• ×

07:05 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

نظرات في اللغة الفيفية -1-

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
نظرات في اللغة الفيفية

بقلم : الأستاذ/عبدالله بن علي قاسم الفيفي


الحمد لله القائل ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)
) والصلاة والسلام على أفصح البشر وأفضلهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد :
تمر بالواحد منا في بعض ساعات الصفاء الذهني، كلمات يحس أنها ليست غريبة عليه ،فهو يفهمها لتجذرها في عقله الباطن ووجدانه، فقد استخدمها وكررها في مواقف كثيرة ومتعددة، ولكنه يمر بها مرور عابرا لا يكاد يدرك ذلك، فإذا بها تطرق سمعه في تلك اللحظة، فيشعر بعمقها وأصالتها في لغته الدارجة، ولكنه نسيها وهجرها واستبدلها بكلمات أخرى وافدة على بيئته، ولكن مازال يحس أن هذه الكلمات البديلة لا تعطيه المعنى الذي يرغبه، ولا تستوعب كلما يود التعبير عنه، وقد يجد نفسه أحيانا ولاشعوريا ينطق ببعض الكلمات المختزنة في أعماق وجدانه، فيرتاح لها فإذا ما تمعن فيها وجدها كلمات فصيحة، لها أصولها وجذورها واشتقاقاتها، ولها شواهدها في القرآن الكريم ،وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي الشعر العربي القديم، فيشعر بفخر وراحة نفسية عظيمة لذلك، وقد يسجلها ليعود إليها عند الحاجة، أو قد يكون في وقت ومكان لا يسمح له بذلك، فيعزم على الاحتفاظ بها في ذاكرته حتى تتاح له الفرصة المناسبة لكتابتها، ثم يجد انه بعد قليل قد نسيها، فيجهد نفسه في تذكرها وقد يظفر بشيء من ذلك وقد لا يستطيع، فإذا فقدها تحسف وندم على تفريطه، وتبقى تشغله وتعكر عليه مزاجه، وقد يونب نفسه لتفريطه في عدم كتابتها في وقتها، فإذا ما تذكر شيئا من ذلك، أو تهيأت له الفرصة فسجل ما سجل منها ،ثم عاد إلى معاجم اللغة وقواميسها، وجدها كلمات فصيحة لها الكثير من الشواهد كما أسلفنا .
معظم الكلمات التي درجنا على التحدث بها في صغرنا، تلقيناها من أهلنا في فيفاء وما جاورها، وكانوا يتحدثونها سليقة، فهي في معظمها كلمات عربية فصيحة، توارثوها ونشؤوا عليها لأنهم عرب خلص ، يقول عنهم الدكتور سعيد الشربيني عالم اللغة الكونية بعد زيارته لفيفاء، ليتأكد من اللغة التي يتكلمون بها، لأنه نمي إليه أنهم يتحدثون لغة غير مفهومة وليست من اللغة العربية في شيء، فقال (لقد لقيت عربا خلصا لغة وشكلا وأخلاقا وكرما ) فاللغة كما نعرف توخذ بالمشافهة والتلقي،وكان التلقي قاصر على الوالدين والأهل فقط ،ولكن في عصرنا الحاضر اختلف الوضع، ليس في بيئتنا وحدها ولكن في جميع أنحاء العالم،فهذا العصر مختلف بالكلية، فقد طالنا الكثير من التغيير والاختلاف في لغتنا وجميع نواحي حياتنا ، بسبب التواصل والاختلاط مع الآخرين، وتوفر وسائل الاتصالات الحديثة، من أعلام مرئي ومسموع ومقروء، فتغير اللسان ومصادر التلقي ففقدنا الكثير من اللسان الفصيح الذي كنا نتحدثه، وتبلبلت ألسنتنا ، بل إن معظم من كان يجيد هذا اللسان فقد أكثره ، لعدم استخدامه والتخاطب به حتى نسيه ،فمعظمنا لم يعد يجد من يفهم عليه الكثير من تلك الكلمات الشائعة والتسميات الدارجة ، وبالذات من الأجيال الحديثة، وهذا ينذر بأنها في طريقها للاندثار، فتضيع للأبد إن لم نرصدها ونسجلها وما زلنا نجدها في مجتمعاتنا ،وهي مهمة لكل من يقدر ولديه الاستطاعة.
هذه الحلقات المتتابعة بمشيئة الله من هذا القبيل ، رصدتها تحت عنوان ( نظرات في اللغة الفيفية) سبق ونشرت معظمها وما زلت في ملتقى (أبناء خولان بن عامر) وقد لاقت قبولا من كثير ممن اطلع عليها، وتجاوبا سرني وشجعني على البحث والمواصلة في تجميع الكثير من هذه الكلمات التي كادت تضيع وتضمحل لدى الكثير، وقد رغب لدي بعض من الاخوة والأبناء في نشر هذه الحلقات عبر هذه الصحيفة المتألقة (فيفاء أون لاين) التي شهادتي فيها مجروحة، لفرط إعجابي وحبي لها، لما تقدمه من خدمة وتواصل يهم كل أبناء فيفاء، بارك الله في القائمين عليها ووفقهم ،إن ما دعاني وشجعني على إعادة نشرها هنا هو رغبة إدارة فيفاء أون لاين والولد البار (بدر بن عبد الله) لتعم الفائدة ..
أرجو من الله التوفيق، وأرجو أن تلاقي القبول والتفاعل من الاخوة القراء، وتكون سببا لاستثارة الهمم من أصحاب الاختصاص، ممن لديهم الهمة والنشاط ، لعلنا نتدارك شيئا من تراثنا ولغتنا التي يجب أن نعتز ونفخر بها،ونسعى بفضل الله إلى أن نورثها لأبنائنا وأجيالنا القادمة ، لذلك ومن هذا المنطلق يسعدني ويشرفني أن أقول وبالله التوفيق والسداد :


