• ×

09:00 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

الكشف عن معاني الحروف المفردة في القرآن (سورة ص) 3

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعه وآله ... أما بعد

قال تعالى - : (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) )
أي : أم عندهم ......حتى يمنعوا رحمة الله عمَّن شاءوا , استنكارا لقولهم (أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ) .فالذي يملك خزائن رحمة الله .ومن له ملك السماوات والأرض وما بينهما ؛ هو من يعطي ويمنع , وينزل ملائكته بالوحي على من يشاء ,ويعز من يشاء ويذل من يشاء , ويصيب برحمته من يشاء . ولذلك يقول (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ) وكل ذلك ممتنع . (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ)

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) فهذه الأمم لما كذبوا رسلهم وامتنعوا عن قبول الحق , لم يمنعهم من عذاب الله شيء بل حق عليهم . قال تعالى في سورة الأنبياء : (أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)

وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)
وهذا ممتنع لأن الله عز وجل قال : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) الأنفال

اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)
وهنا يظهر معنى الحرف ( ص ) مرتبطا بما في القسم بعده من معناه . في :
1-الصبر .
2-ذا الأيد : كناية عن كثرة الإنفاق . فأول ما يثني على داوود بل على كل أنبيائه عليهم السلام بكثرة الإنفاق والصدقة . لأن الشح مانع من الفلاح كما أخبرنا في قوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) من سورة الحشر . و من سوؤة التغابن : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم كالريح المرسلة , وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة .
3-أواب : كثير الرجوع والعودة إلى الله بالاستغفار والتوبة وكثرة الذكر .وقد وردت في السورة ثلاث مرات وصفا لداود وسليمان وأيوب عليهم السلام في معرض الثناء . وقد ورد في حديث أَبِي هرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: إِنَّ عَبْدًا أَصَاب ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ، أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ، أَوْ أَصَبْتُ آَخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا قَالَ: قَالَ رَبِّ أَصَبْتُ أَوْ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ
غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاَثًا فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ .)
فتأمل أنه في كل مرة يعود اليه العبد يقول غفرت لعبدي . أما بعد الثالثة فقال: غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاَثًا فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ . فلما بلغت ثلاث مرات من الأوب أصبح العبد في حصن منيع . هذا والله أعلم .
ووردت الكلمة مرة في وصف ما سُخِّر لداود في قوله : ( كل له أواب )
4-التسخير : سلب الإرادة من المنع . يسبحن : وهو من الذكر المانع .
5-والطير محشورة : ومن المعلوم حب الطير للحرية حتى أن بعضها قد يموت عندما يحبس فالمحشور ممنوع مسلوب الحرية , فأين ما ذهبت لا بد أن ترجع وتؤوب إليه . ( كل له أواب ).
6-( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ) والشدُّ من القوة والمنعة , ( وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ ) وتعرف أنها وضع الشيء في موضعه . ولا يخفى ما في الحكمة من المعنى الذي نتتبعه . (وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) الذي لا يتطرق إليه الباطل فهو ممتنع ومانع أيضا من الظلم .
ومع كل هذه الموانع التي كان يتمتع بها داوود - عليه السلام إلا أنه لم يكن بمأمن من الفتنة والاختبار . فالامتحان والاختبار لا بد منه .
قال - تعالى - : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) العنكبوت. ولذلك استهل الآيات ( اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ) . ليُنَبِّهَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن سار على نهجه واقتفى أثره . بأن الابتلاء لا بد منه ولا مانع يمنعه , بل لا بد من تجاوزه ليُنزل عباده كلا في منزلته التي يستحقها .
فيقص تبارك وتعالى - لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولمن بلغ ؛كيف أنه فتن داوود واختبره مع كل هذه المكانة والمنعة التي حباه بها . وكذلك ليصبر ويثبت . قال - تعالى -: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) الفرقان
فيقول عز من قائل :
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ .
[ كما أن داوود عليه السلام ما أن فرغ من قوله حتى تذكر وعلم أنها فتنة , فهو أيضا مع تلك المكانة لم يكن يأمن الفتنة ]
وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)
وهذه القصة ( نبأ الخصم ) هي أيضا لا تخلو من المعنى الذي نتتبعه وهو المنع :

1-وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) فالمانع حسي وهو سور المحراب الذي تسورته الملائكة . وفي المحراب : أي أنه كان في عبادة . وهذه لم تمنع وصول الفتنة إليه واعتراضه وهو في المحراب فالامتحان والاختبار قائم لا يمنعه مانع حسي ولا معنوي فسوف تصل إليك حتى وإن كنت قائما تصلي . وسواء كان خيرا أو شرا.
قال تعالى - : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)
وعلى قدر إيمان المرء يكون ابتلاؤه , وعلى قدر إيمانه يكون ثباته .
قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم : إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ عِنْدَ الله الْمَنْزِلَةُ ، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ . فَمَا يَزَالُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يَبْلُغَهَا إِيَّاهَا.

وقال : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُبْتَلَى الْبَلاَءَ ، وَذَلِكَ مِنْ كَرَامَتِهِ عَلَى الله ، إِنَّهُ لَيُبْتَلَى حَتَّى يَنَالَ مِنْهُ مَنْزِلَةً عِنْدَ الله لاَ يَنَالُهَا دُونَ أَنْ يُبْتَلَى بِذَلِكَ ، فَيَبْلُغُهُ الله تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ.

والمؤمن حذر وإن كان على طريق الخير , مع حسن الظن بالله تبارك وتعالى وعدم التشاؤم . ففي الحديث القدسي :( أنا عند ظن عبدي بي )
وهذا يولد التوازن النفسي والثبات في السراء والضراء وحسن التعامل في الحالتين وكثرة الأوب إلى الله وعدم الإنقطاع عنه - مع تقلب الأحوال ودواعي النفس والهوى والشيطان - .

2-(وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) اتباع الهوى مانع من الهدى . عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ] .
ولا زال في ( نبأ الخصم ) من هذا المعنى , ولكنني أكتفي بشاهدين .

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)
وهذا أيضا ممتنع لأن الله هو الحكيم , ويتعارض مع مفهوم الحكمة أن يخلق هذا الكون باطلا أو للهو . ومن كان ظنه بالله -تقدس و تعالى هذا , فويل له من النار . وما دام أن هذا هو حال من ظن بالله في خلق السموات والأرض وما بينهما . فكيف بمن ظن في كلام الله - من هذه الأحرف - ما ظن ! . وهي أوجز ما قيل , وهي العنوان والمدخل , افتتحت بها السور ,و بها المعاني تستظهر. وهل تـُقـَدِّمُ العربُ في كلامها إلا ما تكون العناية به أشد وأظهر ؟ .
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)
وهذا أيضا ممتنع لأنه يتعارض مع عدل الله .
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ذكرنا أن هذا الكتاب ممتنع عن الإتيان بشيء من مثله . ومن الحكمة أن يكون في هذا الكتاب لهذه الحروف في أوائل السور معنى مرتبطا بسياقها لا تنفصل عنه , يفهمه المخاطب به , والمتحدى بمثله .

نستغفرالله ونسأله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة . وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين . 24/3/1430هـ

بواسطة : faifaonline.net
 1  0  1195
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:00 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.