• ×

10:50 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

أضواء | الحلقة الثالثة .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image




قوة الشخصية وعلو الهمة :

وهبه الله قوة الشخصية، والهمة العالية،والصبر والتحمل في سبيل الوصول إلى ما يريد وتحقيق ما يسعى إليه، يتضح ذلك فيما بلغه بعد توفيق الله من مكانة علمية واجتماعية، وما أنجزه من نتاج علمي ومادي على مستوى مجتمعه وعلى المستوى الخارجي،وقد يقسو في كثيرٍ من الحالات على نفسه في سبيل تحقيق أهدافه ،ولا يجد لها عذراً إذا ما تقاعست أو فرطت، بل ويريد من الآخرين أن يسيروا على منواله ،في التحصيل العلمي، واستغلال الفرص المتاحة أمامهم ،لذلك تجده يعاتب من يضيع الفرص المتاحة وقد يقسوا عليه في معظم الأحيان وما ذلك إلا من شدة حرصه، فلا يعفي أحداً عن أي قصور أو تقصير في هذا الجانب ،ولا يعتبره إلا تقصير منهم وقلة اهتمام ،وقد يغفل أحياناً عن الفوارق التكوينية بين الأفراد ، من حيث الذكاء والاستيعاب وخلافه ،و يرجع كل إخفاق إلى قصور في الهمة.
نلاحظ قسوته في هذا الجانب واضحة، و إلا فهو في تعامله مع أسرته وعموم الناس رحيماً مرحاً متفتحاً، ولكنه يريد ممن يسعى لتحقيق غاية أن يستفرغ الهمة في الوصول إلى مراده وغايته باستعمال كل ما هو متاح أمامه من فرص علمية وعملية ولا يقبل عذراً لمعتذر، وقد خفّت هذه النزعة لديه فيما بعد،ولعل مرد ذلك اصطدامه في الواقع بكثير من العقليات التي لا يجدي معها هذا الأسلوب، لعدم توفر الإمكانيات الشخصية في هذا الجانب لديهم.
هذه الميزة كانت بارزة لديه في بداية حياته، حتى لقد كان يقسو في سبيلها على نفسه، ثم كان يقسو على إخوانه وأبنائه وبالذات الكبار منهم، ثم بدأ فيما بعد يتفهم الفروق الفردية، ويراعي الجوانب الأخرى لدى الآخرين ،و إذا استحضرنا بعض الأمثلة كشواهد فلا بد أن نعود إلى سنينه الأولى مع إخوانه الذين تولى الإشراف على تربيتهم، وتحصيلهم العلمي بتشجيع من والده رحمه الله، فمن كان منهم سلس القياد ولديه قدرات عقلية وصبر وتحمل نجح ووصل إلى أعلى المراتب، ومن ذلك العم الدكتور سليمان حفظه الله
image


، ومن كان منهم قوي الشكيمة لا يرضى ولا يرضخ ولا يتقبل الشدة عاند ونفر، ومثاله العم مفرح حفظه الله
image


فكان الاحتداد بينهما، يصل أحيانا إلى المواجهة ،حتى ذكر لي العم مفرح أن الأمر في بعض الأوقات يصل إلى درجة من العناد والقوة والتمسك بالمواقف ،إلى حد يكاد يفكر معه إلى الاعتداء على الحياة ولكن الله ستر عليهما وسلمهما جميعاً .
وكانت أموره كلها على هذا المنوال، وهي الشدة والحزم، وكم تلقيت منه الكثير من ذلك، مما دعاني في بعض الأحيان إلى الهرب من بين يديه بل والهرب من المنزل، وقد ذاق إخوتي وبالذات الكبار منهم، كمحمد وعبد الرحمن وفيصل ألوانا من ذلك لكنه في الأخير لان قليلا، وتغير أسلوبه فلم يعد يمد يده على أحد إلا نادراً، وفي أضيق الأحوال ولكن أصبحت له هيبة انتقلت من الكبار إلى الصغار ، وفي بعض الحوارات معه كان يعترف بهذا العنف الذي كان يمارسه ويبرره بأنه من زيادة الحرص منه ، وهو الواقع :

