• ×

09:35 مساءً , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

الزواج والتيسير فيه

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الزواج والتيسير فيه

من كتاب القول السديد بتصرف للعم د/ سليمان قاسم الفيفي



الحمد لله القائل (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ـ أما بعد:
الإنسان وقد ميزه الله سبحانه وتعالى عن بقية المخلوقات، بالعقل والإدراك، وجعله خليفته في الأرض، وحمله أمانة هذه الخلافه، وأرسل إليه الرسل مبشرين ومنذرين، كل ذلك كان تكريما لهذا الإنسان، وتشريفا له من دون بقية المخلوقات، (ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) ومن اجل ذلك أعطاه كامل الحرية وكمال التصرف، فهو مطلق الاختيار يعمل ما يحلو له، ليكون بعد ذلك مسؤولا عن كل تصرف تصرفه باختياره، ولا يكون لمحتج حجة بعد ذلك 0
ومن تمام تلك الحرية أن أطلقت للإنسان غرائزه لا يتحكم فيها غيره، ولا يوقفها عند حدها إلا دينه وخلقه وتمام عقله ومروته، بعكس بقية المخلوقات التى تكون غرائزها محصورة مقننة في نظام محكم لا تتجاوزه ولا تتعداه، لتحقيق الغاية منها فقط ثم تتوارى بعدها ، فغريزة الأكل لدى الحيوان الغاية منها حفظ الجسم والبدن، فإذا تحقق ذلك بأي وسيلة كف عن الاستمرار فيها، فشهوة الأكل لديه مرتبطة بالحفاظ على البدن، بعكس الإنسان الذي تكون شهوته للأكل زيادة على حفظ البدن، هو التمتع والتشهي بأنواع الأكل وأشكاله، فالإنسان قد يأكل ويأكل وينوع ويتلذذ دون حد إلا من عقله ودينه الذي يمنعه عن بعض المأكولات المحرمة، وعدم الإسراف الزائد على حده، قال تعالى ( يابني ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين ) فهل رأيتم حيوانا بدينا قد أكل حتى تراكمت الشحوم على بدنه حتى لم يعد يستطيع الحركة ككثير من البشر ، وكذلك غريزة الجنس ،فالحيوان لا يبحث عنها إلا لأداء وظيفة المحافظة على جنسه، فلا يبحث عنها إلا وقت الإخصاب، وإذا سبق من غيره إليها انتهى دوره ولم يعد يطلبها، وأما الإنسان فلا حدود تقف أمام شهواته ورغباته إلا العقل والدين، وقد تكون الحكمة من ذلك أن الإنسان هو المخلوق الوحيد المكلف الذي سيسائل، فلا بد لكمال عدل الله أن يطلق له كامل الحرية، ليعمل ويختار ما يناسبه، فلا يكون مطلق الحرية إن لم يعمل كيف يشاء ويختار ما يناسبه، فلا يكون من العدل محاسبته على تصرف لا حول له ولا قوة فيه ولا اختيار، فله حينها حجة الجبرية التى هو فيها، لا جل ذلك أطلق الله غرائزه وجعله هو الوحيد المسؤول عنها، يصرفها كيف يشاء ،بعد أن أوضح له الطرق السليمة، وحذره من الشرور، وأرسل إليه الرسل يدلونه على الخير ويحذرونه من الشر، وذلك كمال العدل والإنصاف، فالله سبحانه جعل للإنسان مجالا واحدا لتصريف شهوته وحفظ جنسه، هو الزواج ولاشيء غيره، وتلك ميزة تميز بها، وكرامة أكرمه الله بها، (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) فلا شك أن الزواج أمر يشغل بال كل ذكر وأنثى سوي في خلقته، فما إن تبدأ الغرائز الجنسية التى خلقها الله في الذكر والأنثى على حد سواء تتحرك طلبا لما خلقت له، إلا ويبدأ التفكير في الزواج، هذا الارتباط المصيري الذي لابد منه لكل منهما، وقد اهتم به الإسلام اهتماما كبيرا، وعالجه من جميع جوانبه معالجة وافيه، بحيث تتحقق فيه الحكمة التى من اجلها خلقها الله في الإنسان، وكيف لا يكون الإسلام كذلك وهو في تشريعه الكامل يساير الفطرة البشرية، فالإسلام وقد احتوى بكمال شرعه كل ما يهم الإنسان، فنظم له غرائزه وجعلها مقننة محكومة، تحقق له كيانه وتحفظ له عزته وكرامته، فجعل الزواج في عقد