• ×

03:29 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

أضواء الحلقة السادسة .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
مع المساجد:



للمسجد دور عظيم وموثر في حياة المسلم وكان اول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم عند وصوله للمدينة مهاجرا أن بنى المسجد في المكان الذي بركت فيه ناقته القصوى، فعند وصوله صلى الله عليه وسلم الى المدينة كان كل من الانصار يريده ان ينزل لديه فكان كل ياخذ بزمام الناقه فكان يقول لهم صلى الله عليه وسلم معتذرا دعوها فانها مامورة،فسارت حتى بركت في هذا المكان مكان مسجده صلى الله عليه وسلم فسال عن اصحاب الارض ثم ساومهم على شرائها وابتدر ببناء مسجده صلى الله عليه وسلم الذي كان هو المصلى والسكن والمدرسة والقيادة ومجلس الحكم والشورى ،فالمسجد من هذا المنطلق هو عنوان المسلم حوله تدور حياته ولا يفارقه إذا ما أراد الصلاح والنجاح والفلاح في الدنيا والاخرة .
الوالد أولى المسجد الكثير من عنايته وجهده فهو اولاً تعلم فيه ثم علّم فيه ،ولقد عمّر المسجد حسياً ومعنوياً ،ومنحه اهتماما خاصا وكبيرا يليق به وبمكانته ، فلو استعرضنا بعض جهوده في هذا الجانب من حيث بنائه وتوسعته نلخصه فيما يلي :
1.مسجد الرثيد : الرثيد هو منزل جدي وجدتي رحمهما الله، فلما تولى والدي القضاء سكن معهما في ذلك المنزل وبادر الى بناء مسجد بجواره ليقيم فيه الصلاة ويحيي فيه حلقات التعليم والمذاكرة لبعض طلبة العلم الذين يجتمعون حوله من جيرانه ومن طلبة العلم من معلمي مدارس القرعاوي الذين رغبوا في الاستزادة من بعض العلوم في التوحيد والتفسير والحديث والفقه وفي النحو،فكان يرتب لهم دروسا خاصة فيه،وان كانت هذه الحلقات غير منتظمة لانشغاله في معظم الاوقات بعمله الوظيفي ولكنها دامت فترة طويلة الى ان انتقل الى سكنه الجديد بالنفيعة في عام 1379هـ تقريباً ، وهذا المسجد ما زال قائما الى تاريخه.
2.جامع نيد اللمة : (جامع سماحة الشيخ / عبد العزيز بن باز رحمه الله حالياً ) انشأه الوالد في أوئل الثمانينات الهجرية على نفقته الخاصة لخلو هذا الجهة من وجود مسجد مع الكثافة السكانية فيها وقد وسعه اكثر من مرة كلما ضاق بجماعته، وقد سعى الى تشجيع بعض جيران المسجد في تخصيص اوقاف لهذا المسجد ليكون ريعها عائد لمصالحه ومتطلباته من صيانة وفرش وترميم وغيرها ،وقد قام بتهيئة مصلى للعيد بجوارالمسجد ، ومع وصول طرق السيارت الى هذا المكان فيما بعد سعى بعض اهل الخير الى بنائه وتوسعته حتى استدخل فيه كامل الارض الموقوفة ومصلى العيد كما هو مشاهد وقائم اليوم .
