• ×

07:31 مساءً , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

الكشف عن معاني الحروف المفردة في القرآن ـ 10 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الكشف عن معاني الحروف المفردة في القرآن ـ 10

بحث الأستاذ/ عبده سليمان الفيفي .



الحمد لله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى , وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث بالهدى , وآله الطيبين الطاهرين أُلِي النهى . وبعد
فلا زلنا أيها الأحبة في تتبع معنى يس وقبل أن نمضي في استكمال ما قد بدأناه , أود التذكير بالمقدمة - والتنبيه إلى ما فاتني هناك ثم نسخها مقدمة لكل حلقة ؛ ليتسنى لمن قرأ أي حلقة فهم ما يدور حوله الحديث , والهدف الذي نسعى إليه . وهو إثبات ما يلي :
يس (1) كلمة مركبة من اسمي حرفين هما الياء والسين .- (والمركب : هو ما أريد بتركيبه معنىً لا يقوم به جزءه (1) ) وأن هذا التركيب معنويا تاما , وذكرنا أنها تـُقرأ ( ياسين ) بالتسهيل . و(ياءْ سين) بسكتة لطيفة على الياء دون تنفس , وقد تدغم النون في واو القسم ,وذكرنا سر القراءتين , وأنها على معناها المعروف من اليأس . واستقلت بآية لتمام معناها كما أن إطلاقها اسما للسورة فيه إشارة إلى أنه أحدث لهم أسما جديدا ينطبق عليه ما ينطبق على أمثاله من الأسماء المركبة . واستهل بها السورة , وهذا ما يسمى في علم البلاغة ( براعة الاستهلال ) فخرج بالكلمة عن جمع المذكر السالم (يائِسين) المنصوب - والذي لا يحسن أن يكون مبتدأً ولا خبرا مقدماً . كما أنه محدود المعنى , طويل المبنى - إلى كلمة جديدة قصيرة المبنى عظيمة المعنى لا تتجاوز حرفين كن فيكون , فالمعنى الذي نحن بصدده أعم ينطبق على ما تضمنته السورة . من القرآن الحكم , إلى آخر ما تضمنته السورة من معنى اليأس .
وبما أن الحكيم جل جلاله قد أعاد تركيب الكلمة فعدل عن التركيب الهجائي للحرف إلى التركيب الاسمي ؛ فبدلا من تركيب الكلمة من ( يـَ , اْ , ئِـ , سـِ ,يـْ , ن ) أصبحت (يس), فألبس الكلمة ثوبا جديدا في الرسم والصوت - بما لم ولن تعهد الإنس والجن مثله قبله أو بعده - فقد صحح كذلك بعض المفاهيم حول هذا المعنى وأقر وأضاف وأحدث , كما صحح في الرسم والصوت , وقد بيناه .

قال - تعالى - : ( ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون 68) فتأمل منازل القمر من هلال فبدر فقمر ثم يتدرج بنفس المراحل انتكاسا, وهل تأملته في أواخره قبيل الفجر ؟ أتمنى أن تفعل ذلك ثم تكتب مشاعرك في تلك اللحظة إنه يذكرك بالأفول وآخر العمر حتما .
وكذلك الشمس حين تشرق إنها تبعث فيك بهجة الطفولة في الصباح الباكر وعنفوان الشباب في الظهيرة ولكنها سرعان ما تميل الى الغروب . ألم تتسائل ما سر انقباض النفوس قبيل الغروب ؟ لأنها ساعة تذكرك باللحظات الأخيرة من حياتك . فنقوم بعمليات إنعاش لبهجة النفوس والتغلب على ذلك الشعور المر بالتجمع في النوادي والمجالس..., ولو كانت أعمالنا حسنة من الصباح الباكر الى تلك اللحظة لكانت النفس أكثر توازنا وثباتا في لحظات الغروب هل شعورك هو نفسه وأنت صائم عند الغروب ؟

قال - تعالى - : ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير 54 الروم ) .( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين 15 الأحقاف ) (2) وقوله : ( ومنهم من يرد الى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا ) ومن أدعيته صلى الله عليه وآله وسلم : ( وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ) فقد كان يستعيذ من هذه الانتكاسة بشتى صورها ( من الكفر بعد الإيمان و من الفقر بعد الغنى ومن الضلال بعد الهدى ) . ولو تتبعنا هذا المعنى لطال بنا الحديث , ولكن اعلم أنها سن يأس تذبل فيها الأحلام وينقطع فيها الأمل , ونادرا ما يهتدي الإنسان في تلك السن وقد قيل من تجاوز الخمسين فلم يعد له إلا ما هو عليه , الا من رحم ربك . قال الشاعر :


إذا مضى للمرء من أعوامه خمـ **** سينَ وهْوَ عن الصبا لم يجنــح
عكفت عليه المخزيات وقلن قد **** أضحكتنا وسررتنــــا لا تبـــرح
وإذا رأى إبليس غرة وجهــــــه **** حيا وقال فديت من لـــم يفلـح


إذا فينبغي على من يمنى نفسه بإصلاح شأنه سواءً في خلقه أو دينه أو علاقاته فقبل تلك السن فان التغيير بعدها سيكون صعبا.
قال - تعالى -: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين 69) أنظر إلى عبارات النفي القطعي كيف تتكرر معنا . لا الشمس ينبغي , والا الليل , فلا صريخ لهم , ولا هم ينصرون فلا يستطيعون . فأنى يبصرون .... الى آخر ما هناك ) من هذا الأسلوب القطعي , فتأمله .
وفي هذه الآية خلاف طويل , وسواء كان الضمير في ( علمناه ) عائد على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو حق وأولى بالتصديق , وما عارض مفهومه لا يلتفت إليه ولكن الأسهل من ذلك , أن نقول أن الضمائر كلها عائدة على القرآن ومعنا ما نستند اليه وهي كما يلي :
فالضمير في قوله تعالى ( وما علمناه ) عائد على القرآن . قال تعالى - : بسم الله الرحمن الرحيم . الرحمن (1) علم القرآن ( 2)
فيكون المعنى , وما علمناه الشعر وما ينبغي لهذا القرآن أن يكون شعرا إن هو الا ذكر وقرآن مبين. وعلى هذا تكون قضية الشعر المزعومة في القرآن ميئوس منها قطعيا
( لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين 70) فيصبحوا يائسين من رحمة الله وقد حق عليهم القول.