إن اللغة هي أداة التواصل بين البشر، وآلتها اللسان والشفتان ،التي امتن الله بهما على الإنسان، بقوله تعالى ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9)) ،والإنسان بطبعه اجتماعي لابد له أن يتواصل مع من حوله، حتى ولو مع الحيوانات والجماد، إن لم يجد أخيه الإنسان، فان لم يستطع التواصل بلغة الكلام، فبالإشارة أو الرسم أو أي وسيلة أخرى.
واللغة العربية من أقدم اللغات،بل هي أمها ومصدرها، فكل لغات العالم انحدرت وتجذرت منها، كما ثبت ذلك علميا وبحثيا،بعد استخدام الكثير من الوسائل والأجهزة الحديثة ، بل سميت اللغة العربية (اللغة الأم) ، وخصص لها كرسي في جامعة لندن البريطانية بهذا الاسم ،وقد أكد ذلك عضو هذا الكرسي عالم اللغة الكونية الاستاذ الدكتور/سعيد الشربيني (وفقه الله) ذلك وما زالت اللغة العربية هي أفصح اللغات وأغزرها كلمات ومعان واشتقاق ،لغة معبرة تفي بغرض المتحدث ، وقد تكفل الله بحفظها،حين تكفل بحفظ القرآن الكريم الذي نزل (بلسان عربي مبين) ،وكانت حين بعث الله الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الكتاب المحكم ، قد بلغت أوج قوتها وقمة فصاحتها ،ولذلك كان مكمن التحدي لأهلها فيها ،فالله انزل القرآن الكريم بها دليل على إعجازه، وصدق المرسل به، فالله سبحانه وتعالى تحدى كل امة بما اشتهرت به ومهرت فيه، فاليهود وقد اشتهر عصرهم بالسحر، أعطى الله موسى عليه السلام العصا معجزة تلجمهم الحجة لعجزهم عن مقارعتها، وعندما بعث الله عيسى عليه السلام، كان في عصره الطب منتشراً فتحداهم الله بان جعل عيسى عليه السلام ، يبرى الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ، وأما محمد النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، فبعث وقد بلغت اللغة العربية في قومه أعلى درجات الكمال والفصاحة، فأتاهم بما عجزوا عن الإتيان بمثله، أو بعشر سور أو سورة واحدة من اقصره.
كان العرب قبل الإسلام كما أسلفنا ،قد بلغوا القمة في اللغة والفصاحة، وأصبح لها شان عظيم في حياتهم، فأقاموا الأسواق الدورية يتبارون فيها شعرا وخطابة وفصاحة، كسوق عكاظ، وذا المجاز، وذا المجنة، وغيرها،وكانت قريش الذروة فيهم، لمكانتها الاجتماعية والدينية والتجارية،فأولت اللغة اهتماما عظيما، حتى أنهم يحرصون على أن يتقنها أبنائهم صغاراً، فكانوا يرسلونهم ويسترضعونهم في البادية، أهل اللسان النقي الفصيح،الذي لم يخالطه غريب،ولم تدنسه عجمة ،لأجل أن يكتسبوا أصول اللغة وفنونها، وما قصة استرضاع النبي صلى الله عليه وسلم في بني سعد بن بكر إلا من هذا القبيل .
ولذلك حكاية سنستكملها بمشيئة الله في حلقة قادمة ــ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،


أخوكم /عبد الله بن علي قاسم الفيفي

بواسطة : faifaonline.net
 16  0  3876
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:05 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.