3.جامع النفيعة : جامع المركز والسوق كان مسجدا صغيرا مبنيا بالحجارة ومسقوفا بالاخشاب ومقضضا بالنورة لا نوافذ له ،وكان مبنيا فوق صخرة صلدة مائلة، فكان يضيق بجماعته مما يضطر معظمهم للصلاة على ظهره وخارجه،فاهمه امره وهو جار المسجد وإمامه وقاض البلدة فقام بتوسعته على نفقته الخاصة مع بعض المشاركات البسيطة لقلة ذات اليد لدى معظم الناس في ذلك الحين حيث تزامن مع فترة انقطاع الامطار وتازم ظروف كثير من الناس بسبب ذلك ، وكان يواجه العمل والبناء الكثير من الصعوبة والمشقة بسبب المكان حيث اضطر إلى تكسير الصخرة التي كان عليها المسجد القديم وهي عملية شاقة حينها لعدم توفر الوسائل المعينة، فهو يرغب في زيادة المساحة لتتحقق الفائدة من هذا المشروع مما رفع التكاليف، وحالت ظروف الوقت كما ذكرنا في صعوبة دعمه من الآخرين من ابناء البلد ،مما دعاه إلى رفع الأمر لجلالة الملك فيصل رحمه الله طالبا منه المعونة بان يعينه بأخشاب قلعة العبسية التي تهدمت وانتهب الكثير منها، فوهبه اياها واعانه كذلك بمبلغ عشرة الآف ريال، وكان حينذاك مبلغ كبير استطاع به ان يكمل الجامع ،ولكن لم تمضي فترة بسيطة حتى ان هذه التوسعة لم تعد تفي بالمطلوب، فقد ضاق المسجد بجماعته، فقام بتوسعته مرة اخرى ،وغير سقفه بالخشب المستورد الذي ابتداء يصل الى البلدة يحمل على ظهور الرجال من سوق عيبان، ومع وصول طرق السيارات فيما بعد وتحسن الاوضاع سعى الى اعداد مخططات حديثة للمسجد وقام بعرضها على اهل الخير في البلد وخارجه للتبرع ببنائه وتم له ذلك بحمد الله وتوفيقه على ما هو عليه اليوم .
4.ذو وديف : البيت الكائن فوق سوق النفيعة،فقد كان الموقع بناء كبيرا متعدد الادوار عبارة عن قلعة كبيرة تملكته الدولة حيث اشترته من ملاكه الأصليين فكان يتخذ سكنا من قبل اخوياء الأمارة وبعض موظفيها ولكن لإهمال صيانته فقد تساقط بعض اجزائه وتحول الى خرابة ولم يعد صالحا للسكن بل اصبح خطرا على من حوله فهو معرض للانهيار في أي لحظة، فتقدم الوالد بطلبه منحه فتمت الموافقة له على ذلك، وقام بازالة البناء السابق وبنى مكانه بيته الحالي فلما استقرفيه وسكن اعاد بناء المسجد المجاور له وكان مسجدا صغيرا مبنيا بالحجارة كامثاله من المساجد والبيوت فقام ببنائه وتوسعته بالخرسانة المسلحة وعمل له بعض الملاحق المهمة كخزان للمياه وحمامات، على الصورة التي هو عليها اليوم.
5.مسجد الحبيل الاسود :يقع في جبل بالحكم حيث اشترى الارض المجاورة له فسعى الى توسعته وبنائه بالخرسانة المسلحة ، وقد سعى بعض المحسنين فيما بعد الى إحداث مسجد بديل عنه في مكان بارز على الشارع العام ليستفيد منه المارة من هذا الطريق .
6.جامع المرويغة بالسربة : لمّا كثر السكان بهذا المكان عندما انتقل اليه بعض سكان قرية السربة ولم يكن به مسجدا وهو مكان مهم يقع على الشارع العام الصاعد من عيبان على طريق حاذر، فقد سعى بطلب من سكانه لدى بعض المحسنين (الجميح) فتبرع بمبلغ فقام الوالد بالمقاولة عليه والاشراف على تنفيذه ،ولكنه فيما بعد ضاق بجماعته فسعي بعض المحسنين الى بناء مسجد اخر بجاوره وحول جزء من هذا المسجد الى مكان لتجهيز الجنائز .
7.جامع الفرحة بالدفرة: مسجد الفرحة بالدفرة مسجد جامع قديم ضاق بجماعته فسعى الى ايجاد المتبرع الذي قام بتوسعته وبنائه بالخرسانة المسلحة كما هو عليه اليوم.
