• ×

09:49 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

ليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
\"ليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب\"

بقلم: الأستاذ. يحيى يزيد سلمان الفيفي



إن سوء الخاتمة يعني أحد أمرين:
الأول : هو أن يغلب على القلب عند سكرات الموت الجحود , أو الشك في الإيمان والإسلام , فيموت وهو شاك في الإيمان , والإسلام , وذلك يقتضي الموت على غير الإيمان والإسلام , فيموت على سوء الخاتمة .
عن عبد الله بن أحمد المؤمن رحمه الله قال : كنت أطوف حول الكعبة , وإذا برجل متعلق بأستارها وهو يقول : اللهم أخرجني من الدنيا مسلماً لا يزيد على ذلك شيئاً . فقلت له : ألا تزيد على هذا الدعاء شيئاً فقال : لو علمت قصتي ؟ فقلت له : وما قصتك ؟ قال : كان لي أخوان وكان الأكبر منهما مؤذناً أربعين سنة احتساباً , فلما حضره الموت دعا بالمصحف فظننا أنه يتبرك به , ويقرأ منه شيئاً فأخذه بيده واشهد على نفسه من حضر أنه بريء مما فيه , ثم تحول إلى دين النصرانية فمات نصرانياً , فلما دفن أذن الآخر ثلاثين سنة , فلما حضره الموت فعل كما فعل الأخ الأكبر , فمات على دين النصرانية أيضاً نعوذ بالله من مكر الله , وإني أخاف على نفسي أصير مثلهما , فأنا أدعو الله تعالى أن يحفظ علي ديني قال : فقلت : ما كانا ذنبهم ؟ قال : كانا يتتبعان عورات النساء وينظران إلى الشباب .
فيا مطلقاً نظره في الشهوات , يا مستبيحاً للمحرمات , يا مغروراً باللذات الفانيات هلا اعتبرت بأقوام أخرجوا من ديارهم وقد تمسكوا بحبل اغترارهم ولم يقبل منهم قول في اعتذارهم عندما نادى منادي دارهم , قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم .
كان سفيان الثوري - رحمه الله يوماً يبكي , فقيل له : علام تبكي ؟ فقال : بكينا على الذنوب زماناً , والآن نبكي على الإسلام .
وقال عبد الرحمن بن مهدي : مات سفيان الثوري عندي , فلما اشتد به جعل يبكي , فقال له رجل : يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب , فرفع شيئاً من الأرض , فقال : والله لذنوبي أهون عندي من هذا , إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت .
وقال عطاء الخفاف - رحمه الله ما لقيت الثوري إلا باكياً . فقلت : ما شأنك ؟ قال : أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً .

