• ×

10:55 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

نظرات في اللغة الفيفية -2-

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
نظرات في اللغة الفيفية (2)

بقلم الأستاذ/ عبد الله بن علي قاسم الفيفي


توقفنا
في الحلقة السابقة عند اهتمام العرب قبل الإسلام باللغة العربية، حتى بلغوا في ذلك القمة، وفي سبيل ذلك اهتموا بتربية أبنائهم على اللسان الفصيح، حتى أن الأغنياء منهم كانوا يسترضعون أولادهم في البادية، ليكتسبوا الفصاحة ضمن مكتسبات أخرى عددها بعض علماء الاجتماع .
وكما نعرف من خلال السيرة استرضاع الرسول صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد بن بكر، وان مرضعته هي حليمة السعدية ولإكمال الموضوع نقول :
البادية هي ما كان خارج المدن ، ليس كما يفهم معظمنا أنها الصحراء، بدليل أن بني سعد الذين استرضع فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من أبناء قريش، إنما تقع في أعالي جبال السراة، في جنوب مدينة الطائف الحالية، وبنو سعد من (هوازن ) المعروفة بعتيبة اليوم وهم يحادون بني مالك وبالحارث، وهذا دليل على أن سكان هذه المناطق الجبلية، أهل لسان وفصاحة، فلا بد أنها وأشباهها قد حافظت على الكثير من هذه الفصاحة إلى يومنا الحاضر، فكما نعرف أن اللغة تتأثر وتتغير بالاختلاط بالآخرين، فإذا لم يتم هذا الاختلاط أو ضاق نطاقه ،فستبقى اللغة دون تغيير يذكر، يتلقاها الخلف عن السلف وان حدث تغيير فسيكون بطياً ولا يوثر في أصولها،فلو نظرنا إلى جغرافية السراة، فهي ولاشك بعزلتها المتناهية، ستكون محضنا يحافظ على هذا الموروث العظيم، والسراة كما نعلم وهي تمتد من الطائف شمالاً إلى أقاصي اليمن جنوباً، فهي بكاملها تتميز بهذه الخاصية، وكلما كانت اشد عزلة، كانت اشد حفاظاً، وقد أدرك بعضنا الكيفية التي كان يتكلم بها أفراد قبيلة آل تليد، في التثنية والجمع، وفصاحة الحروف ولفظ الأعداد، وذلك لعزلتهم المتناهية ، فإذاً ولا شك أن منطقتنا فيفاء وما جاورها، بقيت على شيء كبير من هذا اللسان العربي الفصيح .
فإذا كانت قد حافظت على الكثير من هذا اللسان العربي،فكيف بالله نوفق وبين من يقول أين الفصاحة من هذا اللسان الغير مفهوم إلا بصعوبة؟، فنقول :لو دققنا في كلماتنا وتسمياتنا وما ننطق به بعين الخبير الملم باللغة العربية الفصيحة، لوجدنا في أصولها وفروعها واشتقاقاتها الكثير من هذا اللسان الفصيح، وإنما وصل إلى هذه الدرجة من التبدل والتغير وعدم الفهم له أو لمعظمه لعوامل أخرى أهمها: ما أشار إليه علماء الاجتماع بتأثيرات البيئة الاجتماعية على الإنسان، فالبيئة الاجتماعية زراعية أو رعوية أو تجارية لها كبير الأثر على أهلها، وبالذات إذا ما عاشوها زمناً طويلاً، وعلى نمط واحد، ومجتمعنا أو معظمه من هذا القبيل ، فالمعروف أن المزارع لا يكاد يفارق مزرعته هو وأفراد أسرته، فهم مع بعضهم طوال الوقت في البيت والحقل، وفي معظم مناشط حياتهم اليومية، وهذا التواجد الدائم يولد لدي أفراد هذه الأسرة تشبعاً لغوياً، فلم يعد لدى الواحد منهم الرغبة الكبيرة في الحديث، بعكس المجتمع الرعوي،الذي يضطر الواحد منهم في التغيب عن أسرته فترة طويلة من اليوم، في تتبع المرعى لغنمه ، مما يشوقه عند التلاقي بالآخر، بان يفرغ ما تراكم لديه من مخزون الكلام ،فيتحدث بكل شيء عن كل شيء،لذلك نجد كلا الحالتين مع الوقت توثران في صاحبهما، فالمجتمع الزراعي يعتمد في معظم كلامه على الاختصار، ولغة الإشارة والإيماء، وهو الملاحظ في لغة أهل فيفاء، فتجدهم يختصرون كثيراً من الكلام، فيحذفون بعض الحروف، ولا يستخدمون الحروف الثقيلة بل يستبدلونها بحروف خفيفة، فتسمع احدهم يقول السلام أو السام بدل السلام عليكم ورحمة الله ،و(كيفنت) بدل كيف الحال،بل بعضهم يكتفي بقوله (كي، نح، وط) بدل (كيف أنت ،والحمد لله ، واطياب ) وفي الأسماء ينادي بحس بدل حسن، وجاب بدل جابر، ويز بدل يزيد، وسله بدل سليمان، والحروف الثقيلة لا تكاد تستخدم فحرف الضاد نادر الوجود في كلامهم ،فيبدلونه بحرف الفا في الغالب،فضرب لديهم فرب، وضفدعه ففدعه، وحيضة للمزرعة الصغيرة حيفة،وحوض حوف، ورحض لماء الغسل رحف، وضيف فيف ،وبيضاء بيفاء أو الاسم الرديف عفراء، وكذلك القاف والجيم والكاف يرققونها أو يتشتشونها ، فلو أعدت ما تسمع من كلماتهم بناء على هذا التغيير لوجدته كلاماً عربياً فصيحاً.
لا أطيل حتى لا يمل القارئ سنستكمل الموضوع في حلقة قادمة بمشيئة الله وتوفيقه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.

بواسطة : faifaonline.net
 6  0  2807
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:55 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.