مكين محكم، يترتب عليه الكثير من الأمور الحياتية والأخروية المهمة، والإنسان لا يشعر بالسعادة والراحة حتى تتم له هذه العلاقة، التى ينجذب إليها فطريا، ويسعى إليها غريزيا، ولا تسكن نفسه ولا تطمئن حتى يتحقق له ذلك، قال تعالى ( ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) وقال تعالى ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ) فالإسلام لم يناقض هذه الفطرة ولم يعاكس تلك الغريزة التى خلقها الله في الإنسان، بل حثه على إشباعها وتحقيق مطالبها في إطار التشريع الإسلامي الكامل السليم، الذي نظم هذه الغرائز وضبطها حتى تودي الغاية منها، لان الله سبحانه أوجدها لغاية هي أسمى من تلك اللذة العابرة، وما تلك اللذة إلا وسيلة لتحقيق تلك الغاية العظيمة، التى خلق الإنسان من اجلها، فهو صاحب رسالة، وهو مستخلف في الكون يعمره بما كلفه الله به من التكاليف، عمارة يتوارثها جيل بعد جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لذلك حث عليه الإسلام ورغب فيه لمن اكتملت لديه شروطه، قال صلى الله عليه وسلم (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه أغض للبصر واحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء ) ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تركه، ففي الحديث أن نفرا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: لا أتزوج، وقال بعضهم: اصلي ولا أنام، وقال بعضهم: أصوم ولا افطر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكنى أصوم وافطر، واصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى ) وقال صلى الله عليه وسلم (النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس منى، تزوجوا فاني مكاثر بكم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم فان الصوم له وجاء ) فالزواج إذاً مطلوب للإنسان ومأمور به شرعا، ولكنه من الأرزاق التي لا عليك فيها تقديم ولا تأخير إلا بما قدره الله الرازق ذو القوة المتين، إنما الذي يملكه الإنسان فيه هو بذل الأسباب الموصلة إليه، إما تحقيق حصوله وتوفر شروطه التى يطمع فيها في زوجه، فذلك قسمة الله العزيز الحكيم 0
وقد تحول بين المرء وبين الزواج موانع قد تأخره أو تحول بينه وبين تحقيقه ولو إلى حين، فينبغي له في هذه الحالة أن يتقى الله ويصبر، فان تقوى الله سبب لحصول مطلوبه وتوفيق الله له، قال تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ثم عليه أن يستعفف فلا يطلق نظره وسمعه إلى حرام، وأن يصبر عما قد يقوده إلى عدم العفاف، ولا يسعى إلى ذلك بأي حال من الأحوال، وينبغي له أن يكون في ذلك حازم مع نفسه الأمارة بالسوء، مسيطرا عليها بعقله وقوة إيمانه، قال تعالى ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) فإذا توفر للإنسان ما يدعوه إلى الزواج، فليستعن بالله لا تمام ذلك، ويلتمس الزوجة الصالحة، والتي من صفاتها العظمى والاساسيه الدين، فهو أساس كل خير، وسبيل كل سعادة في الدنيا والآخرة ،والى تلك الصفة يوجه صلى الله عليه وسلم في قوله الكريم ( تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) ثم ذات الخلق، وهو حسن المعاملة مع الناس، والسلوك السوي في جميع الحالات والتصرفات، فالدين والخلق هما الصفتان الأساسيتان في الزوجين، اللتان عليهما يدور قطب الحياة الزوجية السعيدة ،وإذا كان الخطاب في التماس ذلك هو للرجل فلأنه الطالب للزواج، والا فالمرأة كذلك عليها أو على وليها أن يلتمس هاتين الصفتين في من يتقدم لخطبتها، بل الأمر بالنسبة للمراة أعظم خطرا، لأنها تابعة لزوجها وهي ضعيفة أمامه، فإذا