• ×

02:11 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016

الكشف عن معاني الحروف المفردة في القرآن (سورة ص) 5

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحلقة الخامسة من سورة ص

بحث الأستاذ/ عبده سليمان الفيفي



وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42)
مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ
من مكونات الجهاز المناعي في جسم الإنسان خلايا ( أو غدد ) تحت الجلد يتم تنشيطها بالماء البارد .للفائدة
قصة أيوب وامتناعه من الدعاء حياء من الله .

قال أنس: ابتلى سبع سنين وأشهرا، وألقي على مزبلة لبنى إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وأعظم له الأجر وأحسن الثناء عليه.

وقال حميد: مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة، وقال السدي: تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب، فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته، فلما طال عليها قالت: يا أيوب ; لو دعوت ربك لفرج عنك، فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحا، فهل (1) قليل لله أن أصبر له سبعين سنة ؟ فجزعت من هذا الكلام، وكانت تخدم الناس بالأجر وتطعم أيوب عليه السلام.

ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها، لعلمهم أنها امرأة أيوب، خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته، فلما لم تجد أحدا يستخدمها، عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير،
فأتت به أيوب، فقال من أين لك هذا ؟ وأنكره، فقالت: خدمت به أناسا.

فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به، فأنكره أيضا، وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام ؟ فكشفت عن رأسها خمارها، فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه: [ رب ] أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين \\\".

فإن صح هذا فقد أمتنع عن الدعاء تعبدا لله بالرضا بما قدر عليه ربه , وحياء من ربه تبارك وتعالى أن يشتكي له مما قدر عليه قبل أن يستنفذ ما وهبه الله من الصبر . ولعله كان مشروعا حينها والله أعلم أما في ديننا الحنيف فقد حثنا على الدعاء وعلى أي حال. وسوف أتتبع ما تيسر من النصوص الدالة على ذلك بعد تتمة المقطع إن شاء الله .

وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43)

قال الحسن وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم. [ تفسير ابن كثير] وهل يتصور أحياء أهله ليعيشوا حياة جديدة معه عليه السلام - لو لم يكن الله هو القائل والفاعل سبحانه وتعالى - . فهو يخترق قوانين هذا الوجود ونواميس هذا الكون متى شاء وأين ما شاء ولمن شاء من عباده فيجعلها كرامات لهم ومعجزات دالة على نبوتهم . وتلك خزائن رحمته لا يمنعها عن أوليائه وخاصته مانع , وتلك هباته تبارك الوهاب لا يحدها قانون , وكل شيء بثمن , وما يتذكر إلا ألو الألباب .

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

مما يذكر في كتب التفاسير أن أيوب - عليه السلام كان قد أقسم على أن يضرب زوجته مائة جلدة في غضبة غضبها لله حينما قصت ضفيرتها وباعتها 1. وهذا يعني أنه كان محرما في شِرْعتِهم كما هو محرم في شريعتنا الإسلامية .2 وفيما ذكره بن كثير عن خبر أيوب - عليه السلام - من حديث أنس رضي الله عنه - , عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : قال: ( وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى الله تعالى إلى أيوب، عليه السلام، أن { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } فاستبطأته فتلقته تنظر فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان. فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى. فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا. قال: فإني أنا هو).

ليجد نفسه عليه السلام في مأزق بين أمرين إما الحنث وهو ممنوع على عامة الناس فكيف بنبي؟! - , أو أن يجلد زوجته مائة جلدة وهي التي وفت له بحقه ووقفت معه رض الله عنها - في محنته , فيكون أول ما يباشرها به بعد عافيته الضرب , وهو- عليه السلام - أهل الوفاء كما قال تعالى -: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ ..) وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان .

