• ×

09:03 مساءً , الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016

الكشف عن معاني الحروف المفردة في القرآن سورة ق ـ3

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي علم بالقلم , علم الإنسان ما لم يعلم , وصلى الله وسلم وبارك على من أوتي جوامع الكلم . أما بعد ...

ذكرنا في الحلقة الماضية أن قاف استعارة , وتعرف الاستعارة بأنها : [نقل الاسم عن مسماه الأصلي إلى شيء آخر ثابت معلوم , فتجريه عليه وتجعله متناولا له تناول الصفة مثلا للموصوف .] أسرار البلاغة للجرجاني . وهذا مفهوم الاستعارة العام ولها أقسام كثيرة ,جدد بها عهدا إن شئت في كتب البلاغة .
و(ق) استعارة فريدة من نوعها رسمت (ق) بمد عارض للسكون -على قراءة السكت -للدلالة على أن هذا هو الأصل وقُرأت : قافِ وقافَ و قافُ .[ يقال قافَ أثَره يقُوفُه قَوْفاً، واقتافَ أثره اقتِيافاً، إذا تَبِع أثره.] تهذيب اللغة, للأزهري وذكرنا سر القراءات الثلاث وتركنا الرفع . ثم ذكنا أنها الاستعارة المعجزة لأنها فوق أي استعارة , واستهل به في معرض التحدي والرد على منكري البعث .وأطلقه علما للسورة لانفراده بهذا الرسم والتصريف , ثم مضينا نتتبع هذا المعنى في مقاطع السورة وآياتها حتى بلغنا الآية (11) . ونستكمل في هذه الحلقة


الحلقة الثالثة من سورة ق


يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)
فتصور عندما يسوق الكافر سائقه إلى جهنم , بعد أهوال ذلك اليوم , وبعد أن أقيمت عليه الحجة , واستشهد الشاهد , وتقرر مصيره (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) فإذا دنى منها , أو بلغ بابا من أبوابها سئلت جهنم (هَلِ امْتَلَأْتِ ) ؟. فما أن ينبعث الأمل في نفسه بأنها قد امتلأت ولا مكان له فيها , حتى يأتي الرد سريعا (وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) فينهار سريعا ذلك الوهم . فتأمل ما في ذلك من مرارة العذاب النفسي .
(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) أدنيت من التقريب
أورد مرتضى الزبيدي في تاج العروس لَعَمْرُكِ إِنِّي يَوْمَ أَقْوَاعِ زُلْفَةٍ ... عَلَى ماأَرَى خَلْفَ الْقَفَا لَوَقُورٌ الزُّلْفَةُ : الصَّحْفَةُ عن ابنِ عَبَّادٍ وجَمْعُها : زُلَفٌ . الزُّلْفَةُ : القُرْبَةُ
ومما عرفناه من أواني التراث الزَّلـَفة : إناء دائري منحوت من الخشب , يدنى من الضيف و يقرب له فيه الطعام .
وهذا من الاحتفاء بأهل الجنة والتكريم لهم أن تقرب لهم الجنة برمتها .
(هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) أواب : كثير الأوب إلى ربه والعودة إليه بالاستغفار والتوبة والتسبيح كثير العودة الى الطاعة , فكلما أخذت منه النفس والهوى والشيطان ذكر الله فعاد إليه والتجأ من الله إليه.

وفي الحديث , عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ وَرُبَّمَا قَالَ أَصَبْتُ فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا قَالَ قَالَ رَبِّ أَصَبْتُ أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ.

وقد بين - سبحانه من هو (كُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) بعدها بأنه (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ )
فخشية الله بالغيب جماع ذلك كله , و بقلب راجع إلى الله مخلص له .

(ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) وهنا البشارة بالسلام - بعكس من سيق إلى جهنم بل في رقي وعلو وزيادة دون نقص (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) والمزيد على ما يشتهون هو النظر إلى وجهه تبارك وتعالى فلم يؤتى أهل الجنة خيرا من ذلك .
واليك بعضا من المشاهد هناك
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ كَبْوًا فَيَقُولُ اللَّهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ تَسْخَرُ مِنِّي أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي وَأَنْتَ الْمَلِكُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَكَانَ يَقُولُ ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا.
كَانَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فذكر أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ , فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ .

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ . هذا والله تعالى أعلم .
فأسأل الله العظيم الكريم بوجهه الكريم أن يجلني وإياك ممن نجا من جهنم , وأدخل الجنة بسلام وشرفه الله بالنظر الى وجهه الكريم .
والى الملتقى إن شاء الله - استودعك الله .
سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

بواسطة : faifaonline.net
 0  0  1262
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:03 مساءً الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016.