8.مسجد آل الثويع : تشارك مع بعض اهل هذه الجهة في بناء مدرسة ابتدائية لتعليم البنات فلما فتحت واصبح الناس يترددون عليها لاحضار بناتهم من والي المدرسة وسكن بعض محارم المعلمات هناك ولم يكن يوجد مكان أو مسجد قريب يصلون فيه فقام ببناء مسجد في هذا الموقع مهيء بالماء ودورات المياه وهو يقع على الطريق العام لجبل آل الثويع .
وله جهود مختلفة في بناء وتوسعة الكثير من المساجد في عدة جهات وكان يستعين به الكثير من الناس في السعي بجهده وماله في هذا المجال، جعل الله كل ذلك في موازين حسناته وبنى له بها بيوتا في الجنة .


حب التطوير :

كان الوالد شغوفا بالتطوير والتجديد، فهو يأخذ بكل جديد نافع، فنجد انه قد جلب لمجتمعه الكثير من المخترعات الحديثة النافعة، فان لم يكن الأول فهو من الأوائل، فقد جلب الكثير من المخترعات واستخدمها وعرّف الناس عليها،وان كان المجتمع الفيفي مجتمع عاش عزلة طويلة ، ولكنه مع ذلك مجتمع متحضر يقبل الجديد ويستوعبه بسهولة ثم يطوره لصالحة بخلاف كثير من المجتمعات الاخرى التي تحارب كل جديد ولا تهضمها الا بصوعبة على قول القائل (والناس أعداء لما جهلوا)،ومن الأشياء الجديدة التي جلبها الوالد مما يدل على تفتح ذهنه ما يلي :
أولا: الراديو(المذياع) فقد اقتنى الراديو ،وكان هذا المذياع حينها يلزمه الكثير من الجهد في الإعداد والتجهيز ليعمل، فيحتاج إلى بطارية كبيرة من النوع الجاف ، ويحتاج إلى تمديدات هوائية حتى يتمكن من التقاط الإرسال من المحطات القليلة، وكانت نظرة الناس لهذا الجهاز العجيب مستغربة لعدم قناعتهم به أوعدم الجدوى التي يراها معظمهم من وجوده.

موقف خاله من الراديو:

فخاله علي بن شريف الكدفي الفيفي (اخو أمه من الرضاع) فقد كان له رأي في اقتناء الوالد للراديو وانشغاله به عن القراءة في الكتب التي كانت في حوزته ، وقد كان من الأشخاص الذين يعتز الوالد برأيهم لرجاحة عقله ونظرته الحصيفة الناقدة، فقد ناقشه في عتاب المحب ،بعدما سأله عن السبب الذي دعاه لشراء هذا الراديو،فلما أجابه بأنه يرغب في سماع أخبار العالم ،وسماع الأحاديث والوعظ وما يبث فيه من معلومات وآداب مفيدة، فرد عليه أن هذا ليس تبريرا مقنعا ،فأما الأخبار فما كان منها من عيبان وما وراءه فلا تهمنا حتى نحرص على معرفتها ، وأما ما كان من عيبان وما دونه إلى جهتنا فسنعلمه ولن يخفى علينا أمره ( وعيبان الذي يقصده هو السوق الأسبوعي المعروف الواقع في أسفل الجبل من الجهة الغربية ) وأما العلم الذي تسمعه من الراديو فليس في هذا المذياع أكثر مما هو موجود في بطون