فيأتيه التوجيه من السماء بالفتوى الربانية, لتجعل من الممتنع ممكنا وتحيل الإساءة إحسانا وتقلص المائة ضربة إلى ضربة واحدة , فيبر بيمينه دون أن يسيء لزوجته .
(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ )
ورد في النكت والعيون للماوردي : [ فلما بريء أيوب وعلم الله تعالى بإيمان امرأته أمره رفقاً بها وبراً له يأخذ بيده ضغثاً
وفيه سبعة أقاويل :
أحدها : أنه أشكال النخل الجامع لشماريخه ، قاله ابن عباس .
الثاني : الأثل ، حكاه مجاهد وقاله مجاهد .
الثالث : السنبل ، حكاه يحيى بن سلام .
الرابع : الثمام اليابس ، قاله سعيد بن المسيب .
الخامس : الشجر الرطب ، قاله الأخفش .
السادس : الحزمة من الحشيش ، قاله قطرب وأنشد قول الكميت :
تحيد شِماساً إذا ما العسيفُ ... بضِغثِ الخلاء إليها أشارا
السابع : أنه ملء الكف من القش أو الحشيش أو الشماريخ ، قاله أبوعبيدة .
{ فاضرب } فاضرب بعدد ما حلفت عليه وهو أن يجمع مائة من عدد الضغث فيضربها به في دفعة يعلم فيها وصول جميعها إلى بدنها فيقوم ذلك فيها مقام مائة جلدة مفردة . ]
وقد ورد في الحديث : ( عثكولا فيه مائة شمراخ ) .

البلاء والصبر والدعاء
قال - تعالى - : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) سورة غافر
وقال - تعالى - : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) سورة البقرة
وفي الحديث : ( يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله تعالى العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم )
إن العبد المؤمن ليدعو الله فيقول الله لجبريل لا تجبه فإنى أحب أن أسمع صوته وإذا دعاه الفاجر قال يا جبريل اقض حاجته إنى لا أحب أن أسمع صوته .
وكان - صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الله ويلح في دعاءه عند الغزوات حتى يشفق عليه الصحابة .
وقال : «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلا يَقل : اللهم اغفر لي إن شئتَ ، اللَّهُمَّ ارحمني إِنْ شِئْتَ ، ولكن لَيَعْزِمِ المسأَلَة ، فَإِنَّ اللهَ لا مُكرِهَ لَهُ»
وسمع رجلا يسأل الله الصبر فرد عليه ( بل اسأل الله العافية ) أو كما قال - صلى الله عليه وآله وسلم
[ومن أعظم شرائط الدعاء حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه وفي المسند عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن هذه القلوب أوعية فبعضها أوعي من بعض فإذا سألتم الله فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة فإن الله لا يستجيب لعبد دعاء من مظهر قلب غافل ولهذا نهى العبد أن يقول في دعائه اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له ونهي أن يستعجل ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء وجاء في الآثار إن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه قال ياجبريل لا تعجل بقضاء حاجة عبدي فإني أحب أن أسمع صوته وقال - تعالى- : (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)) الأعراف . فما دام العبد يلح في الدعاء ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء فهو قريب من الإجابة ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له وفي صحيح الحاكم عن أنس مرفوعا لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد ومن أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه وما يستلزم ذلك كالنجاة من النار ودخول الجنة ] جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي
والاستعاذة من الفتن ما ظهر منها وما بطن .
ولا زال لهذا الموضوع بقية , وإنما اكتفيت بهذه النصوص لتستنتج منها العلاقة بين (البلاء - والصبر - والدعاء ). في شريعتنا الوسطية .
نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة .
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .


[HR]
1 0 ابن كثير
2 0 فعن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لعن الواصلة والمستوصلة , والواشمة والمستوشمة ). فالواصلة : هي التي تقص شعرها لتصل به أخرى . ويطلق على التي تقوم بالعمل . والمستوصلة : هي التي تصل شعرها بشعر آخر . أو تطلب من غيرها ذلك .

وقد ذكر الماوردي أسبابا أخر لتلك اليمين منها:
ما قاله ابن عباس أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب ، فقال أداويه على أنه إذا برىء قال أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه قالت نعم ، فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها .
و ما حكاه يحيى بن سلام أن الشيطان أغواها على أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة ليبرأ بها فحلف ليجلدنها

بواسطة : faifaonline.net
 0  0  2122
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:11 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.