أقسو ليزدجروا ومن يكن حازما = فليقس أحيانا على من يرحم

وقد كان ذلك هو الأسلوب السائد في التربية في تلك الفترة وما سبقها، توارثها الناس واتبعوها، وكانت مجدية في معظم الأحوال لترسبات العنف والقسوة في حياتهم، وكان يبدو منه الأسف على بعض ما حصل منه من القسوة ، ويعترف انه كان على خطأ فيه، ومن ذلك ما أتخذه من أسلوب الشدة مع أول زوجاته رحمها الله، فانه تزوجها وهي صغيرة ، فكان يريد منها السمع والطاعة دون نقاش، والالتزام بما يمليه عليها، ووصل الأمر لصغر سنها، وشدته المبالغ فيها إلى عناد وإصرار منهما ،فكل يريد فرض شخصيته على الآخر، فبقدر قسوته عليها وضربه لها،فهي تعانده وتغيضه بعمل ما يخالف رغبته امامه،فيزيد هو شدة وهي تزيد تمردا، وبقيا على ذلك كل متمسك بقناعاته وأسلوبه،والنتيجة الحتمية لذلك هو الطلاق ،وقد ندم على ذلك اشد الندم وندمت هي ، ولات ساعة مندم، وقد خرج من تلك التجربة بدرس أثر في حياته وفي أسلوبه وتعامله فيما بعد وبالذات مع المرأة .
فالحياة في تلك الفترة كما بينا مختلفة جداً عن حاضرنا الزاهي، فيومها كان الجهل مطبقاً والنظرة الدونية للمرأة هي السائدة والمتحكمة، والاختلاط من الأمور المعتادة، وهو يريد أن يغير كل هذا الموروث بأسرع ما يمكن، ويريد أن ينشئ مجتمعاً ملتزماً دفعة واحدة قبل أن يمهد لذلك بالدعوة والتوعية،فهو كمن يقف أمام التيار ، أو السيل الجارف ، الذي يجري في مجراه المعتاد ومن يريد صده لابد من مداراته وذك بقوة الصبر والتحمل لكي تستطيع تعديله أو اجتيازه .
فبحكم الشباب وقلة الخبرة والتجارب من بعض الشدة والقسوة في أسلوبه وتعامله وما يؤمله من الآخرين، في أن يتفهموا قصده ويستجيبوا لما يمليه عليهم لأنه الادرى كم يتصور بما هو الأصلح لهم ،فهولا يسمع لوجهة نظرهم ولا يحاول مناقشتهم وإقناعهم بالمنطق والحجة ثم يتدرج بهم بالحكمة للوصول إلى المطلوب منهم، لذلك كان يصطدم بالكثير من العقبات،بل ومن استطاع الهرب من وجهه فعل،فكانت دروسا استوعبها ونفعته في مستقبل حياته، فمن ذلك مع ما سبق :
ما نستشفه من ثنايا هذه القصة التي جرت له مع قريبتنا،التي هي بنت عم لجدي (قاسم بن سلمان ) رحمهم الله جميعاً، ولها حكاية غريبة : ففي عام 1410هـ تقريبا زارتنا هذه الجدة لأول مرة ،وهي عجوز كبيرة تجاوزت السبعين ،مستقرة مع زوجها وأبنائها في مدينة الشقيري، فقد ولدت عند أخوالها من بني حريص في جهة العارضة، ولا نعرفها من قبل وهي كذلك، ولكنها سألت حتى تعرفت علينا، وقصتها عجيبة، حيث كان والدها وأخوه قد هربا من فيفاء أثر حادثة قتل حصلت من عمها، فاما القاتل فقتل من احد اقرباء المقتول حين ظفر به في سوق سقام في حقو فيفاء واما اخوه والد بطلة قصتنا فقد استقر به المقام في بلاد بني حريص الحميرة ، حيث عاش بينهم وتزوج منهم ، فرزق بمريم ، وتوفي وهي طفلة ، فعاشت مع أمها عند أخوالها ولما كبرت ابلغ اخوالها جدنا قاسم بن سلمان (رحمه الله)

