• ×

09:39 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

قراءات = قرارات ...

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
,, قَرّروا في الجلسة الاولى بأن
يصلوا ما مات بالأمس انقطاعا
ان يشيدوا الليل ايواناً وان
ينجروا الايام باباً وصواعا,.
وارتأوا الا تدور الارض، أن
تلبس الشمس ازارا وقناعا
ان يعيروا الاطلسي كوفيةً
ان يزيدوا قامة التمساح باعا
ان يحيلوا الغيم قاعاً صفصفا
كي يموت البرق جوعا والتياعا
ان يبيعوا العصر كي يسترجعوا
زمنا من قبل ان يلقوه ضاعا,.
ألزموا الريح تهبُّ القهقرى
أوقفوا الانهار، أضنوها انصياعا
ولأمن البحر من تلغيمه
قرروا: ان يستحيل البحر قاعا ,.
(ع, البردوني)
***
وما ضلال القرارات الا بضلال القراءات في النصوص او في واقع الحياة وعبدالله البردوني يقرأ بأذنيه ما لا يقرأه غيره بأذنيه وعينيه ويديه ورجليه، فليس العيب في اداة القراءة وانما العيب كل العيب في عملية الترجمة الذهنية لما يصل عبر قنوات الادراك فرادى او مجتمعة.
والترجمة خيانة، كما قال الطليان، وهي للشعر تعدٍّ على روح امة ومزاج لغة متماهية بأنفاس شعبها ورصد تجاربه الجمعية، كما المح (الجاحظ)، من قبل.
فاذا اجتمعت معوقات الترجمة بمفهومها اللغوي(من لغة الى لغة) والترجمة بمفهومها الفيسيولجي ثم كانت مادة الترجمة شعرا، فحدِّث ولا حرج عن حال النتائج والاستنتاجات.
تلك - فيما نرى - بعض منغصات القراءات العميقة والرائعة حقّاً في الشعر العربي التي قدمتها (البروفيسورة - سوزان بينكني ستيتكيفتش) استاذة الادب العربي ولغات الشرق الادنى وثقافته بجامعة ولاية انديانا، بلومنجتون، بالولايات المتحدة الامريكية, مضافاً اليها الشغف - حد الهوس - بتطبيق نماذج انسانية عليا على القصيدة العربية: (طقوس العبور - طقوس التضحية - الفداء - الاحتفال,, الخ) من جاهز انجازات الباحثين والانثربولوجيين.
وهو منهج مسلّم لا شية فيه ، ما استخدم وسيلة لقراءة النص، لا غاية تلتمس لها النصوص وتعتسف من اجلها العلاقات المتخرصة التي لا تسندها قرائن لها صفة العلمية، بل ربما رفضتها - او بعضها - اشارات النص نفسه ونسيج بنائه الداخلي وسياقاته الخارجية.
ومن ثَمّ يظل الادب خادما لحقل معرفي آخر لا مخدوما، ووسيلة لا غاية، وشاهداً لا مشهودا، وبالجملة يستحيل من متن معرفي الى هامش على متن معرفي آخر، فاذا نحن ننتهي من التفسير النفسي للادب، ثم التحليل الاجتماعي والطبقي للادب، الى القراءات الميثولوجية الانثربولوجية للادب,, وهلم جرا: كلما ظهر في الدنيا علم من العلوم الانسانية عُلّق الأدب بأذنابه.
هل يعني هذا ترك الافادة من تلك الحقول المعرفية في درس الادب؟,, قطعا لا!,, لكن فرق بين اضاءة نص وبين مسخه فراشات تترمد في وهج الاضواء.
