• ×

01:14 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

أضواء | الحلقة الثانية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحلقة الثانية : أضواء على شخصية الشيخ القاضي : علي بن قاسم آل طارش الفيفي
بقلم أ. عبدالله بن علي قاسم الفيفي

[HR]

||عرض كل الحلقات ||


image



ميزاته الشخصية:

كان ذا شخصية متميزة ،فهو حاد الذكاء ،قوي الشخصية والإرادة، إذا عزم على شيء لا يتركه حتى ينجزه فهو لا يشغل نفسه بكثرة التفكير في العواقب بل يسرع في عمل ما أنقدح في ذهنه بدون تقاعس أو تخاذل وإذا بدت صعوبة فلا يستسلم ، بل يحاول ويحاول حتى يصل إلى ما عزم عليه،بل ويفرض شخصيته القوية على من حوله فهو مؤثر،وقائد قوي يتوقع ممن حوله أن يسايروه في بلوغ ما وصل إليه هو، مادامت الفرص التي اتيحت له متاحة لهم، دون أن يأخذ في الاعتبار الفوارق الفردية.
كان يتعلم الشيء بسرعة ويتقنه ويطبقه دون خوف أو تردد أو تفكير في العواقب ،ولو كانت فيه خطورة ،وقد يكون لحماس الشباب الخالي من النظرة المتعقلة دور في كثير من ذلك،إلا أن رغبته الأكيدة في تغيير الواقع إلى الأفضل كان يبرر له المجازفة خصوصاً إذا كانت الحاجة قائمة وملحة ، وقد نال الكثير من النجاح في مقابل بعض الإخفاق ،ولكن كان قصده والمحرك له كما يتضح هو حسن القصد ونبل الهدف،مما جعله يغفل عن كثير من العواقب في بعض الحالات، ولتوضيح بعض مما ذكرنا نورد مثالين هما:
الأول : انه في تلك الأيام لا تتوفر علاجات طبية، إلا ما توارثه الناس من بعض الوصفات العشبية البسيطة، أو الكي أو الحجامة وتجبير الكسور، وبعض المعالجات البدائية التي قد يكون ضررها اكبر من نفعها، ولكن لا حيلة أمامهم غيرها
إذا لم تكن إلا الأسنة مركب فما حيلة المضطر إلا ركوبها

