• ×

12:37 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

نظرات في اللغة الفيفية ـ 4 ـ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
نظرات في اللغة الفيفية (( الحلقة الرابعة ))


أحب التنبيه بأنه إذا كان العنوان (نظرات في اللغة الفيفية) قد يفهم منه انه خاص بأهل فيفاء وحدهم، فهذا غير صحيح بل يشاركهم في هذه اللغة كل المنطقة الجبلية، المعروفة باسم (ساق الغراب) أو (مخلاف خولان بن عامر)، وهي القبائل التي تعيش على الرقعة الجبلية الممتدة من أقصى شرق صعده في اليمن الشقيق إلى البحر الأحمر، التي تشمل قبائل خولان بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة، بشقيها (اليهنوي) وهم في السعودية إضافة إلى فيفاء ، آل تليد، وبني مالك، وحريص الحشر، وحريص الحميرة، والعبادل، وسفيان، وقيس، وبني شراحيل (الخشل)، وفي اليمن قبائل جماعة،و(الفرودي) وهم في السعودية: بني الغازي، والصهاليل، وقبائل الريث، وقبائل هروب ، والمشيخي ، والنجعي ، وفي اليمن سحار، وغمر، وآل طارق، ورازح، وبني منبه ، وبني خولين، وآل امشيخ .
فأصول لغتهم واحدة وان اختلفت لهجاتهم في النطق أو التراكيب أوفي استخدام بعض العبارات المختلفة، ولكنهم يشتركون في الكثير من الخصائص لوحدة الأصل.
وقبل أن نستعرض بعض الكلمات أود أن أوضح ما يلي:
أرجو كذلك أن لا يفهم أنني عندما أتحدث عن هذه اللغة (الفيفية) يعني أن لهم لغة خاصة بهم مختلفة عن اللسان العربي الفصيح ،ولا أظن أحدا من أبناء المنطقة قد فهم ذلك، ولكن قد يطلع على الموضوع آخرون، فيرد على فهم احدهم شيء من هذا القبيل، لذلك أؤكد أن لغتهم لغة عربية فصيحة، فهي اللغة المتداولة في العالم العربي، والتي نزل بها القرآن العربي المعجز ، فلا تختلف لا في مسمياتها ولا في اشتقاقاتها، فلو استعرضنا الكثير من التسميات التي يتداولونها لوجدناها هي هي لا تختلف، متطابقة في حروفها ومعانيها واستخداماتها،وكمثال يوضح ما نريد قوله تسميات أجزاء وأعضاء الجسم في الإنسان، فهي نفس التسميات المعروفة والمشهورة، وهذا مثال واحد، واكبر دليل على أصالة هذا اللسان وفصاحته .
لندع التنظير قليلا ونمعن النظر فيما يلي: فالهامة والجبهة والحواجب والرموش والعيون والخشم والشفاة واللسان والأسنان والكلحة(الفم) واللحية والشارب والإذن والرقبة والحنجرة والكتف واليد والمرفق والكوع والكف والأصابع والأظافر والصدر والبطن والظهر والفخذ والركبة والساق والقدم ، وداخل الجسم كالمري والبلعوم والكرش والأمعاء والكبد والطحال والمرارة والكلى والمثانة، فهي مسميات لا تختلف ولم تتغير إلا في استخدام اسم رديف فصيح، وكذلك تسميات كل ما يحيط بنا في البيئة في الأرض وفي السماء والأحجار والأشجار والأنهار والنجوم والحيوانات والفواكه والخضار وعلى الاشتقاقات والصفات.
وإنما ما نود أن نلفت إليه هو تفردهم باستخدام بعض التسميات التي قد هجرت في كثير من لغات ولهجات العالم العربي منذ زمن طويل حتى لم يعد لها وجود ، ولكنها مازالت مستخدمة لديهم حتى أن معظمها لا يفهم معناها إن لم نعد إلى معاجم وقواميس اللغة .
فهناك عبارات كثيرة دارجة، لها أصولها العربية الفصيحة، تأتي على اللسنة معظم الناس عفوية، قد ألفوا النطق بها دون تكلف، بل إن بعضها لم يعد يستخدم أو يفهم على معناه الصحيح، فلو أتيحت الفرصة لأحدكم وعاد إلى الماضي القريب، وكان مروره بأحد الموارد، وسمع الورود في لجبتهن عند التلاقي عليه (ولا اقصد بالورود الزهور المعروفة أو ما يكن به عليها )وان كن أو معظمهن كذلك، ولكنه ليس ما قصدت، فما قصدت هو التسمية المشتقة من ورود الماء ليس إلا، فيسمى البئر أو مكان جلب الماء موردا أو منهلا أو معينا وكلها تسمية فصيحة ،فجالبات الماء هن المقصودات من التسمية السابقة، فهم يطلقون عليهن مسمى (ورود) جمع تكسير أو (واردات) ومفردها واردة ومن الشعر الشعبي الذي كنا نردده صغارا وما زال عالقا في الذاكرة (يا وارد الماء واسقني عدني من الظميانيه، عدني من الظميانيه وارد على الحيدانيه)المعذرة هكذا كنا نرددها ولا ادري في أي مناسبة كانت تقال،ويقول عمرو بن كلثوم الشاعر الجاهلي في معلقته :