الكتب التي لديك، فلا يشغلك هذا الراديو عن القرءاة وتعليم الناس المحتاجين إلى علمك ، وهذه نظرة واعية بعقلية راقية، فقد نبهه إلى ما قد يشغله عما هو أهم وهو طلب العلم وتعليم الناس وتوعيتهم بأمور دينهم ودنياهم ،وقد يشغل اهتمامه بالراديو ويضيع عليه الكثير من وقته في الاستماع إليه ونفهم مما ذكره خاله بأن المجتمع في ذلك الوقت مجتمع منغلق على نفسه فأقصى حدود اهتمامات الناس في فيفاء لا تتجاوز سوق عيبان، (كان من اكبر الأسواق حينذاك في القطاع الجبلي) ، وهذه هي نظرة ذلك الجيل الذي يرى أن ما تجاوز هذه النقطة لا يهمهم ولا ينفعهم معرفته ولا يضرهم الجهل به، بعكس جيل الوالد وما تلته من الأجيال الذين وجدوا في عهد تطورت فيه وسائل المعرفة والاتصال وبناء عليه فقد تفتحت آفاقهم المعرفية واتسعت نظرتهم واهتماماتهم لتعم العالم بأكمله ، فهذا العصر هو عصر التواصل والترابط بين الشعوب، ولو عزلت نفسك عن الآخرين فلن يتركوك وينعزلوا عنك، فنحن في عصر (أصبح العالم فيه قرية) ، لذلك استقرأ الوالد هذا العصر وهذا الانفتاح لتوسع مداركه بالعلم، ولخروجه من بيئته وكثرة أسفاره للمدن الأخرى في المنطقة كجازان وصامطة وبقية المدن، ومكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض، مما جعله يلم بالكثير من الأمور ويلحظ المبتكرات الحديثة ومدى تسهيلها للكثير من أمور الحياة ، فسعى للوصول بمجتمعة إلى ما وصلت إليه المجتمعات الأخرى واللحاق بهذه المجتمعات التي سبقتهم في شتى الميادين ،لذلك عمد إلى جلب وتملك الكثير من الوسائل والمبتكرات الحديثة، وشجع الآخرين على جلبها ،لما يرى فيها من منفعة عامة وما يتطلبه مجارات المجتمع حوله ولانها تسهل الكثير من نواحي الحياة فكان هذا دافعه،وبالإضافة إلى ما ذكرنا، وكما اهتم بالراديو فقد اهتم بالمبتكرات الحديثة الأخرى ،فقد جلب الفوانيس بجميع أنواعها والاتاريك، وجلب مكينة لطحن الحبوب ،حيث كان الناس يعانون من طحن الحبوب ،ففي كل بيت لابد من وجود رحى(رايد)، تشقى بها ربة البيت في طحن ما يلزم الأسرة من الحبوب يوميا بطريقة مرهقة وصعبة،لذلك كانت الطواحين من المخترعات الضرورية التي جلبت وخدمت الناس كثيرا ،وأحس الناس بفوائدها الجمة ،وان لم يكن هو أول من جلب طاحونا فقد سبقه حسن بن حسين الابياتي صاحب بيت القحيزة ثم الوالد وبعد ذلك تتابع الناس في جلب هذه الخدمة للناس ومن أوائلهم سلمان يحي الابياتي في بقعة العذر، ومحمد يحي الخسافي صاحب مرباه، ثم انتشرت وعمت جميع نواحي الجبل وخففت العبء عن الناس وبالذات ربات البيوت .
