• ×

12:50 صباحًا , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

زارع الحكار

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
زارع الحكار= كذبة ابريل

بقلم : الأستاذ/ عبد الله بن علي قاسم الفيفي .


كان الناس في مجتمعنا (فيفاء) يعيشون اكتفاءً ذاتياً في معظم أو كل أمورهم الحياتية، فيسعون للاستفادة من كل الموجودات في أرضهم إلى ابعد الحدود وأقصى الدرجات ، ففيها وفي المجتمعات الجبلية المماثلة ،مع العزلة وصعوبة اتصال أهلها بالعالم الخارجي تزيد الحاجة إلى الاعتماد على الموارد البيئية الخاصة أكثر وأكثر، لتسيير حياتهم المعيشية البسيطة بكل سهولة، ومن الأشياء الضرورية التي كانت تنقصهم (الآنية) بجميع أنواعها ، لذلك فقد أوجدوا لأنفسهم في المقابل ما يغطى هذا النقص من المتوفر من البدائل المناسبة ، وكما قيل (الحاجة أم الاختراع) فهم استثمروا الموجودات الطبيعة المتاحة أمامهم أفضل استثمار ،فنجد آنيتهم هي من هذه الموجودات فقط ،فقد اتخذوا منها ما يتناسب مع استخداماتهم الحياتية،ومن هذه الآنية والاداوات ما هو مصنوع من:الطين، أو الخشب، أو الحجارة، أومن بعض النباتات وثمارها، فكل منها يستخدم لما يناسبه ، فمثل بعض أنواع الثمار (اليقطين) فهم يصنعون منها مجموعة من الآنية الضرورية المناسبة لحاجتهم ، فمنها ما يستخدم لجلب الماء وحفظه واستعماله، أو لحفظ الحليب ولمخضه ، أو لحفظ السمن أو الزبدة أو العسل، و ما شابه ذلك من الاستعمالات المتعددة ، لكونها مناسبة للمواد السائلة فلا تتسرب منها، ويسمون هذا النوع من اليقطين (حكارا) واحدتها (حكرة) ولا هميتها لديهم وعدم الاستغناء عنها في حياتهم المعيشية ،لما تقدمه لهم من منافع متعددة ،فهم يولونها أهمية عظيمة ، فيهتمون بزراعتها، والعناية بها حتى تكبر وتكتمل (حتى أنهم يجنبونها الشمس ويرفعونها عن مستوى الأرض حتى لا توثر فيها ) ، ثم إذا تمت ونضجت حفظوها في مكان ظليل ومناسب إلى أن تجف،ثم يقومون بإعدادها وتهيئتها ليتم الانتفاع بها على الوجه الامثل .
إن خبرتهم الكبيرة والطويلة في الزراعة،جعلتهم يحرصون على اختيار البذر المناسب منها، ثم اختيار الوقت الملائم لبذرها ،فالوقت له أهميته لدى المزارع، ويترتب عليه دور مهم في نجاح عملهم والبلوغ إلى النتائج المرجوة منه، فهو أمر ضروري ورئيس ، لا يغفلون عنه أبدا، بل يحسبونه بكل دقة،فهو يجنب زروعهم الآفات التي قد تعترضها وتوثر على تمامها، فإذا اخطئوا في اختيار الوقت بتقديم أو تأخير، لم يضمنوا الظروف والبيئة المناسبة لهذه النبتة لكي تثمر بالشكل المناسب ،فتقلبات الأجواء ووجود بعض الحشرات والآفات، أو توافق مواسم نزول الأمطار أو ندرتها ، كل ذلك يحسب لها المزارع ألف حساب، لان بعض هذه العوامل قد توثر ضعفا أو تلفا لهذه النوعية من الزروع أو تلك ،وذلك لطبيعة كل نبتة وما يناسبها واختلافه من نوع إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى ، فإذا لم يحسب حسابها ذهب عمله هدرا، أو كان دون المأمول الذي ينشده ، لذلك لكل نوع من الزروع وقت قد رصدوه وعرفوه من خلال خبراتهم المتراكمة ، وتسمع لديهم في ذلك حكايات عجيبة يصدق معظمها الواقع الملموس.
إن أفضل وقت لديهم لزراعة ثمرة اليقطين (الحكار) هي منتصف فصل الربيع فيما يسمى لديهم (بالدلي الأولى) وهو (نوء المقدم) ويدخل في (14 من برج الحمل الموافق 3 ابريل نيسان ) فكانوا لاختيار هذا الوقت يجنبونه الكثير من الموثرات والعوامل الجوية غير المناسبة ، فهم يحرصون على أن يكون إنتاجهم منه أكثر جودة واكبر حجما ، فكلما كان حجمها اكبر زادة فائدتها وارتفعت قيمتها ، وقد كان لديهم من زيادة حرصهم واهتمامهم بهذه الثمرة الثمينة معتقد توارثوه كابرا عن كابر حتى أصبح لدى معظمهم حقيقة مسلمة ، حيث يعتقدون لكي تكون الثمرة من هذه البذرة ذات حجم أكبر لا بد أن يختلق الباذر لها حكاية أو خبرا مثيرا يشيعه بين الناس ،فيعتقدون أن هذه الحكار يزداد حجمها كبرا على قدر تصديق وشيوع ما اخبر به ،لأجل ذلك يحرصون على إتقان حبك هذه القصة أو الخبر حتى ينطلي على الآخرين فتتلقفه الناس ويشيعونه فيحصل لهذا الباذر مقصودة بركة ونماء لمحصوله من هذه الثمار .
ما يلفت النظر لهذا الموضوع الذي بحمد الله قد اندثر وزال وحتى لم يعد يعرف لدى الكثير من أبناء هذا الجيل ،بل وزالت الحاجة بفضل الله إلى الاستفادة من هذه الثمرة التي كانت من أغلى واثمن الثمار، فالأواني أشكال والوان من الحديد والألمنيوم والبلاستيك والخشب، ولكل الاستخدامات الحياتية التي قد لا يصدق أبناء هذا الجيل أنها كانت قبل خمسين عاما فقط شيء من الخيال ، ما يلفت للنظر كما ذكرنا ويدعو إلى التساؤل هو الوقت الذي تزرع فيه هذه النبتة والطقوس المصاحبة لذلك ، فهو كما نلاحظ يتوافق مع بداية شهر ابريل من كل عام كما فصلنا أعلاه ، وهذا الشهر كما هو مشهور عالميا قد اختص بما يعرف بـ (كذبة ابريل) التي يتنافس أكثر الناس في المجتمعات الغربية لحبك القصص المختلقة والكاذبة على بعضهم فيها ،فإذا ما انطلت وصدقت وسار بها الركبان اكتشفوا أنهم إنما كانوا ضحية كذبة ابريل .