ونشرب إن وردنا الماء صفوا = ويشرب غيرنا كدرا وطينا
نعود إلى موضوعنا ، كان مورد الماء هو وكالة أنباء (قالوا) تكثر فيه الأحاديث الصحيحة وغيرها، حتى كان يقال للأخبار غير الموثوقة كلام ورود!.
الشاهد انه عندما تلتقي هولاء الورود، ترتفع الأصوات بعبارت كثيرة،كعادة التجمعات البشرية، وقد تلتقط منها الأذن الجميل العذب أو الغاضب الشامت، فمن هذه الكلمات التي يكثر ترديدها من بعضهن، في حالة غضب أو تعجب، أو في حالات انفعالية، فتاتي عفو الخاطر حسب الحالة النفسية وحسب التعود، وهي أو معظمها موغلة في القدم،قد توارثتها الأجيال حتى لم يعد معظمها يفهم على وضعه الأصلي، أو قد تستخدم في غير ما وضعت له أساسا،فمن ذلك عندما تقول الواحدة مستنكرة أو مستغربة (وآستباحي) طبعا المقصود (وآصباحي) إبدال الصاد بالسين وهو المتبع في لغتهم ، ونعرف أن هذه العبارة هي ما كانت تستخدم في العصر الجاهلي (وآصباحاها) تطلق عندما يصبحهم العدو فيقتل وينهب ويسبي، وياله من صباح شؤم ،وهي تأتي كدعوة على النفس بالويل والثبور وعظائم الأمور، وقد تغير معناها قليلا وان كان يعطي نفس المعنى القديم، ولكنه من الموكد انه ليس حاضرا في مخيلتهم ،كانت تقولها الواحدة منهن غاضبة، أو تقولها تحسفا على أمر من الأمور،أو تعاطفا مع خبر أو موضوع غير سار سمعت به الآن،ويعرف معنى ما تقصد حسب الحال الذي قالته لأجله ،ومن عباراتهن أيضا (غبني ) من الغبن ولا تختلف عن سابقتها كثيرا ،وكذلك التغشي (بغشو أبيها أو المحارم ) وقد يقولها الرجل (بغشو أمه أو المحارم)وهي عبارة قبيحة وخطيرة يحسن التنبه لها ولأمثالها ،وكذلك التفدي بان تكون هي (فداء) إن كان المخاطب مرضي عنه ،أوفي حالة الغضب يكون المخاطب هو (فداء) لها ،وعلى العموم فهناك الكثير من الكلمات الفصيحة لو دققنا فيها لبهرتنا ، كلمات وتسميات متغلغلة في كلامنا توارثتها الأجيال من حقب موغلة في القدم.
وما دمنا حول المورد كمثال على فصاحتهم، فإضافة إلى ما سبق من باب العلم، نورد تسميات بعض مستلزمات الواردة، والمستخدمة في جلب الماء، فمن أسماء قربة الماء التي تستخدم، وهي بالطبع مصنوعة من جلد الغنم والخراف، فالكبير منها يسمى غربا، والمتوسط داوة، والصغيرة وثبة، و قد تكون الوثبة كذلك مصنوعة من جلد الوبر،وعادة هذه تستخدم لحفظ السمن أو العسل، ثم رباط الداوة يسمى سترارا من الصر وهو القفل ، والإناء الذي يخرج به الماء من البئر يسمى دلوا ويسمى مشعلا،والمشعل هو مصنوع من الجلد، وتحمل القربة على الظهر معلقة بحبال تتدلى من فوق الكتفين ،تسمى مشانق، ومفردها مشنق ، وعندما تحملها بهذه الطريقة، تقي ثيابها من الرطوبة التي قد تتسرب من القربة، أو من التراب المبتل الذي علق بها، بواسطة خصفة من الجلد أو الخيش يسمونها توقاية أو شطفا،وقد تحتاج إلى إناء تملئ به القربة، فالدلو قد لا يساعد في ذلك فقد يندلق أكثر الماء من إطراف الدلو إلى الخارج، لصغر فتحة القربة وكبر الدلو ،والماء غال لا يحتمل إهداره، لذلك تستعين على ذلك بالشقفة ،وهي نصف قرعة متوسطة الحجم، فالقرعة تشق نصفين يسمى الواحد منهما شقفة، فتعبي القربة من فم هذه الشفقة، فلا يتسرب منه شيء إلى الخارج، فإذا كان الماء المعبئ في القربة قليلا، يقال له جعفة ،فلا بد أن تملئ ليسهل حملها ولا تنشق ،فيطلق على ذلك شحن وهو أن تزيد في صب الماء حتى تمتلئ القربة تماما ، فإذا ما أرادت حملها، فلابد لها أن تجعلها على مكان مرتفع تستطيع حملها من فوقه، يسمى محطا أو محملا ، وما حول البئر يسمى معطنا أو عطن البئر، فهل بالله عليكم من كل هذه التسميات التي أوردتها كلمة غير فصيحة ،وهذا كلام عامة الناس ،كلام النساء ربات البيوت ،أليس هذا دليل قاطع على أللسان الفصيح لأبناء هذا المنطقة .
إني أحس أن معظمكم قد مل من اللت والعجن،لذا نكمل في لقاء قادم بمشيئة الله وتوفيقه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،

أخوكم/عبد الله بن علي قاسم الفيفي

بواسطة : faifaonline.net
 3  0  1556
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:37 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.