وقد احضر أيضا فيما بعد (دينمو) لتوليد الكهرباء شغله على مكينة الطاحون ،وجلب معها ما يلزم من المعدات والتمديدات (كيبلات وسلوك ولمبات) وكان يهدف من ذلك الاستفادة وتشجيع الناس على إدخال خدمة الكهرباء ،ولكنه لم ينجح في ذلك لعدة أسباب أهمها: عدم قناعة الناس بهذه الخدمة،وعدم الجدوى في نظرهم منها، ففائدتها محدودة حيث كانت قاصرة على الاضاءه فقط ولفترة قصيرة لا تتجاوز الساعتين أو الثلاث من أول الليل ،لذلك لم يتشجعوا في الاشتراك فيها،لذلك اقتصر على إدخال الكهرباء لبيته واحضر بعض الأجهزة الكهربائية (غسالة ومكواة للثياب) حيث كان الغسيل يتم يدويا ، وأما الكواية فلم تكن معروفة عند معظم الناس وكان لديه هو مكواة على الجمر،وهي مكواة تعبأ بالجمر حتى تحتمي، وواحدة اخرى تحمى على لهب النار، فإذا حميت مررت على الثياب ، وقد جلب أول ثلاجة على الغاز ودفايات على الغاز ، وهو أول من جلب قدر الضغط للطبخ، واحضر معه لذلك دافوراً كبيراً خاصا لهذا القدر فالناس كانت تطبخ على الحطب فقط ، بل هو أول من اقتنى آلة تصوير (فوتوغرافي) فقد اضطر لذلك للالتقاط بعض المناظر من فيفاء، لنشرها ضمن مواضيعه التي يعدها لمجلة المنهل عن فيفاء، والتي نشرت حينها في الثمانينات الهجرية،بل كان يكلف بعض الأشخاص بعد تدريبهم على كيفية استخدامها، لالتقاط بعض الصور في المناسبات كالختان وغيره ، واذكر من هولاء يحي بن هادي الابياتي،ثم تملك آلة تصوير فورية وذلك عندما وجد بان الصور العادية تكلفه عناء الوقت والجهد وقد لا تكون حسب ما يرغب ،فقد كان يرسل الأفلام إلى احد الاستوديوهات بجازان أو غيرها لتحميضها وطبعها، وفي ذلك الكثير من المشقة وعدم الاطمئنان إلى وضوحها أو مناسبتها لما كان يرغب إبرازه في الصورة، فكانت هذه الآلة الفورية أسرع في إنجاز المطلوب.
بل إن بنيان بيته في النفيعة المعروف باسم الطائف في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات الهجرية،كان مختلفا عما ألفه الناس في بناء بيوتهم ،فقد صممه واعده إعدادا حديثا بالنسبة لمعيار ذلك الزمن، من حيث توزيع الغرف بما لم يكن معروفا، فهو أول من بنى خزانا للمياه داخل البيت، وأول من عمل المراحيض داخل البيت، وعمل له التمديدات الصحية، بل وجهزها بأدوات السباكة للغسل والاغتسال، وتغلب على كثير من صعوبات عدم توفر بعض التجهيزات، كخزانات المياه المتنقلة (حنفيات ) لتمديدات الشبكة حيث اضطر إلى بناء خزان علوي صغير من الحجارة، ليمدد منه المياه التي تغذي هذه المراحيض ، وكان من أول من استخدم الاسمنت في هذا المنزل، وعمل للمجلس كنبات ثابتة من الخامات الطبيعية المتوفرة( الخشب المحلي ولبسها بالمشمع) ،وركب في البيت بعض التجهيزات الحديثة كالأجراس (المنبه) التي تعمل على البطاريات الصغيرة(حجر) يستخدمها لطلب القهوة أو استدعاء احد الأولاد أو خلافه ،بل وركب تلفون يصل بين بعض الغرف يعمل على بطاريات ، ولكن كانت كثيرا ما تتلف بسبب الصواعق وما أكثرها في هذه الجبال .
ولما بدأ في بناء بيوته وكان البناء في ذلك الوقت يعتمد على الموجودات المتوفرة ومنها الحجارة التي هي (المادة الأساسية للبناء) ،وهي تتطلب الكثير من الجهد والعناء، وتتطلب الكثير من المعدات الحديدية المختلفة كالزبر والعتل الصغيرة والكبيرة وأدوات الحرق لتكسير الصخور ، وتقطيعها إلى مقاسات مختلفة وقطع صغيرة مناسبة للبناء بها ، فقد كان يحرص على توفير هذه الوسائل والأدوات مع ندرتها، وجلب كل ما رأى انه يفيد في هذا المجال، وطور دافورا كبيرا حيث جعل شعلته في طرف ماسورة طويلة يسهل التحكم بها وإدخالها بسهولة إلى المكان المناسب تحت الصخرة المراد تكسيرها، وبذلك سهل العمل للعمال وكان أسرع في الإنجاز، وفي نفس الوقت خفف من استهلاك الأخشاب وغيرها التي كانت تستخدم لهذه العملية ولا تعطي النتائج المرجوة .