وفي وقفة جزئية دالّة اشير في المساق 126 الى ما ذهبت اليه ستيتكيفيتش في قصيدة علقمة المعلّقة (المفضليات: قصيدة 119) حين فهمتها فهما خاصّا لكي تفضي من وراء ذلك الى فكرة التضحية والسفك الشعائري للدماء في طلب الخصب والحياة للبطل - فراحت تستقرىء النص لأجل ذلك على نحو لا يتساوق ومنطق الضمائر فيه، كما يفهمها القارىء العربي، فقالت عن الابيات التالية في مدح الحارث بن جبلة الغساني، والمسمى الحارث بن ابي شمّر، وذكر قتاله الثأري للمناذرة (يوم حليمة: 554م):
27- فقا تلتهتَ(هم) حتى اتقوك بكبش(هم)
وقد حان من شمس النهار غروبُ
28- تخشخش ابدان الحديد علي(هم)
كما خشخشت يبس الحصاد جنوبُ
29- وقاتل من غسان اهل حفاظها
وهنب وقاس جالدت وشبيبُ
30- كأن رجال الأوس تحت لبانه
وما جمعت جل معاً وعتيبُ
31- رغا فوق(هم) سقب السماء، فداحضٌ
بشكّته لم يستلب وسليبُ
32- كأن(هم) صابت علي(هم) سحابةٌ
صواعقها لطيرهن دبيبُ:
33- فلم تنج إلا شطبة بلجامها
والا طمر كالقناة نجيبُ
34- والا كميّ ذو حفاظ كأنه
بما ابتل من حد الظبات خضيبُ
35- وانت الذي آثاره في عدوه
من البؤس والنعمى لهنّ ندوب,.
- وقد خدعتها استطرادية القصيدة الجاهلية المألوفة، فظنّت الاشارة الى آثار الحارث في عَدُوِّه المتجسد في خضاب الكمي الناجي من جيش المناذرة (البيت 33 - 34) اشارة الى الكميّ البطل (الذي هو الملك الحارث الغساني نفسه! (الذي قاتلهم في البيت 27): ولذا (تقول سوزان) نجد الكمي البطل (الذي هو الملك الحارث - كذا!) في البيت 34 وقد خضبت يديه الدماء السائلة على حد السيف مثل خضاب الحنّاء، ولما كان تخضيب اليدين بالحناء من شعائر الزواج نستطيع ان نرى في هذه الصورة الجمع بين بعث الحيوية والخصب، عن طريق سفك الدماء في الحرب من ناحية والخضب والاحياء عن طريق الزواج وانجاب الاولاد من ناحية اخرى او - في عبارة اخرى وكما نرى في الجماع المقدس في الطقوس الموسمية - يفهم فض بكارة العروس بأنه نوع من التضحية بالدم من اجل انتاج حياة جديدة(!),, (ص71).
توغل في هذه القراءة الوهمية لانها حين رأت الابيات تبدأ بخطاب الملك الغساني الحارث (فقاتلتهم,,) وتنتهي بخطابه (وانت الذي,,، فهمت ان الضمائر فيما بين ذلك من ابيات (31 - 34) ترجع الى الممدوح وقومه الغساسنة على الرغم من ان سياق ابيات علقمة واضح الدلالة على ان مراجع الضمائر الى اعدائهم المناذرة، وان الكمي المخضب ليس بسوى المنهزم الفار من جيش المناذرة، بعد ان رغا فوقهم سقب السماء بشؤمه، فهلكوا كما هلكت ثمود قوم صالح، فلم ينج بجلده من المعركة والموت منهم الا كميّ مخضب بدمه، في حالة هو فيها كالميت انهزاما، وعليه لا تستقيم قراءاتها الطقوسية.
اذ لا طقس وراء الصورة هاهنا ولا خصب ولا تضحية ولا حياة - ناهيك عن ان يصح عرس وجماع - اللهم الا بتأول جامح لم تتأوله هي نفسها وما كانت!,.
ومهما يكن من هذا المنزلق الطريف، فليس يغض من تلك القيمة القرائية الموازية المثرية لنص معلقة علقمة مع ما لم تخل منه من مثل هذا التعسف المنهجي والقرائي.

*آداب جامعة الملك سعود - قسم اللغة العربية

بواسطة : faifaonline.net
 0  0  2140
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:39 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.