كان غير متدين فقد يوثر عليها في ذلك، وسوف يوردها مورده ويشقيها بشقائه، ويقودها إلى عذاب الله بسوء اعتقاده، وبتهاونه بطاعة ربه، وكذلك أولادها، يتأثرون به ويسيرون على منواله، فالزوج موثر في زوجته وأولاده ،وقلما توثر المراة في زوجها، لذلك فالقران يخاطب الرجل بان يقي أهله من النار، قال تعالى ( ياايها الذين امنوا قوا أنفسكم واهليكم نارا ) وقال تعالى ( وأمر اهلك بالصلاة واصطبر عليها) فالرجل هو الآمر الناهي، وهو صاحب السلطان على زوجته وأولاده، لذلك لا ينبغي تزويج المراة بغير تقي، ولا يجوز تزويجها بغير مسلم .
إن السعي إلى إتمام الزواج إذا تكاملت شروطه لدى الطرفين، وعدم وضع الحواجز والمعوقات أمامه، هي من أهم ما سعى إليه الإسلام، فالإسلام جعله المسلك الوحيد للعفاف والتحصين، وطلب الود والولد، بل إن الإسلام حذر من العواقب الوخيمة التى قد تحدث بسبب عدم تسهيله، وجعل المعوقات الغير الشرعية أمامه، فاهم شروط اكتمال الزواج هو الدين والخلق في كلا الزوجين، فإذا توافرا هذان الشرطان، ثم حال احد بعدها دون إكماله، فقد يجر ذلك إلى فتن وفساد كبير قال صلى الله عليه وسلم ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ) فبعض أولياء الأمور ينظر للزواج نظرة مادية بحتة، كأن المراة فيه سلعة بين يديه، فالذي يدفع أكثر، أو لديه ثروة اكبر، فهو الأحق بموليته، دون أن ينظر هذا الولي لخلق أو دين أو لغيرها من المعايير المطلوبة في هذا الزوج، فلا ينبغي أن يكون ذلك، أو يكون المهر عقبة كأداء يصد عن الزواج ويمنع منه، بل ينبغي التيسير فيه والتساهل في أمره، قال صلى الله عليه وسلم ( إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة ) ولقد أنكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الذين يغالون في مهور النساء، فقال ( لا تغالوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة، كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما اصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدق امرأة من بناته، أكثر من ثنتى عشر أوقية )فالبعض يجعل المال هو الصفة الوحيدة المطلوبة في زوج موليته، فالمال والجاه يحجب أمامه كل نقيصة، مع أن المصاعب والمتاعب عادة تأتي بعد ذلك، والذي يكتوي بنارها ويصطلي بعذابها هي هذه المسكينة، حين تقع عصمتها بيد فاسق مترف، فان صبرت فعلى ضيم وعذاب، وان طلبت الفراق ضاعت هي ومن معها من الأولاد، فالمشاهد في هذا الزمان أن الكثير يجعل الصداق وحفلات العرس وغير ذلك من المطالب الشكلية هي الأساس، وهي التي يدور عليها إمضاء الزواج من عدمه، فالصداق حقيقة هو رمز الرغبة والرضى، وليس ثمنا للمراة فهي أعظم قدرا من ذلك الصداق الذي يدفع مهرا لها مهما كان كثيرا، فهي داخلة مع زوجها في شراكة أبدية ،لهما فيها مصلحة مشتركة، فإذا كانت مبنية على التفاهم والتراحم، سادها الود والتوافق والائتلاف باستمرار، أما إذا كان احد الطرفين يشعر انه مغبون ومستغل من الطرف الأخر، فانه يبقى مهموما بسبب ما تحمله من حقوق بسبب تلك الطلبات الكبيرة من الصداق والتجهيز، ويشعر بانقباض في النفس وضيق في القلب تكون له أثار سلبية ولاشك على هذه الحياة الزوجية المأمول فيها الاستمرار والدوام .
نسال الله الهداية والتوفيق، وان يبصرنا بما فيه صلاحنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة .
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم 0

بواسطة : faifaonline.net
 0  0  779
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:35 مساءً الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.