إن خوف السابقة وحذر الخاتمة هزت قلوب العارفين , وزادتهم إزعاجا يحول بين المرء وقلبه , ليس لهم في الدنيا راحة , كلما دخلوا سكة من سكك السكون أخرجهم الجزع إلى شارع من شوارع الخوف.
أروح بشجو ثم أغدو بمثله وتحسب أني في الثياب صحيح
فسبحان مقلب القلوب فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء , كما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان يردد \" يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك \"
لقد خاف الأولياء أن يمكر بهم فإنه سبحانه يمكر بمن يستحق المكر .
يقول ا بن القيم ر حمه الله ( أما خوف أوليائه من مكره فحق , فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم فيصرون إلى الشقاء , فخوفهم من ذنوبهم , ورجاؤهم لرحمته , وقوله تعالى :\" أفأمنوا مكر الله \" إنما هو في حق الفجار والكفار .
ومعنى الآية فلا يعصي ويأمن مقابلة الله له على مكر السيئات مكره به إلا القوم الخاسرون . والذي يخافه العارفون بالله من مكره أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال , فيحصل منهم نوع اغترار , فيأنسوا بالذنوب , فيجيئهم العذاب على غرة وفترة .
فيا أخوة : والله لنحن أجدر وأحق بالخوف من أولئك القوم الذين تورمت أقدامهم من كثرة الوقوف بين يدي الله في الصلاة , الذين كانت الدموع خطوط على وجوههم من كثرة البكاء من خشية الله تعالى , يعمل أحدهم الحسنة ويخاف ألا تقبل منه , ونحن نعمل السيئة ونظن أنها لا تكتب علينا , وإنما أمنا لغلبة جهلنا وقوة قسوتنا , فالقلب الصافي تحركه أدنى مخافة , والقلب الجامد لا تأثر فيه موعظة . فهلا انتبهنا قبل فوات الأوان وأزحنا عن قلوبنا الغفلة
إن عدم تمعننا في تاريخ الأمم التي قبلنا وما حل بهم وكيف أصبحوا خبراً بعد عيان , وكيف ختم لبعضهم وقد كان من عداد الصحابة جعل لدينا تبلد في الإحساس , إننا لسنا بأعز على الله من أولئك , فليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب , إن الإسرار على الذنوب والمعاصي هو بريد الخاتمة السيئة , إن الخاتمة السيئة أعاذنا الله منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه , ما سمع بهذا ولا علم به والحمد لله- وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم .
لقد ارتد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بعض من آمن فخرجوا من النور إلى الظلمات , ومنهم عبيد الله بن جحش الذي هاجر إلى الحبشة فارتد عن دينه ودخل في النصرانية والعياذ بالله.
وارتد في خلافة عمر رضي الله عنه خلق منهم ربيعة بن أمية بن خلف وكان في عداد الصحابة إلا أنه كان مصراً على شرب الخمر فحده عمر رضي الله عنه ثم نفاه إلى خيبر ففر هارباً إلى هرقل فارتد عن دينه ودخل في النصرانية من أجل خمرة والعياذ بالله .
أخي : أتدري ما معنى أن يكون الإنسان صحابي للرسول صلى الله عليه وسلم وقد يراه ويسمعه ويأكل معه ويقاتل معه يرى المعجزات رأي العين ثم يغويه الشيطان بحيث يصر على كبيرة توبق دنياه وآخرته نعوذ بالله لو تمعنا في كتب التاريخ والسير لوجدنا أن المعاصي الموجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم قليلة جداً حيث أن شرب الخمر يكاد يكون هو الأكثر انتشاراً . فما بالنا اليوم وقد فتحت علينا جميع قنوات المعاصي التي تجعل الحليم حيرانا تجرأ الخجول وتسفه بالحليم وتجهل المتعلم وتصغر الكبير حتى أصبح الشخص المحافظ غريب في المجتمع يوصف بالرجعية والتخلف .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران , وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فا نطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتب , قال فرفعوه , قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد . فأعجبوا به . فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم , فحفروا له فواروه , فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له , فواروه . فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها . ثم عادوا فحفروا له , فواروه . فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذاً \" رواه مسلم
الثاني : هو أن يغلب على قلبه الانشغال في لحظة السكرات بأمر من أمور الدنيا كالمال , أو اللهو والعبث , فيموت على غير طاعة الله سبحانه . أو يموت وهو مصر على معصية أو كبيرة من كبائر الذنوب .
إن الذنوب بريد إلى سوء الخاتمة , لأن الإنسان يموت على ما عاش عليه , فمن أراد أن يموت ساجداً فليكن أكثر أعماله السجود , ومن أراد أن يموت صائماً فليكن أكثر أعماله الصيام , ومن أراد أن يموت ذاكراً فليكثر من الذكر , والعاصي مثل ذلك , فمن رأيتموه يختم له بسوء فاعلموا أنه أسرف على نفسه في حياته فحرم التوفيق عند مماته.
فيا مدمن المخدرات والمسكرات ألا تخاف أن يحال بينك وبين حسن الخاتمة بشربة خمره أو بلع حبة , تكون خاتمتك مثل خاتمة محمد بن مغيث المغربي حيث كان مفتوناً بالخمر متبذلاً فيها , مدمناً عليها لا يفيق منها , سأله بعض إخوانه في مرضه الذي مات فيه يختبر قواه , فقال له : هل تقدر على النهوض إن أردت ؟ فقال : لو شئت مشيت من ها هنا إلى حانوت أبي زكريا الخمار . فقال : ألا قلت إلى الجامع ؟! فقال : لكل امرئ من دهره ما تعودا , ولم تجر العادة بذلك . ومن مات على شيء بعث عليه.
ويا من آتاه الله مالاً فعبده من دون الله ولم ينفقه في طاعة الله ألا تخاف أن تكون خاتمتك مثل ذلك الرجل الذي قاله القرطبي رحمه الله تعالى ) ولقد رأيت بعض الحساب وهو في غاية المرض يعقد بأصابعه ويحسب )
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى ( أخبرني رجل عن قرابة له : أنه حضره عند الموت وكان تاجراً يبيع القماش قال فجعل يقول : هذه قطعة جيدة , هذه على قدرك , هذه مشتراها رخيص يساوي كذا وكذا حتى مات )
ويا من انشغل باللهو والغناء ولم ينتظر ليسمع غناء الحور العين في الجنة ألا تخاف أن تكون خاتمتك مثل ذلك الشخص الذي قيل له وهو في سكرات الموت قل : لاإله إلا الله , فجعل يهذي بالغناء ويقول : تاتا ننتنتا . وقال : وما ينفعني ما تقول , ولم أدع معصية إلا ركبتها . ثم قضى ولم يقلها .
ويا من اتخذ من الشحاذة مهنة مع قدرته على العمل وكسب الرزق برشح الجبين ألا تخاف أن يختم لك كما ختم لذلك الشحاذ الذي قيل له عند موته قل لا إله ألا الله فجعل يقول : لله فلس , لله فلس , حتى مات .
ويا من غلب عليه الحب والهوى حتى نسي حب الله ورسوله واشترى دنياه وباع آخرته إياك أن تكون كما حكي : أن مؤذناً أذن في منارة أربعين سنة , فصعد يوماً وأذن حتى بلغ قوله حي على الفلاح فوقع بصره على امرأة نصرانية فذهب عقله وقلبه فترك الآذان , وذهب إليها وخطبها فقالت : مهري ثقيل عليك فقال : وما هو ؟ قالت : تدخل في ديني وتترك دين الإسلام , فكفر بالله ودخل في دينها . فقالت له : إن أبي في أسفل الدار انزل إليه واخطبني منه , فنزل فزلت رجله فسقط ومات كافرً , ولم يقض شهوته منها نعوذ بالله من سوء الخاتمة .
سبحان الله يا أخوان : كم قرأنا من هذه العبر في الكتب والسير , والذي يخفى علينا من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم , الشيطان عدونا إن لم نعوذ بالله منه يحاول إبعادنا عن عبادة الله إلى عبادة الهوى ليصير الإنسان أسير الشهوات أو الشبهات .
قال مطرف بن عبد الله : لو أن رجلاً رأى صيداً , والصيد لا يراه , أليس يوشك أن يأخذه ؟! قالوا : بلى . قال : فإن الشيطان هو يرانا , ونحن لا نراه فيصيب منا.
وصدق الله :\" يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله
الظالمين ويفعل الله ما يشاء \" ( إبراهيم : 27)
دعوة صادقة مني لكم بأن يختم الله لنا ولكم بالحسنى ويذكرنا الشهادة ويثبتنا وإياكم بالقول الثابت,


بقلم : المشرف التربوي :
يحي يزيد سلمان الحكمي الفيفي

 7  0  1107
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:49 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.