• ×

10:54 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

الكشف عن معاني الحروف المفردة في القرآن (سورة ق 4 ).

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
سورة ق 4

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي علم بالقلم , علم الإنسان ما لم يعلم , وصلى الله وسلم وبارك على من أوتي جوامع الكلم . أما بعد ...

ذكرنا في الحلقات الماضية أن ق استعارة , وتعرف الاستعارة بأنها : [نقل الاسم عن مسماه الأصلي إلى شيء آخر ثابت معلوم , فتجريه عليه وتجعله متناولا له تناول الصفة مثلا للموصوف .] أسرار البلاغة للجرجاني . وهذا المفهوم العام للاستعارة المفيدة ولها أقسام كثيرة ,جدد بها عهدا إن شئت في كتب البلاغة .

و(ق) استعارة فريدة من نوعها رسمت (ق) بمد عارض للسكون -على قراءة السكت -للدلالة على أن هذا هو الأصل وقُرأت : قافِ وقافَ و قافُ .[ يقال قافَ أثَره يقُوفُه قَوْفاً، واقتافَ أثره اقتِيافاً، إذا تَبِع أثره.] تهذيب اللغة, للأزهري وذكرنا سر القراءات الثلاث وتركنا الرفع . ثم ذكنا أنها الاستعارة المعجزة لأنها فوق أي استعارة , واستهل به في معرض التحدي والرد على منكري البعث .ولِـما تقدم وتكرره وبروز معانيه في آيات السورة ومقاطعها استحق أن يكون علما للسورة واسما تعرف به .

وإن أشكل عليك هذا السرد , فتفصيله كما يلي :
فالمستعار : قاف , اسم الحرف
والمستعار له : الاقتفاء والقيافة وما احتمله من التفاسير الأخرى
والمستعار منه: ق الحرف المجرد الدال على الأصوات : قـَ , قـِ ,قـُ ,قْـ

والقرينة هي الرسم على هذا الشكل (ق)في المصحف ولولا ذلك لكتبت قاف كما سُمعت , فهذا الرسم توقيفي ولا بد أن يكون له حكمة .

فإن قلتَ : لكنه لم يُذكر في الاستعارة ( قرينةٌ رسمية ) أي : قرينة الخط أو الكتابة .

فأقول: ما دامت القرينة هي الشيء المصاحب الذي يستدل به , فهي أعم من قصرها على ( لفظية , معنوية , حالية ) فما ذكر من القرائن إنما هو على سبيل الحصر لا القصر , مع أن الرسم واللفظ توأمان يصعب فصلهما , وخصوصا في النص القرآني .

فإن قلتَ : وما دام أن الرسم واللفظ توأمان يصعب فصلهما . فلماذا لم تقل بأن القرينة لفظية ؟

قلتُ : لأن اللفظ هو الجامع في هذه الاستعارة . والقرينة هي الرسم . ولا يمكن أن تحل إحداهما مكان الأخرى .

وقد كان بإمكاني أخذ الجامع من إحدى صفات الحرف ( ق ) كـ(القلقلة و الشدة والجهر والانفتاح ) وهذه المعاني موجودة في السورة , ولكنها لا تغلب واحدة , ولو أمكن و فعلت ذلك لحصرت هذه الاستعارة في التشبيه وهي أعم من الاستعارة التشبيهية كما تلاحظ .

فإن قلتَ : وعلى ماذا تستند في جعلك اللفظ جامعا في هذه الاستعارة ؟

فأقول : المشترك اللفظي تطابق اللفظ للمعنيين - سند واضح . وجامع لا يمكن إنكاره أو رده , فهو اسم للحرف ويعبر به أيضا عن الفعل دون تغيير. بل هي فائدة تضاف إلى الاستعارة والاستهلال , فتأمل هذا الأسلوب المعجز بكل تفاصيله , ماذا جمع في هذا الحرف ؟

كما أن قرينة الرسم أقوى . لأن مطابقة الرسم العثماني وهو المصحف الذي بين أيدينا شرط في صحة القراءة حتى وإن صح السند و وافقت العربية . فعدم موافقة الرسم أو العربية ينقل القراءة من المشهور إلى الآحاد وبالتالي لا يجوز القراءة بها .