فالبيئة بدائية يكتنفها الثالوث المدمر (الفقر والمرض والجهل)، فلا يخلو بيت من مريض أو أكثر، لا حيلة لأهله إلا تمريضه وانتظار احد أمرين: شفائه من ذات نفسه وتغلبه على علته دون تدخل خارجي إلا من الله سبحانه وتعالى ،وإما الموت ، وقد كانت جدتي رحمها الله تمارس بعض هذه التطبيبات البسيطة اجتهادا منها واضطراراً ، فكان والدي بحكم وعيه ،بما وصل إليه من مستوى علمي، ولأسفاره وإطلاعه واختلاطه بالآخرين، يتحرق لما يرى في مجتمعه من حالات مرضيه، يقفون عاجزين أمامها ،ولا يتوفر لديهم شيء لمعالجة أو تخفيف بعض هذه الحالات التي قد تتفاقم حينما لا يوجد ما يضادها من علاجات وأدوية، فكان لاهتمامه واشتغال فكره بما يرى ،حافز ليجدّ في البحث عن ما يساعد به المحتاجين،إلى أن فتحت صيدلية في مدينة جيزان ففرح بها أشد الفرح ، ووجد فيها ضالته ،فكان يشتري منها بعض الأدوية ، كالمضادات الحيوية والمسكنات والضمادات والمطهرات وخلاف ذلك، مما يراه مناسبا ، وبعد استعمالها وإلمامه بشيء من خواصها وتعليمات استخدامها وفوائدها ،طمح لما هو أكثر فائدة حيث رأى أن الحقن قد تكون أكثر ايجابية وأسرع فائدة، فسعى إلى إقناع الصيدلي بعد أن نمت بينهما علاقة صداقة إلى تعليمه كيفية استخدامها، وما أسرع ما أتقن مبادىء ذلك ،من التعقيم والحقن وخلافه،فتعقيمها كان يتطلب مجهوداً كبيراً،حيث يقوم بغليها في الماء للتتعقم ،وقد اشترى من الصيدلية بعض المضادات الحيوية ، فكان يقوم باستخدامها على نطاق ضيق حسب الحاجة وذلك في نطاق الأسرة حيث كان أهله هم حقل تجاربه الأول ،وقد نالني من ذلك نصيب وافر ،وان لم أكن أدري لصغر سني، ولكن عندما وجدت في وركي تحت الجلد حبة صغيرة متجمدة ،و سألت أمي عنها عرفت أنها كانت إحدى تطبيباته في ذلك الزمان .
لقد كان يجتهد ويعالج بما جلبه لمن يحتاج إلى ذلك من أهله وجيرانه ومعارفه لقيام الحاجة وعدم توفر البديل ،وكان ذلك منه خدمة عظيمة قدمها للكثير من أفراد مجتمعه بشجاعة متناهية لا يخالطها تردد أو وجل ،وان كان غير ملم ببعض مكونات هذه الأدوية، وما قد تسببه أو بعضها من آثار جانبيه أو تحسسات خطيرة ،إلى أن عالج في إحدى المرات جاره (علي بن فرح) رحمه الله، فأعطاه حقنة ولم يكن يدري أن لديه حساسية منها ، مما كاد أن يفضي به إلى الموت، فقد دخل في تشنجات قوية ثم غيبوبة، بلغ بها درجة اليأس من حياته ،ولكن الله سلم،وتزامنت هذه الحادثة مع حادثة أخرى مماثلة حيث توفي زميل له عزيز عليه ابن لأمير فيفاء يدعى عبد الله مبارك الدوسري بسبب حقنة بنسلين وكانت عنده حساسية فمات بسببها ، حينئذ أتضح له مدى الخطورة الكامنة فيما يقوم به، دون علم تام لديه وتأهيل كامل، فترك كل ذلك دون رجعة إلا من المضادات البسيطة كالحبوب والشراب وغير ذلك من الأدوية التي تستعمل بالبلع أو على الجلد.
والمثال الثاني الختان : حيث كان المتوارث أن الناس لا يختنون أبناءهم إلا إذا كبروا وبلغوا سن الرجولة ،بل إن بعضهم يتجاوز ذلك ، لأنهم يعتبرون الختان فرصة لإظهار الشجاعة والرجولة والجلد، فينتظر بأحدهم إلى أن يبلغ سنا تساعده على تحمل ذلك، ويجري الختان في يوم مشهود يعلن عنه في الأسواق والتجمعات بوقت طويل ليشهر ويحضره الناس ويسمى (يوم شاهر) وفيه يبرز المختون أمام الناس ممن حضروا لإجراء هذه العملية، ويعاب عليه أي تلكؤ أو إظهار شيء من الاضطراب أو الخوف ، لأنه إن ظهر عليه شيء من ذلك فستبقى وصمة عار لا تفارقه مدى حياته، وتتوارثها ذريته من بعده ،ولن يغفر له مهما أبدى بعدها من صنوف الشجاعة والبطولة ،فكان الوالد بحكم منصبه كقاض، ولوعيه بتغير المفاهيم ،وضرورة تجاوز الكثير من السلبيات، ومنها هذا الموروث الثقيل البشع ، سعى إلي تخفيف أو إلغاء هذه العادة وهذه الاحتفالات السيئة التي يمجها العقل ولا تتقبلها العقول المتحضرة، وان كان لدى الكثير من الناس القناعة بذلك، ولكن كيف الوسيلة للتغيير؟ فكانت خطبه وكلامه ومواعظه الكثيرة تصب في معالجة ذلك ،ولكنها لا توجد القناعة التامة والسريعة في التغيير ،ولا تجدي نفعاً لرسوخ هذا الموروث وتجذره في النفوس ، والناس بحاجة لوجود القدوة وخرق العادة المستحكمة، وبالعمل المطبق أمامهم ليقتدوا به بعد المقارنة بين الجديد وما هم عليه .
لذلك سعى بنفسه ليكون هو القدوة لهم، ولعدم توفر الوسائل المعينة له حينها ،فلا يوجد أطباء كما أوضحنا سابقاً ولا مستشفيات قريبة تقوم بذلك ،لأجل ذلك سعى بنفسه إلى تعلّم كيفية إجراء هذه العملية ، وذلك عن طريق مناقشة المشهورين المتمرسين في إجرائها، فلما أحس من نفسه القدرة ،قام بتنفيذ ماعزم عليه وابتدأ في ذلك بمن هو مسؤول عنه ، فقد بدأ بي شخصياً أنا ولده الكبير، وأنا حينها دون العاشرة ،وولد عمي حسن بن مفرح وهو في مثل سني .

image




، فكانت عملية ناجحة ،ومسلكاً موثراً اقتدى به واتبعه فيه الكثير من العقلاء وعلية القوم ،فتسابق الناس على تنفيذه مع أولادهم حتى أصبح مألوفاً، وانتهت تلك العادة السيئة واضمحلت ،وقد استمر والدي في ممارسة عملية الختان لأولاده، إلى أن كاد يفقد ولده احمد بسببها، حيث ختنه وهو في الشهور الأولى من عمره،فنزف كثيراً ولا وسيلة متوفرة لإيقاف هذا النزيف إلى أن شارف على الموت ولكن الله سلم .
لذلك ترك الوالد إجراء مثل هذه العملية،وكان دائما يكرر القول المشهور عن جماعتنا أهل الذراع (أنهم يفرمون ولا يتعلمون ) أي أنك مهما علمت احدهم وحذرته من خطورة ما يقدم عليه فلن يستجيب حتى يعاين الخطر بنفسه فحينها يقتنع ويترك ممارسة ذلك العمل .

