• ×

07:03 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

انتهاء عام هجري ودخول آخر

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
انتهاء عام هجري ودخول آخر


بقلم الأستاذ/ عبد الله بن علي قاسم الفيفي

الحمد لله رب العالمين القائل في محكم التنزيل ( خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى الا هو العزيز الغفار) واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى اله صحبه وسلم تسليما كثيرا ـ أما بعد :
هانحن اليوم نخطو إلى أول عام هجري جديد، ما أسرع مرور الأيام، وما أسرع انقضاء العمر والآجال ،كثير من الناس يستعجل انقضاء الأيام ويشكو الملل لطولها، و يبحث عن الملهيات لكي يقطعها، والوقت إنما يسير على وتيرة واحدة لا تتغير ،ولكن الملهيات عندما تستحوذ على التفكير فتشغله عن النظر والتفكير في جريان الوقت ،فلا يدري إلا وقد مضى من بين يديه ، ولكنه في حقيقته يضحك على نفسه ويغرها ،فهو كطفل غابت عنه أمه وافتقدها ، فلما ابتدأ يصيح ويسال عنها أحضرت له بعض الألعاب والحلويات لتشغله بها عن حاضره، فيمضي عليه الوقت دون أن يحس به،فإذا حضرت أمه تذكر طول الوقت فبكى، والنفس كالطفل قد تشغله الملهيات الحسية وتخدعه عن المهم وهو الوقت الذي هو الحياة نفسها،ولا يدري بخسارته إلا في نهايتها 0
إن الوقت هو عمر الإنسان ،هو مزرعته وهو راس ماله، إن استغله في طلب مرضات الله والأعمال الصالحة فهو المطلوب، عاش في الآخرة حياة أبدية هانئة، وان فرط وأهمل فات من بين يديه وندم وتحسر على ضياعه دنيا وآخرة، والآخرة اشد وأبقى ( يوم يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي ) والإنسان يخشى الموت ويتمنى الخلود، وتلك غريزة جبل عليها، وكانت هي مدخل الشيطان لإضلال أبينا آدم عليه السلام، وسبب لإخراجه من رحمة ربه وجنته إلى دار الهوان والشقاء، قال تعالى ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى / فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى / إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى / وانك لا تظمؤا فيها ولا تضحى / فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) وأبناء آدم أو أكثرهم يحرصون على هذه الحياة ويتمنون الخلود، ولا يصدق احدهم انه سيموت، وذلك من كثرة تمنيه للخلود فالإنسان يعلق على هذه الحياة آمال طوال لا تنتهي ولا تقف عند حد فلو كان يصدق انه سيموت لوقف بها عند هذا الحد، ولكن آماله وطموحاته لا تنتهي ولو عاش آلاف السنين لما حققها أو جزء منها، أودعها الله فيه لاعمار الأرض، فلو كانت رغبات الإنسان وطموحاته وآماله قصيرة محدودة لما فكر واخترع وعمر، فالإنسان حتى وهو في سكرات الموت لا ينقطع نظره للغد الدنيوي، إلا من وفقه الله وغلب إيمانه أحلامه.
كان صلى الله عليه وسلم وهو الحريص على تعليم أمته وهدايتهم وتبصيرهم يحاول تقريب الحقائق إليهم فقد اجتمع الصحابة حوله صلى الله عليه وسلم يوما فاخذ عليه الصلاة والسلام عودا صغيرا في يده وابتدأ يرسم به في التراب ويعلق على هذه الرسومات ففي الحديث (خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط خطا في الوسط خارجا منه وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه إلى الوسط فقال: هذا الإنسان وهذا اجله محيطا به أو قد أحاط به (ويشير إلى المربع أي أن الإنسان محصور داخل هذا المربع الذي يرمز إلى الأجل لا يستطيع الإنسان الفكاك منه ) وهذا الذي هو خارجُ أمله ( وأشار إلى الخط الذي ينطلق من المربع إلى خارجه فهو أمله ممتد إلى ما لانهاية فالموت هو الذي يقطع هذه الآمال التي لا تنتهي ) والخطط التي تتجه إلى داخل المربع هي الأعراض ( من مصائب وأمراض ومعوقات ومشاكل ) فان أخطاه هذا نهشه هذا وان أخطاه هذا نهشه هذا ) فالإنسان في عراك لا ينتهي مع آماله وطموحاته ومع الأعراض التي تكتنفه من كل جانب وفي النهاية اجله الذي لا يدعه يفلت منه أبدا .