فإذا كان هذا هو شأن الرسم ومكانته فمن باب أولى قبول الرسم قرينة لهذه الاستعارة وهو بالفعل قرينة لن تنفصل عن النص القرآني إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال - تعالى -: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) فالتنقيب بحث واقتفاء لمخرج ومفر وملاذ من العذاب . ولكن دون جدوى .

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ [ يتفكر به , ويقتفي به الحقائق والشواهد الكونية الدالة على قدرة الله ] أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ [ يتتبع هذه الآيات ويعتبر بما فيها من وعيد وخبر ] وَهُوَ شَهِيدٌ (37) أي السمع . لأن هناك من يأبى إلا شاهدا من نفسه , فيختِم الله علي فيه وتستنطق جوارحه فتشهد عليه , ثم يخلى عنه فيقول : تبا لكن , عنكن كنت أنافح .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) إذا فلن يعييه اقتفاء من فيهن وتتبعه وإخراجه وإعادة خلقه .

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ [ آخر الليل] وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ آخر النهار](39) فتقتفي آخر الليل وآخر النهار بالتسبيح . ومن ذلك التسبيح أذكار طرفي النهار , وقد جمعها ورتبها القحطاني في حصن المسلم .قيمة الكتيب ريال واحد . بل جمع فيه ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأدعية ما يتعلق بكافة الأحوال التي قد يمر بها الإنسان في حياته . فجزاه الله خير الجزاء فهي كنز لا يقدر بثمن , ولو لم يكن لتلك الأذكار إلا الفوائد العاجلة لكان حريا بنا أن لا نفرط في شيء منها . فكيف وهي غرائس الجنة وكنوزها وقصورها!. فلا حول ولا قوة إلا بالله .

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) أدبار السجود بعد الصلوات تتبعها بالتسبيح . وأذكار التي تقال بعد الصلاة مبينة أيضا في حصن المسلم وهذه دعوة لمن لم يكن ملتزما بتلك الأذكار . أن يأخذ الكتيب ويطبق الأذكار المعتادة في اليوم والليلة , ولو أسبوعا , وأنا على ثقة بأنه لن يلبث طويلا حتى يشعر بتغير كبير في حياته .

وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) عندما يستدعى الخلق من تحت الثرى . بعد اكتمال الخلق من تلك البذرة .
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) التشقق والخروج ومشابهة الصورة للنباتات التي أشار إليها في أول السورة وسهولة ذلك على الله .

نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45) فهذه الصور والعبر التي تضمنها القرآن تقتفي أثر الإيمان في قلوبنا فتشعله .هذا لمن خاف وعيد الله الذي بلغنا على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم .

وقد أورد محيي الدين الدرويشي في اعراب القرآن استعارتين في السورة:
الأولى :استعارة تصريحية في قوله تعالى : (فكشفنا عنك غطاءك )
والثانية : الاستعارة المكنية التخييلية . في قوله تعالى : (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) مع خلاف مطول حول جواز القول بهذه الاستعارة في كتاب الله من عدمه . بين أهل السنة والمعتزلة , لكنه قال في آخره : ولا يفوتك ما في هذه الاستعارة من جمال التخييل الحسي والتجسيم لجهنم المتغيظة والنهمة التي لا تشبع وقد تهافت عليها أولئك الذين كانوا يصمون آذانهم في دنياهم عن الدعوة إلى الهدى , ويصرون على غيهم ولجاجهم . وهاهم الآن يستجيبون لدعوتها مرغمين .
وفي اعتقادي أنها تنطق وتقول هل من مزيد على الحقيقة لا مجازا . لقوله تعالى -: (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )(21) فصلت .والله أعلم

وقبل الختام ,فجدير بالذكر أن أشير ولو إشارة بسيطة إلى السورة التي تليها وهي سورة الذاريات فتأمل العلاقة بين البذرة والذاريات مستعينا في ذلك بالتفاسير .
والله تبارك تعالى- أعلم . وهو سبحانه - بنا أرأف وأرحم .


والى أن يجمعنا المولى تبارك وتعالى في رحاب هذه المعجزة الخالدة استودعكم الله .
وسبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

بواسطة : faifaonline.net
 0  0  2624
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:54 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.