image



ذكاؤه :

كان يتمتع بدرجة عالية من الذكاء ،ويظهر ذلك في تحصيله العلمي في فترة وجيزة ،ونتاجه الفكري ،وفي عمله الوظيفي وفي حياته العامة والخاصة ،فكل ذلك يعود بعد توفيق الله سبحانه وتعالى إلى الدرجة العالية من الذكاء الذي منحه الله (عز وجل) إياه ،وكان في شبابه يبرز الكثير من قدراته في هذا المجال ،وكان يظهر فيما يمارسه من ألعاب كانت تعتمد في معظمها على الذكاء ،والتي كان يميل إليها أكثر من غيرها، حتى أن بعض الأقران الذين لا يعرفونه كما ينبغي ،ولم يستوعبوا سر هذه الألعاب التي يقوم بها،كانوا يرمونه بالسحر لما يرونه من أدائه الذي يبهرهم ، فلما بلغ شيخه فضيلة الشيخ/ حافظ بن أحمد الحكمي (رحمه الله) شيئا من ذلك نبهه إلى خطورته، فقد استدعاه ذات مرة وطلب منه أن يوضح له هذه الألعاب، فلما شرحها له، قال: أعرف أن هذا ذكاء منك ولكن الآخرين قد لا يفقهون ذلك، لذا فقد يرمونك بما رموك به ويشيعونه بين الناس ، فإذا سرت الفرية بين الناس فلن تستطيع بعدها ان تتخلص منها وتمنع الناس من الحديث عنها ورميك بها مهما حاولت على حد قول الشاعر :
قد قيل ما قيل إن صدقاً وان كذباً فما اعتذارك من قول إذا قيل
فأرى أن تمتنع عن مثل هذه الألعاب، أو مع نهاية كل لعبة قبل انصراف الحاضرين تشرح لهم الكيفية التي نفذتها به حتى يزول عنهم أي لبس فلا يشاع عنك ما ليس فيك ،وكان ذكاؤه معيناً له في كل أموره الحياتية العلمية والعملية والاجتماعية ، وقد سخره فيما فيه الخير لنفسه ومجتمعه ــ ولله الحمد ــ.
فكان يستوعب دروسه ويتفوق فيها ، حتى فاق أقرانه في الكثير منها، وكان متفوقا في علم الفرائض،وهو علم تقسيم التركات الذي يقوم على العمليات الحسابية في أكثره،وقد كان ذكاؤه معيناً له في هذا المجال،مع أن ما يدرسونه من الحساب هو عبارة عن مبادئ بسيطة عن (الجمع والطرح والضرب والقسمة) قد لا يكفي لإتقان العمليات الحسابية الفرضية الكبيرة التي تتطلب مهارة وقدرة فائقة في العمليات الحسابية ،ومع ذلك فقد طور نفسه فيها وتفوق،حيث أحب هذا العلم وأتقنه،واذكر من تفوقه فيه انه كان يصعب علي في المرحلة الابتدائية حفظ جدول الضرب كما ينبغي، فعلمني طريقة بسيطة ما زلت استفيد منها إلى اليوم واعلمها بعض الأبناء ،ولا ادري هل هي من عنده أو اقتبسها من غيره ، ولكنها غير منتشرة حسب علمي،وهذه الطريقة تعتمد على أصابع اليدين،وتفيد بوضوح في عمليات الضرب من الستة إلى العشرة، فكل يد تمثل احد الرقمين طرفي المسائلة،فالستة تعقد لها احد الأصابع، والسبعة اثنتين، والثمانية ثلاث، والتسعة أربع، والعشرة خمس ،والإصبع التي تعقد المطوية تحسب بعشرة ، والأصابع الأخرى التي لم تعقد في كل يد تعتبر آحاداً فتضرب الأصابع التي لم تعقد من اليد في الأصابع التي تقابلها في اليد الأخرى والناتج منها تضيف العشرات منه على العشرات التي تمثلها الأصابع المعقودة من كل يد وما زاد الذي هو اقل من عشرة يعتبر آحادا فمثلاً : ستة في ستة ،تطوي إصبع في كل يد فيبقى في كل يد أربع أصابع غير معقودة ، فإذا ضربتها أربعة في أربعة يطلع الناتج ستة عشر فتضيف العشرة إلى العشرين التي تمثلها الأصابع المعقودة ويبقى ستة أرقام فتكون النتيجة ستة وثلاثون،وهو حاصل ضرب ستة في ستة كما نعرف،وكذلك العمل في الأرقام الأخرى.
أجزل الله له الأجر والمثوبة.






يتبع في حلقات قادمة بإذن الله







بواسطة : faifaonline.net
 9  0  1694
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:14 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.