• ×

08:38 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

تضاعف دور الأسرة في تربية الأبناء في العطل

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تضاعف دور الأسرة في تربية الأبناء في العطل


الحمد لله رب العالمين، وفقنا بان جعلنا من عباده المومنين، وهيء لنا من امرنا رشدا، وصلى الله وسلم على محمد واله وصحبه وسلم ـ أما بعد :
انقضى العام الدراسي وانتهت الدراسة والتحصيل، وخرجت النتائج وكل قد عرف نتيجة عمله وحصاد جهده أو إهماله، فبارك الله للناجحين، ووفق الله الراسبين إلى تلافي أسباب فشلهم ورسوبهم والتعويض عما فاتهم 0
أبنائنا هم يبنون مستقبلهم من صغرهم، ويحددون حياتهم ومسارهم، فمنهم من يكونوا ذو طموح يدفعهم إلى الجد والنشاط، فلا بد أن يصلوا في يوم من الأيام إلى قمة المجد، والى تحقيق أحلامهم ورغباتهم، ومنهم من يكونوا نظره قصير يقف به دون التطلع إلى ما وراء أرنبة انفه، فهو يكتفي بالراحة الوقتية، وعدم اتعاب نفسه بالقراءة والتحصيل، فيعتبر الدراسة نوع من العذاب والبلاء، فذلك لا يمضي عليه كثير وقت إلا وتكشفت له الأمور وانجلت له الحقائق، وعض إصبع الندم ولات ساعة مندم، قد فاته ما لا يستطيع تعويضه، وأقرانه قد جاوزوه وتعدوه، وقد صعدوا سلم المجد وارتقوه، وعلوا صهوة الراحة والطمانينه وأحرزوه، وهو مازال في مكانه يكابد الحياة، لا يملك أدواتها ومفاتيح اغلاقها، قد قعد بنفسه وقت الجد، ونسي قول الشاعر :
ومن يتهيب صعود الجبال يعش ابد الدهر بين الحفر