image


بأنه أصبح وليها الوحيد واقرب الناس إليها، وأنها تحتاج إلى حفظه لها ورعايتها ،فأخذها وضمها لأسرته.
ولكنها ضاقت من القرار في البيت حيث تعودت على الخروج والاختلاط مع الناس ورفع الصوت بالغناء متى ما عنّ لها ذلك دون مبالاة، فقد كانت تعيش عند أخوالها في بيئة بدوية ليس لديهم هذا التحفظ في الخروج والاختلاط كما هو الشأن في البيئة الجديدة التي وجدت نفسها فيها ،بالإضافة إلى ما وجدته من والدي من الرقابة اللصيقة عليها والشدة المبالغ فيها، طالبا منها الالتزام بكامل الآداب التي يجب أن تتحلى بها وتلتزم ،لكونها امرأة مسلمة محتشمة،فلا تخرج خارج البيت دون حاجة ولا ترفع صوتها فيسمع وبالذات الغناء ولا تختلط بغير المحارم ، فكان صارما، قد يصل به ذلك أحيانا إلى الضرب إذا ما خالفت ،ومع الحجر الذي لم تتعوده من قبل، والشدة المتناهية ،هربت في حين غفلة من أهل البيت ورجعت إلى أخوالها وظلت عندهم حتى خطبت، فطلبوا من ولي أمرها (جدي) الحضور لتزويجها أو توكيل من يعقد عليها، فوكّل اخوالها في ذلك، فتزوجت وعاشت مع زوجها ورزقت بذرية ،وانقطعت أخبارها حتى نسيت ، فلما حضرت وهي في هذا السن فرح بها الكل، وتعرفوا عليها وعلى أبنائها وواصلوهم،والشاهد انه مازال عالقا في مخيلتها معاملة والدي القاسية لها كما تذكر غفر الله لهما .
وأنا كذلك قد وقع لي الكثير من المواقف المشابهة معه ،فكان إذا استدعاني لمراجعة دروسي أمامه، وبالذات إذا ابلغ من بعض المعلمين بإهمال بدر مني أو تكاسل ،فكان يود التأكد بنفسه ، فتظلم الدنيا حينها في عيني ،فمن كثرة خوفي منه تصيبني حالة من الفزع حتى لا أستطيع معها النطق والقراءة، فيتوقف تفكيري، وتشل إرادتي، وتعمى بصيرتي وينقطع صوتي ، خوفاً وفزعاً ورعباً منه، فيزيده ذلك شدة ظناً منه أنما هذا الإعياء بسبب الغباء وعدم الاهتمام ،وتزداد حالتي سوءا، فلا أخرج من لديه إلا وقد ذقت الكثير من الضرب والتوبيخ، وقد أصابتني من ذلك عقدة ، فقد بقيت بعد ذلك فترة وأنا أشعر بالرعب يجتاحني كلما رأيته،حتى أنني كنت أتجنب الالتقاء به إلى أن كبرت وبلغت مبلغ الرجال، واستطعت بصعوبة التخلص من تلك الحالة .
اذكر انه في بعض المرات يحدث بيني وبينه نوع من التصادم والتحدي،وان كان من جانب واحد هو جانبي الضعيف،في محاولة للتغلب على مخاوفي المرضية منه والمتجذرة في قرارة نفسي ،وبالذات عندما كنت في سن المراهقة ، وقد يعود ذلك إلى أسباب منها إثبات الاستقلالية كما أرى ، فمن شدة خوفي منه والرهبة التي تجتاحني عندما أراه، أتصور أنني إذا تغلبت على هذه المخاوف، أكون حينها إنساناً بالغاً له شخصية مستقلة، وكما يسميه علماء الاجتماع (إثبات الذات ) ولابد أنه يشعر بذلك ويسعده كأب ،وكمثال على شيء من ذلك : أنني كنت في بعض الليالي أتسلل خارج البيت بعد أن ينام الجميع،لقضاء الليلة للسمر مع بعض أقراني ، لأشعرهم أنني لست أقل منهم ،فأنا أستطيع الخروج والسمر مثلهم،فأزيح بذلك عن نفسي الشعور بالدونية كما أعتقد،وأني لست أقل عنهم رجولة وحرية في الخروج والدخول من البيت متى ما أردت، فكنت في بعض الأحيان لا اشعر بالوقت، فلا أعود إلا قبيل الفجر، فكان يفقدني بعض الأوقات في صلاة الفجر، فإذا عاد إلى البيت وجدني مستغرقاً في النوم، وفي مرة من المرات أراد أن لا يذهب للمسجد إلا وأنا معه في رفقته حتى لا أتأخر، فلما ناداني للصلاة قبل أن يتوضأ لم استيقظ لان نومي كان ثقيلاً ،فتوضأ وعاد فوجدني مازلت نائماً، فدخل إلى غرفتي وقال لي مهدداً لن أخرج حتى أراك قد قمت ،فقمت فعلاً ولبست ثوبي فلما رآني فعلت ذلك انطلق إلى المسجد، فتبعته مباشرة فلما وصل إلى فناء البيت وشعر أنني في أثره، التفت إلى قائلاً ألا تريد أن تتوضأ، فقلت في تحد ظاهر لا لن أتوضأ فهي صلاة لك ولم تعد صلاة لله، فأرجو أن تقبلها بدون وضوء ، فنظر لي نظرة فيها الكثير من المعاني، ثم تبسم ضاحكاً معقباً بقوله هداك الله وأصلحك، وانطلق إلى المسجد ولم يلق لي بالاً، فتبعته قليلاً ثم رجعت إلى نفسي وتأثرت بردة فعله تلك غير المتوقعة ، وما شعرت به من حنان ومحبه تدفقت علي تلك اللحظة من خلال كلامه وبسمته التي لم أرها من قبل بهذا الشكل، فعدت وتوضأت ولحقت به في المسجد فلم يعلق على الموضوع بعد ذلك ،ولكن تغير أسلوبه معي بعدها وأصبحت صورته تتغير في مخيلتي عن تلك الصورة الرهيبة التي كنت أراه عليها غفر الله له ورفع درجاته.