السوال : هل هذا محض صدفة أو هناك ارتباط بين الحالتين وان كان ذلك فمن أين تسرب هذا لذاك أليس هذا مما يدعو إلى التساؤل والعجب ، فإذا نظرنا لمجتمع فيفاء المنتشرة فيه هذه الحكاية وهذا المعتقد منذو حقب موغلة في القدم، وكانوا يعيشون في عزلة متناهية، وانغلاق تام أو شبه تام عن المحيط الخارجي حولهم، فما بالك بالعالم خارج الجزيرة العربية ،وهذا يفتح تسآؤلات عديدة ، وبالذات إذا عرفنا أن حكاية كذبة ابريل المنتشرة لدى الغرب ،ولم نعرفها ولم تنتشر في مجتمعاتنا إلا في وقت قريب ،عندما انتشر التعليم الحديث ، وتوفرت وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة ، مع أن معتقد كذبة زارع الحكار موغلة في القدم وشائعة بين الناس في هذا المحيط حتى اصبخت مضرب مثل للشخص الكثير الكذب حيث يقال عنه (كأنه زارع حكار) فهل يا ترى انتقلت مع أبناء خولان الذين شاركوا في الفتوحات الإسلامية الأولى حتى وصلوا إلى الأندلس واستقر معظمهم فيها ، ثم تغلغلت إلى الاوروبيين مع العلوم والثقافات الأخرى التي كانوا يقبسونه من عواصم هذه الحضارة في الأندلس ، ثم عادت إلينا بعد هذه القرون وقد جردت من أسبابها وغلفت بازهى الأغلفة وباسم آخر ارتباطا بالوقت ،ومن قبيل (هذه بضاعتنا ردت إلينا ) كل ذلك قابل للتخمين أو هل من تبرير أفضل ؟.
محبكم /عبد الله بن علي قاسم الفيفي

 2  0  973
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:50 صباحًا الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.