فالمجد والنجاح لا يأتيان بالسهولة دون كدح وتعب ومكابدة وصبر، بل لابد أن يكون لهذا الإنسان الساعي للمجد قدرة على أن يتحمل ويكابد، ويلعق الصبر دون إحساس بمرارته، قال الشاعر:
لا تحسبن المجد تمر أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
فمن اتعب نفسه في صغره، وفي أول حياته، وقت التحصيل والبناء، ارتاح عندما يكبر، وأما من طلب الراحة في صغره، وبداية حياته، ولم يتعبها بالتحصيل والدرس وبناء المستقبل، تعب وندم عندما يكبر، فبداية الحياة ،في سن الصغر سن التحصيل والبناء،يكون الإنسان فيه مهيء لذلك، فان تجاوزه صعب عليه فيما بعد، لضمور ملكاته، وعدم تقبلها للجديد، وقد قيل ( العلم في الصغر كالنقش في الحجر ) فهو يثبت ويفيد، إن الأعوام تمضي والطلاب بين متقدم لا يتوقف، وبين متردد ومحجم يراود مكانه .
إن الكثير من الفاشلين هم الذين يزرعون الفشل في أنفسهم، يهول احدهم على نفسه بطول المدة وكثرة المواد والتسويف والتأجيل، فتمضي به الأيام سراعا، ولا يحس إلا بدنو الموعد، فيزداد همه وغمه، وتتبلد أحاسيسه ومشاعره، فيقعد به ذلك عن السعي للنجاح، ويفقد الثقة في نفسه، فيكون ذلك عائقا له لا يتجاوزه، يجب أن يقف الأب مع أبنائه وقفات تذكير وتنشيط للهمم، وحفز لها على التقدم والسير إلى الأمام، يمنح كل منا أولاده خلاصة تجاربه وخبراته، يدفعهم نحو النجاح، ويدلهم على الطريق الذي يجب عليهم أن يسلكوه، ويبين لهم محاسن العمل والجد وثمرته ونتائجه، فكل أب يرى ابنه امتدادا لحياته، فان كان ناجحا سره وأسعده، ولكل أب الدور الأكبر إن لم يكن كل الدور في نجاح ولده أو فشله، والحياة كلها دروس لا تنتهي، وليس ذلك قاصر على المدرسة فقط، فالمدرسة لها الدور العظيم والخطير، تعطي الطالب القواعد المهمة للعلوم، تغرسها في نفسه وكيانه، لينطلق منها ومن خلالها في طريقة الصحيح، فيعرف بها كيف يتعامل مع الحياة، كيف يعبد الله كيف يبر والديه، كيف يحقق نفسه وذاته في هذه الحياة 0
والعطلة الصيفية مجال آخر من مجالات التعليم والتربية، هي محطة مراجعة ومحطة انتقال من مرحلة إلى مرحلة، يتهيء فيها الطالب لتلقي معلومات جديدة، أو التوسع فيما لديه وما وصل إليه فيما مضى، وهي فرصة لنا لنتعرف على جوانب أخرى كثيرة من حياة هذا الابن، حيث يكون أكثر تفرغا، فان كان وقته في أثناء الدراسة مليء بالمذاكرة والواجبات والتحصيل ومتابعة دروسه فليس لديه وقت لغير ذلك، فالعطلة يكون فيها متفرغا لا يشغل وقته شيء، فهنا يبرز دور البيت ودور الأب ودور الأسرة، في غرس الأشياء المفيدة النافعة، التي لم تتح الفرصة اثناء الدراسة على غرسها، فيتعلم الطالب اشياء جديدة بطريق مباشر أو غير مباشر، إما قراءة كتاب أو تنمية موهبة أو تعلم حرفة، أو التعرف على مناطق أخرى، فالفرصة متاحة في العطلة دون غيرها، والتعلم لا يقف عند حد أو على طريقة معينة، فكل شيء جديد تتعرف عليه فهو علم، فلا يترك هذا الطالب هملا دون رعاية أو توجيه، بحجة انه في عطلة مدرسية، فسيكون مردود ذلك سلبيا على حياته كلها، فان أنت قصرت في استغلال مواهب ابنك في تعليمه شيء ينفعه، لم يعدم من يعلمه شيء قد يضره، وأنت الخاسر ولاشك، فمسؤولية الأب والأسرة تتضاعف في العطل، لعدم وجود ما يشغل الابن، وعدم وجود مساند أو مساعد من مدرسة أو معلمين .
الإنسان في تعلم دائم وتلقى لا ينتهي، يتفاعل مع ما حوله في كل لحظة، فان لم يجد ما يشغله من الأعمال الصالحة النافعة، اتجه سريعا إلى ما يقابلها من الأشياء الأخرى الضارة .
إن الإنسان في بداية حياته يكون كصفحة بيضاء نقية، قابلة لان تكتب عليها ما تشاء، سواء خيرا أم شرا، أو هي كشريط التسجيل تسجل عليه حديثا نافعا، أو أغنية هابطة، فهو قابل لان تشكله كما تريد، وتدخل فيه ما ترغب من معلومات وتوجهات، قال صلى الله عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) فهو مهىء لكل شيء حسب توجيهات أبويه واسرته والمحيطين به إن أحسنوا استغلاله، وان تركوه وأهملوه جاء آخرون فحشوه، وقد يكون في ذلك ما لا تحمد عقباه، فالأمر ليس سهلا :
وينشأ ناشى الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
إن العطلة الصيفة خطيرة جدا، في حياة هذا الإنسان الصغير الغر،الذي يتأثر بما يسمع وبما يرى، وبالذات في عصرنا الحاضر، عصر الفضائيات والاتصالات المتعددة،فالمجال أمامه مجال متسع كبير، ليس لديه ما يشغل به وقته، فقد يتعلم اشياء ضارة، أو يكسب عادات سيئة، بسبب الغفلة عنه بحجة انه في عطلة، فدور الأب والأسرة دور خطير، تتضاعف تلك الخطورة والأهمية في العطل المدرسية، فيجب أن لا تغفل أعيننا عن أبنائنا طرفة عين، نعرف أين يذهبون ومع من يجلسون، وما هو الجديد الذي يطرى عليهم، فنتلافاه في بدايته قبل أن يستفحل، إن كان فيه ضرر قومناه،وان كان صالحا شجعناه.
والإنسان بطبعه اجتماعي لا يستغني عن الآخرين، لابد أن يخالطهم، فلا يستطيع العيش بمعزل عنهم، لذلك يجب أن لا نمنع أبنائنا عن ممارسة حقهم ذلك، بالالتقاء بالآخرين والاختلاط بهم، حتى لا يكون لديه عقدة الانطواء وعدم التفاعل مع مجتمعه، ولكن في المقابل يجب أن نحصنهم، ونكسبهم ميزة التفريق بين الغث والسمين،ولا نغفل عنهم وعن تصرفاتهم، وعن مناقشة أفكارهم، فنوجههم الوجهة الصحيحة، ونستغل ما تلقوه من جديد في صالح تربيتهم، فيميزون بين الصالح والطالح، وان يكونوا موثرون لا متأثرين، يوثرون في غيرهم بالصالح النافع، ولا يتأثرون بما لديهم من أفكار وعادات ضارة، نهيئهم بان يعرفوا الخير فيتبعوه، ويعرفوا الشر فيجتنبوه ويتحاشوه 0
إن الأب إذا أحسن تربية ابنه وبذر في نفسه بذرة الخير، كان أول المستفيدين وأول الفائزين، في الدنيا براحة البال والثناء الحسن والدعاء الطيب المبارك، والجزاء المضاعف من عند الله سبحانه وتعالى في الآخرة، وان هو قصر وأهمل التربية وفرط فيها، كان أول المكتوين بنارها، بما يصيبه من هم ونكد، وإحساس بالفشل ومرارة الحسرة، ففي كل يوم يجلب له هذا الابن مصيبة، ويجلب عليه دعوة مظلوم تسبب ولده في ظلمه، مع ما ينتظره في الآخرة من جزاء هو لاشك أهل له، فالتربية ليست هي تهيئة السكن والمأكل والملبس فقط كما يتصور الكثير من الآباء، بل هو شيء أعمق وأعظم، ينطلق من إحساس بالمسؤولية، فيتغلغل خلال عقل ووجدان وتوجهات هذا الابن، ليدله على الخير ويجنبه الشر وأهله، فالأبناء أمانة وضعها الله بين أيدينا، سنسال عنها ونحاسب حسابا عسيرا إن أهملنا وفرطنا.
لا تهمل أيها الأب أو تتوانا، فيأتي عليك يوم تندم وتتحسر ولا ينفعك ذلك .
وفقنا الله إلى إتباع أحسن السبل، وجعلنا وذرياتنا من عباده الصالحين، ووفقنا إلى نوال رضاه، وبصرنا بأداء مهامنا كما يحب ويرضى .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

عبد الله بن علي قاسم الفيفي

بواسطة : faifaonline.net
 2  0  827
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:38 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.