نعود إلى تلك الخاصية وتأثيرها على شخصيته، ولكن الذي لا يتصور الحياة في تلك الفترة يصعب عليه استيعاب كثير مما نذكر، إن الفترة التي نتحدث عنها قد درج الناس فيها على القسوة والجهل والشدة الغير منضبطة ، فكانت الحياة في تلك الفترة وما سبقها حياة مظلمة يسودها التخلف في جميع نواحي الحياة (العلمية والمادية وحتى الدينية)، فالناس في جهل وضلال وتخلف وفقر وجوع وحرمان ، حياة كلها فتن وعصبيات وعداوات فوق التصور والخيال ،كانوا في انفلات وظلمة وضلال حتى قيض الله سبحانه وتعالى لهم هذه الحكومة التي انتشلتهم مما هم فيه وسعت إلى تنويرهم وتعليمهم وتغيير تفكيرهم وأسلوب حياتهم إلى الأفضل، فوجدت أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالعلم والمعرفة بعد توطيد الأمن ،ولكن مع ذلك تبقى بعض الرواسب من الجهل والعادات والتقاليد نظراً لعزلة الجبال عن التأثر بما حولهم وقلة ذات اليد واتساع الرقعة وتفشي الأمراض الحسية والمعنوية، إضافة إلى صعوبة تغيير ما تعود عليه الناس وإقناعهم بما ينبغي أن يكونوا عليه ، ولكن الحكومة لم تدخر وسعا في سبيل تحقيق هذا الهدف، فشجعت كل القادرين على العمل لتحقيق هذه الغاية ، وسخرت جهودها وإمكانياتها في هذا الاتجاه، ففي بعض المناطق قيض الله لها أمراء ومسؤولين لديهم نزعة الخير وحب السعي إلى نفع من هم تحت ولايتهم فسعوا للإصلاح بالتوجيه والإرشاد فحققوا من خلال صلاحياتهم التي منحوا إياها كثيرا من النجاح، فكان لهم تأثيرهم الواضح الذي كان النواة الحقيقية فيما وصلنا إليه بفضل الله سبحانه وتعالى ، ففي فيفاء كان للأمير راشد بن خثلان (رحمه الله) (1357هـ )دور كبير وموثر في هذا المجال ، فقد قام بالتعاون مع مشايخ القبائل في بث التعليم في المجتمع، عن طريق إقامة المدارس التي تسمى المعلامة بحيث شجع كل من لديه قدرة على التعليم بالتدريس، وإقامة مدرسة في بيته أو في احد المساجد القريبة ، وإلزام الأهالي بإلحاق أبنائهم بها، فكثرت هذه المدارس التي تعلم مبادئ القراءة والكتابة، وتعليم القرآن الكريم، فانتشر التعليم بهذه الطريقة واقبل الناس عليه، فتغيرت حال المجتمع إلى الأحسن ، ومما ساعد على نجاح هذه الحركة وإقبال الناس عليها ما كان قد قام به شيخ شمل قبائل فيفاء السابق يحي بن شريف (رحمه الله) عندما هاجر إلى قطابر ومعه أبناؤه حيث تعلموا في بعض هجرها العلمية،وتعرف على بعض علمائها ، فلما تولى الشيخة في فيفاء بعد ذلك ،سعى إلى استقطاب بعض طلبة العلم ،ليعلموا الناس ويرشدونهم، وهاجر بعض الأفراد لطلب العلم هناك والى هجر العلم في ضحيان وصعدة وصنعا،فكانت لهم عند عودتهم المكانة والتقدير بين الناس،فكانت دافعا ومشجعا للآخرين بان يحذوا حذوهم ، فانتشر العلم بسبب ذلك إلى حد ما، فلما تولى الشيخة الشيخ علي بن يحي (رحمه الله) وكان قد اخذ العلم حين رافق والده ،فسلك طريقته في حث الناس على التعلم ،وساعده على ذلك بعض الأمراء الصالحين حينما انضوت فيفاء تحت الحكم السعودي كما اشرنا من قبل ،فكانت النواة لما سعى إليه ولاة الأمر وشجعوه.
كان الوالد من أوائل من استفادوا من هذا التوجه ،وقد ساعده على ذلك ذكاؤه وإصراره وعلو همته،وتشجيع والديه له،فكان من أوائل من التحق بهذه المدارس ،فكان لهذا بعد توفيق الله الدور الأكبر للوصول إلى ما وصل إليه.



يتبع في حلقات قادمه







بواسطة : faifaonline.net
 5  0  1322
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:50 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.