الإنسان إنما هو مستخلف من الله في هذه الحياة لينظر كيف يعمل فيها وكيف تصرفه تجاهها ويترتب على ذلك مصيره في الحياة الآخرة (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ) فالإنسان إن اجل أداء ما هو مطلوب منه مر به الوقت وتبدد العمر من بين يديه وكلما تقادم به العمر جاءته من الأعراض والمشاكل ما تلهيه وتعوقه فالإنسان الناصح لنفسه يستغل حياته كلها من مبتدئها إلى منتهاها يبادر بالأعمال ولا يمهل ويستغل كل عمره ولا يوجل قال صلى الله عليه وسلم ( بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موت مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر ) فالحياة لا تخلو من هذه المعوقات فالإنسان إما أن يكون فقيراَ يلهث وراء ما يسد به جوعه أو يستر به بدنه أو يغذو به أهله ،أو غنياَ قد أبطره الغنى وقعد به عن العمل والنشاط أو مريضاَ قد أنهكه المرض لا يقوى به على الحركة والسعي ،أو هرماَ قد كبر سنه فلم يعد يقوى على الحركة والعبادة ،أو الموت وهو مصير كل حي لا يدري الإنسان متى يطرق بابه فمن فرط في عمره وصحته وشبابه حتى طرقه الموت فهو النادم ولاشك، قال صلى الله عليه وسلم لرجل يعظه ( اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) .
إن الأيام تمضي والشهور والأعوام تنقضي والعمر ينتهي لا يكاد ينظر أحدنا إلى الخلف إلا وهاله ما مضى من عمره الذي لم يعمل فيه كما ينبغي بل قد اجل وسوف حتى فرط في الكثير فالإنسان عندما يكون صغيرا يتمنى أن يمضي به الوقت سريعا ليكبر فإذا كبر وبلغ سن الشباب وسن التكليف اشغله شبابه وطموحه وتطلعاته عن الكثير من الواجبات ويرى الوقت طويلا مملا لابد أن يقطعه بالملهيات وما أسرع ما ينقضي من بين يديه دون أن يشعر فيأتيه الكبر والعجز والهرم ويكون الإنسان فيه يودع وينحدر به الوقت سريعا ولم تعد لديه الطاقة والقوة والنشاط ليجبر قصوره ويعوض تفريطه ففترة العمل هي فترة النشاط فترة الشباب والقوة ، فعلى الشباب يكون كل شيء، بهم تغير الأمور، وتنهض الأمم، ويعبد الله حق العبادة، هم شعلة الحياة فإذا فترت هذه الشعلة أو قل وهجها وضعف لم تعد قادرة على أداء عملها كما ينبغي ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) فالإنسان في صراع مع الوقت لا يقدر على إيقافه ولكن يستطيع استغلاله فيما ينفعه و إلا مر به ومضى عنه فالمطلوب المسارعة في تحصيل الأعمال وعدم الإهمال والتسويف قال تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ) وقال صلى الله عليه وسلم ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله ) نسال الله أن يلهمنا رشدنا وان يوفقنا إلى استغلال أعمارنا ولا يفتنا بالحياة الدنيا وزينتها وملهياتها 0
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،
أخوكم / عبد الله بن علي قاسم الفيفي

بواسطة : faifaonline.net
 0  0  708
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:03 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.