قال - تعالى - :(أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ايدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) )
أولم يروا ؟: سؤال تقريري. بلى والله رأينا !. ويختم بسؤال استنكاري. أفلا يشكرون ؟ بلى سبحانك اللهم فلك الحمد ولك الشكر . فلو ثار بعير لأهلك من في طريقه من الناس , أو ثور , أو فيل . ففيها من القوة ما لا طاقة لأحد منا بدفعها إلا بمشيئة الله . بل إن خروفا لينطح أحدنا فينقل إلى المستشفى (.. على آلة حدباء محمولا ...! ). فذللها لنا ربنا تبارك وتعالى - فنشرب ونأكل ونركب ونذبح فهي يائسة بين أيدينا بأمر الله ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) قال تعالى- : ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم 7 النحل ) فلوا أمنا به حق الإيمان . لاحترمتنا حتى الوحوش , وفي قصة قس ابن ساعدة الإيادي أحد الموحدين لله قبل البعثة - ما يشهد لذلك .
إننا نسوق الدابة إلى الذبح مسخرة مستسلمة يائسة . ونحن نساق إلى الموت كذلك . بل نبارك لبعضنا بنهاية عام وقدوم عام جديد , وهو في الحقيقة انصرام عام من عمرك واقتراب من الموت , ومن المفترض أن يعزي بعضنا بعضا .فما من أحد إلا وسيندم يوم القيامة , فالمسيء يند على إساءته, والمحسن يندم على أنه لم يستزيد من الصالحات .
ولك أن تقارن بين تلك النعم المسخرة وبين أمثالها من حيوانات البراري المستوحشة ؛ فخذ مثلا مقابل الأغنام الغزلان فهيهات أن يستسلم لك إلا ميتا . وحتى لو ربيته صغيرا , فما تنقطع عنه لفترة حتى يعود إلى طبيعته التي جبل عليها من النفور والتحرر .
إذا فلنتأمل تلك النعم ونتذكر قول الله ( لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا ومنا كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) الزخرف
قال تعالى - : ( واتخذوا من دون الله آله لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) فلا يحزنك قولهم م إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) )
فتأمل ( واتخذوا من دون الله آله لعلهم ينصرون (74) حرف الترجي لعل وما يوحي به من ضعف أملهم في ما تعلقوا به من دون الله فإذا أتبع هذا التهكم بنفي الغاية التي يرجونها و بصيغة قطعية . لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) فقد هدم بقيا ما في نفوسهم من ذلك الرجاء والأمل وبهذا تصبح نفوسهم جوفاء خاوية كما قال حسان :
أَلا أَبلِغ أَبا سُفيانَ عَنّي فَأَنتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ
والعامل النفسي لا تخفى أهميته والدور الذي يلعبه في تحقيق الهدف والوصول إلى الغاية .( تفاءلوا بالخير تجدوه ) ( أنا عند ظن عبدي بي ) والشواهد كثيرة جدا , ولذلك كانوا يحاولون تغطية ذلك الفراغ في نفوسهم برسم مظاهر كاذبة كدق الطبول واصطحاب المغنيات والاستعراض قبل المعركة والإنشاد واستحضار النساء للتشجيع والتذكير بالعار لكن ذلك سرعان ما ينهار , فيفرون قبل النساء .
وهذا ما زرعه أعدائنا في نفوس الأمة - قادة وشعوبا - من استعراض للقوة والتقنية المتقدمة ... وما هنالك من زرع الخوف في نفوس المسلمين وتعليقهم بالقوة المادية من دون الله وقلب للمفاهيم الإيمانية مستخدمين كل الوسائل حتى في الأفلام السينمائية وألعاب الأطفال وأفلام الكرتون .... الى آخر ما هنالك من خيال علمي .
فلا يحزنك قولهم م إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76)وهنا وجوب الوقف على (قولهم) حتى لا يلتبس على السامع فيظن أن ما بعدها هو قولهم . وفي هذه الآية سر عظيم في غاية الخطورة سنستعرضه بما فتح الله به في اللقاء القادم - إن شاء الله - . هذا والله تعالى أعلم . اللهم ربنا زدنا علما .
والى الملتقي في الحلقة ربما الأخيرة - من (سورة يس) اللهم أنصر إخواننا في غزة أنت ولينا ووليهم فلا تكلنا إلى أنفسنا أو الى أحد من خلقك طرفة عين أو أدنى من ذلك . اللهم كما هديتنا إلى نورك هذا ؛ فاهدنا إلى النصر على أعدائنا وأعدائك .
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
(1)التعريف بتصرف لأن الوارد في كتاب ( التعريفات المكتبة الشاملة ) لم تتوفر فيه شروط التعريف الجيد كلها ( جامع مانع مختصر )

(2) تم تعديل الأخطاء المشار اليها مع الشكر .

 23  0  1634
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:31 مساءً السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.