• ×

07:16 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه

بقلم المشرف التربوي / يحي يزيد سلمان الفيفي


ما حرم الله على عباده شيئاً إلا عوضهم خيراً منه , فحرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم خيراً منه وهي الاستخارة , وحرم عليهم الربا وعوضهم عنه التجارة الرابحة , وحرم عليهم سماع آلات اللهو وعوضهم عنها سماع القرآن , وحرم عليهم الخبائث من الطعام والشراب وعوضهم عنها الطيبات , فمن تلمح هذا وتأمله هان عليه ترك الهوى المردي واعتاض عنه بالنافع المجدي وعرف حكمة الله ورحمته في الأمر والنهي كما قال ابن القيم .وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع كثيرة منها ما ذكره الله في المهاجرين الأولين الذين هجروا أوطانهم وأموالهم وأحبابهم لله فعوضهم الله الرزق الواسع في الدنيا والعز والتمكين , وإبراهيم الخليل عليه السلام لما اعتزل قومه وأباه وما يدعون من دون الله وهب له إسحاق ويعقوب والذرية الصالحة, ويوسف عليه السلام لما امتنع خوفاً من الله عن الوقوع مع امرأة العزيز مع ما كانت تمنيه به من الحظوة وقوة النفوذ في قصر العزيز ورياسته وصبر على السجن وأحبه وطلبه ليبعده عن دائرة الفساد والفتنة عوضه الله أن مكن له في الأرض يتبوء منها حيث يشاء ويستمتع بما يشاء مما أحل الله له , وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله نشر لهم من رحمته وهيئ لهم أسباب المرافق والراحة وجعلهم سبباً لهداية الضالين , ومريم ابنة عمران لما أحصنت فرجها أكرمها الله ونفخ فيه من روحه وجعلها وابنها آية للعالمين ,وسليمان عليه السلام ترك خيله مع حبه لها فأبدله الله تعالى بأن سخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب , قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فهذا سليمان عليه السلام لما ترك الخيل غضباً لله تعالى وقطعاً لدابر هذه الخيول التي ألهته , فأعاضه الله تعالى بالريح \" فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب \" أي : حيث أراد مع أن الريح عاصفة قوية , والعادة أن العاصفة القوية تقلق , ولا تكون رخاء لكن هذه جعلها الله رخاء . وقد ذكروا أنه يضع بسطاً , فيجتمع هو وحاشيته على هذا البساط ثم تطير بهم الريح حيث أرادوا , شمالاً أو جنوباً , أو شرقاً , أو غرباً حيث أصاب . أهـ . عن عائشة رضي الله عنها قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة قالت : بناتي , ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع فقال : ما هذا الذي أرى وسطهن ؟\" قالت : فرس , قال : \" وما هذا الذي عليه ؟\" قالت : جناحان , قال :\"فرس له جناحان \" قالت : أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة ؟ قالت : فضحك حتى بدت نواجزه \" رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح
قال القاضي أبو بكر محمد عبد الباقي الأنصاري : كنت مجاوراً بمكة حرسها الله تعالى : فأصابني يوماً من الأيام جوع شديد لم أجد شيئاً أدفع به عني الجوع , فوجدت كيساً من أبريسم مشدوداً بشرابة من إبريسم أيضاً , فأخذته وجئت به إلى بيتي , فحللته فوجدت فيه عقداً من لؤلؤ لم أر مثله . فخرجت فإذا بشيخ ينادي عليه , ومعه خرقة فيها خمس مئة دينار وهو يقول : هذا لمن يرد علينا الكيس الذي فيه اللؤلؤ , فقلت : أنا محتاج , وأنا جائع , فأخذ هذا الذهب فانتفع به , وأرد عليه الكيس . فقلت له : تعال إلي , فأخذته وجئت به إلى بيتي , فأعطاني علامة الكيس , وعلامة الشرابة , وعلامة اللؤلؤ وعدده , والخيط الذي مشدود به , فأخرجته ودفعته إليه , فسلم إلي خمس مئة دينار , فما أخذتها , وقلت : يجب علي أن أعيده إليك , ولا آخذ له جزاءًا , فقال لي : لا بد أن تأخذ وألح علي كثيراً،فلم أقبل ذلك منه،فتركني ومضى.
وأما ما كان مني،فإني خرجت من مكة وركبت البحر،فانكسر المركب وغرق الناس،وهلكت أموالهم،وسلمت أنا على قطعة من المركب،فبقيت مدة في البحر لا أدري أين أذهب؟فوصلت إلى جزيرة فيها قوم،فقعدت في بعض المساجد،فسمعوني أقرأ،فلم يبق في تلك الجزيرة أحد إلا جاء إلي وقال:علمني القرآن،فحصل لي من أولئك القوم شيء كثير من المال.
ثم أني رأيت في ذلك المسجد أوراقاً من مصحف،فأخذتها أقرأ فيها،فقالوا لي:تحسن تكتب؟فقلت:نعم،فقالوا:علمنا الخط،فجاؤا بأولادهم من الصبيان والشباب،فكنت أعلمهم،فحصل لي أيضاً من ذلك شيء كثير،فقالوا لي بعد ذلك:عندنا صبية يتيمة،ولها شيء من الدنيا،نريد أن تتزوج بها،فامتنعت،فقالوا لا بد،وألزموني فأجبتهم إلى ذلك.
فلما زفوها إلي مددت عيني أنظر إليها،فوجدت ذلك العقد بعينه معلقاً في عنقها،فما كان لي حينئذ شغل إلا النظر إليه،فقالوا:لي يا شيخ كسرت قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد،ولم تنظر إليها،فقصصت عليهم قصة العقد،فصاحوا وصرخوا بالتهليل والتكبير،حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة،فقلت:ما بكم؟فقالوا:ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد أبو هذه الصبية،وكان يقول،ما وجدت في الدنيا مسلماً إلا هذا الذي رد علي هذا العقد.
وكان يدعو ويقول:اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه بابنتي،والآن قد حصلت،فبقيت معها مدة،ورزقت منها بولدين.
ثم أنها ماتت فورثت العقد أنا وولداي،ثم مات الولدان،فحصل العقد لي،فبعته بمئة ألف دينار،هذا المال الذي ترونه معي من بقايا ذلك المال.أهـ
وهكذا من ترك ما تهواه نفسه من الشهوات لله تعالى عوضه الله من محبته وعبادته والإنابة إليه ما يفوق لذات الدنيا كلها.

بواسطة : faifaonline.net
 8  0  821
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:16 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.