كذلك سعى إلى توفير بعض الرافعات لرفع الصخور ، والعربيات التي تدفع باليد على عجلات لنقل الأحجار ومواد البناء، مما سهل العمل ولفت أنظار الناس إلى الاستعانة بالكثير من المخترعات الحديثة في مثل هذا المجال وغيره ، وقد كان المجتمع متميز يتقبل الجديد ،ويسعى إلى التجديد والتطوير متى ما أمكنه ذلك ،فهو يبادر إلى استخدام كل ما يعين ويسهل الحياة دون تردد، وقد كان الوالد من ضمن هذا المجتمع المتفتح ، بل هو في مكان القدوة فيه، لمكانته العلمية والوظيفية والاجتماعية،فأحدث فيهم الكثير من النقلات التحديثية، بما ادخله عليهم من المخترعات التي سهلت عليهم الكثير من أمور حياتهم ، واستطرادا لما ذكرنا من مشاركاته في جلب المخترعات الحديثة المفيدة ،نتابع بعض ما نتذكر من ذلك كشواهد ،فقد استخدم الميكرفون (أي مكبر الصوت) في المسجد للآذان والخطبة، وتدرج في ذلك من المكرفونات التي تشغل على بطاريات جافة لعدم توفر الكهرباء، ثم على البطاريات السائلة لتعطي نتائج أفضل، إلى الأجهزة الحديثة عندما توفرت الكهرباء ، و تعلم الكتابة على الآلة الكاتبة حتى أتقنها، واستخدمها في أعماله الرسمية والخاصة ، ثم تعلم على الكمبيوتر في وقت مبكر واقتناه واستخدمه ،واستفاد منه بشكل كبير في بحوثه وتاليفاته وفي مكتبه وأعماله الخاصة والعامة ، وقد حرص على توفير آلة الحرث الصغيرة ،التي تتناسب مع مدرجات الجبل الصغيرة الضيقة، حيث شجع بعض المختصين في بيع الأدوات الزراعية على جلبها ولكنها لم تكن مجدية كما كان يتصور .
هذا ويصعب في الحقيقة إحصاء كل جهوده في هذا المجال لتعددها وكثرتها وكثرة المخترعات في هذا العصر في كل المجالات ونواحي الحياة ، فقد كان دوما يتطلع إلى كل جديد ويحاول الاستفادة منه و تطويعه لما يناسب حاجته، فاذكر انه كان إذا وجد بعض الاستطلاعات العلمية التي تنشر في بعض المجلات التي كان يشترك فيها ويحرص على اقتناءها كقافلة الزيت التي تصدر عن شركة ارامكو بالظهران ، أو مجلة المنهل أو اليمامة أو المجتمع وغيرها من المجلات التي كان مشتركا فيها وتصله عن طريق البريد، كان يهتم بهذه الاستطلاعات ويبحث عن الاستزادة من المعلومات عنها، أما بالمكاتبات أو الاتصال، وكان يتحدث عن هذه المخترعات أو التصورات ألمستقبليه بإعجاب وانبهار، واذكر من ذلك انه في مرة من المرات وجد موضوعا يتحدث عن فكرة اختراع كرسي طائر يحمل شخصا ليتنقل به من مكان إلى آخر، ولا يأخذ إلا حيزاً صغيراً وغير مكلف اقتصادياً، وكان الموضوع يتحدث عن تصنيعه وانه في طريقه إلى التسويق، فأعجب به أيما إعجاب، وكان يتلهف إلى معرفة المزيد عنه،لأنه وجد انه يتناسب مع بيئتنا الجبلية المحرومة من كل وسائل المواصلات في ذلك الوقت.
