سابقا.

وكنا قد انتهينا في الحلقة السابقة عند قوله تعالى -: إنا نحن نحيي الموتى....الآية) وفي ما يلي
يأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يضرب لهم ولمن بَلَغَ - مثلا مشابها ليعتبر به من اعتبر. وما دام أن الله هو القائل فلن يحده قانون الزمان والمكان والحياة والموت والغيب والشهادة .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)
ويأس القوم ظاهر جلي , فثلاثة رسل وثلاث مؤكدات ( ربنا يعلم , إنا , اللام ) ورجل بعد الرسل ناصح نموذج صالح مُتَّبِعٌ لكل ما تضمنته الرسالة , لكنهم استمروا على عنادهم وجمودهم ولم يتَّعِظوا بوعظ الرسل بل أسرفوا في التحدي والعناد فتطيروا برسلهم وتشاءموا منهم وتوعدوهم بالرجم والعذاب الأليم . فأنهى الحوار في سبع آيات , والنار لها سبعة أبواب وتأمل عند الآية ( 19) و(عليها تسعة عشر) اللهم لا يجعلنا مع القوم الظالمين .
ثم ينقلنا الى قصة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى عَلَّهُ يتدارك القوم ولكن هيهات فهم كهؤلاء يائسين , فمضى في قصة الرجل حتى بعد موته ودخوله الجنة في ثمان آيات , وكذلك الجنة لها ثمانية أبواب, وانتهى عند الآية (27) وهو ما تَفـْضُلُ به صلاةُ الجماعةِ صلاةَ الفردِ .وكأنه وإن كان فردا فقد نال بسعيه فضل الجماعة , فنجا بمفرده وهلكت الجماعة . لأن الله عز وجل - لا يضيع أجر من أحسن عملا .
ولو زدنا التأمل والتدقيق في هذه الآيات لما زادت إلا تدفقا ولأمطرت علينا من الروائع ما تحيي به جدب قلوبنا .
((وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) ))
إنه يصور لهم ذلك المستقبل المشرق لأتباع الرسل . وذلك النعيم وتلك الكرامة التي يحيون فيها بعد الموت , فمع أنه كان بمفرده والقوم قومه ,ومن أقصى المدينة أي من الطبقة المتوسطة أو المستضعفة - فقد جرت السنن الاجتماعية أن تكون عِلـْيَة القوم في قلب المجتمع وحصنه المُمتـَنِع تجرد للحق من تلك الروابط والأمر صعب ولكن الثمن يستحق التضحية .فصفى قلبه وانطلق يسعى وينذر.
ستظل هذه الصورة تلمع في أذهان المستهدفين من الخطاب فهي النافذة التي سوف ينفذون منها إلى ذلك النور , فيستضيئون به ويضيئون, وبالفعل فقد كان منهم قادة ودعاة , نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يجمعنا بهم في الفردوس الأعلى .
وبعد أن بذر هذه القيم في قلوبهم سيسقيها بوابل من الآيات المباركات لكي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها . وقبل ذلك سيعود بنا إلى مصير القوم في صيغة وسياق يبين هوان الأمر عليه جل وعلا- وأن ذلك لم يكلفه سوى كن , فأهلكهم بصيحة واحدة .
قال تعالى - : (( وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين 28 إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون 29 يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون 30 )) وهل يُتـَحسَّر إلا على من قد انقطع أمله في النجاة يس (1) ! كما أن في أسلوب التحسر هذا إشارة إلى خطورة الاستهزاء بالرسل عليهم السلام وإلا فالله عز وجل لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعة . قال تعالى - :( ولئن سألتهم ليقـُولـُنَّ إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون 65 لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ... الآية) والقصة بتصرف أن المنافقين جلسوا في الطريق وهم في إحدى الغزوات مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحدثون فقالوا ما رأينا كقرائنا أكبر بطونا ولا أجبن عند اللقاء . فنهض أحد المؤمنين عندما سمع ذلك وقال لأخبرن رسول الله بهذا فما وصل عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - إلا وقد نزلت الآيات فجاءه أحدهم وقد ركب صلى الله عليه وآله وسلم -ناقته ومضى . يقول الراوي : فكأني بفلان آخذٌ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم - والحجارة تـَنـْكبُ من قدميه وهو يقول : إنما كنا نخوض ونلعب يا رسول الله, . و رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم يردد ( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم . )ثم نزلت بعد ذلك ( إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) . فالتحسر على المستهزئين بالرسل فيه أشارة إلى خطورته , والله أعلم .
ثم إن في أسلوب التحسر هذا مواساة لأقارب الذين حق عليهم القول واستمالة لهم.
(( ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون وإن كل لما جميع لدينا محضرون )) فهم يائسين من الرجوع وإصلاح العمل . إذا فليتدارك نفسه من أمهله الله ولا يغتر بقبيلته وقرابته - فكل في فلك يسبحون - وتلك الروابط مؤقتة إذا لم يكن رأسها رابط الإيمان بالله ورسوله .( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ). نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه .
والى لقاء يجمعنا مع قوله - تعالى - : ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ) حاملين معنا هذا المفتاح ( يس) ومعناه في تلك الآيات إن شاء الله . أستودعكم الله .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .

-------------------------------------------------------------------------------------
(1)التعريف بتصرف لأن الوارد في كتاب ( التعريفات -المكتبة الشاملة ) لم تتوفر فيه شروط التعريف الجيد كلها ( جامع مانع مختصر )

 2  0  1108
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:32 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.