كل هذه الجوانب من شخصيته، التي كشفنا عن بعضها فيما مضى، تنبئ عن أفق واسع،وذهن متفتح ، وحب للتطوير إلى درجة انه يعشقه، فلا يكاد يقنع بالوضع الذي هو عليه حتى يبحث عن كل جديد ويسعى إلى الاستفادة منه،طالما انه يسهل عليه وعلى الآخرين أمور الحياة ، فكان لا يخلو بيته من المبتكرات والمخترعات الحديثة، ويسعى إلى استخدامها فلا يجّد جديداً ذو نفع إلا وجلبه مهما كلفه ذلك من جهد ونفقات ،وشجع الآخرين على ذلك ، بل واختم بشاهد قد يندرج تحت أكثر من عنوان مما سبق من جوانب شخصيته ،لما فيه من الدلالات ولكن نضعه هنا لتعلقه بالمبتكرات الحديثة وإصراره على إتقان التعامل معها آلا وهو قيادة السيارة ،فلما بدأ شق الطرق في فيفاء عام 1400هـ تقريبا أحس بحاجته إلى تعلم قيادة السيارة ليستفيد منها في قضاء حوائجه، فترجم تلك الرغبة إلى واقع ملموس فبادر إلى اشتراء سيارة، وسعى إلى تعلم قيادتها وكان حينها قد تجاوز الخمسين من العمر،ومعلوم مدى صعوبة تعلم ذلك في هذا السن،وفي مثل طبيعة بلاد فيفاء الجبلية الوعرة، ومع ذلك أصر على النجاح في ما عزم عليه،مع ما تعرض له في هذه البدايات من حوادث انقلاب فقد انقلبت به السيارة مرتين احدهما في وادي جورى والثانية في النفيعة، ومع ذلك لم يتوقف عن إصراره وتصميمه على النجاح نظراً لرغبته الأكيدة وجموح نفسه القوية، كل ذلك مع ما يسمعه أما مباشرة أو تلميحا من تحذيرات وتثبيطات ،لكن ذلك لم يفت في عضده،ويقلل من عزمه وقد نجح وأصبح يعتمد على نفسه في قيادة سيارته ،وما ذلك إلا دليل على علو همته وثقتة القوية بنفسه،وعزيمته وإصراره على النجاح .
ولنتعرف اكثر على فلسفته في هذا الجانب ومدى استيعابه لكل جديد ونظرته الايجابية له نورد شيئا من قصيدته عن احد هذه المبتكرات في هذا العصر وهي التلفون وما نعرفه اليوم وكيف اصبح من الوسائل الموثرة والمهمة في حياتنا يقول ذلك في عام 1403هـ :


ألو نعم ألو نعم = كم خدمة اسدى وكم
يسعى الى حاجاتنا = في دأب بلا سام
نلتقط الارقام في = يسر بها ونستلم
سماعة ترن بالأ = ذن لها احلى نغم
ترفعها لمسمع = ولاقط الصوت لفم
تطل عن طريقه = وتلتقي كل الامم
وتنقضي الحاجات في = يسر به بين النسم
يأتي بمن نطلبه = فورا ولم تسع قدم
من مشرق أو مغرب = أو يمن أو من شأم
في البر والبحروفي = الافلاك أو بين السدم
نطوي به الدنيا ولم = نجد مع البعد ألم
ونختطي حواجزاً = ونمتطي شبه العدم
ونلتقي بمن نشا = عن كثب فما بفم
ألم يكن ألو نعم = نعمى ومن اسمى النعم
ألم يكن في عصرنا = رمز الرقي للقمم
وخدمة اخرى له = في نظري من ذا اهم
اذا دعتك حاجة = الى المدير المحترم
تروم طرق بابه = من بعد شق المزدحم
من اعجزته حيلة = وكان من اهل الفهم
يأتي الى محجوبه = عن رغم انف بالرقم
فانما ألو نعم = من دون اذن تقتحم
ألم تكن ألو نعم = نعمى ومن اسمى النعم
ومن يلم ألو نعم = لفعل مخلوق قزم
مشاكس معاكس = فقد تعدى وظلم
فالذنب ذنب غيرها = وهي براء يا ابن عم
لله من مخترع = كم خدمة اسدى وكم




يتبع في حلقات قادمه

بواسطة : faifaonline.net
 3  0  1085
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:29 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.