• ×

09:03 صباحًا , الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016

أضواء الحلقة التاسعة .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
image

[HR]

image

ثقته بنفسه :


كان ذو شخصية قوية وواثق بنفسه إلى ابعد الحدود ،لما وهبه الله سبحانه وتعالى إياه، ولما اكتسبه ونماه، وبما هيئاه له والداه رحمهما الله، فقد أحسنا تربيته وأولياه ثقة كبيرة لما وجدا فيه من أمارة النجابة والذكاء وحسن التصرف،حيث استشعرا فيه مميزات النبوغ والفطنة من صغره،فنميا فيه ذلك ، وكان عند حسن ظنهما ولم يخيب أمالهما،بل كانت هذه الثقة في محلها ،فمنذ صغره وهو ينعم بتلك الثقة منهما فيما رأياه أهلاً له، بل كان سندا لهما ومعينا لهما طوال حياتهما، ، فما من شيء يريده ويطمح اليه إلا وأعطياه فيه مطلق الحرية يختار لنفسه ما يراه مناسباً،دون تدخل منهما، ثم يؤيدانه فيما يختار ويشجعانه عليه ،ويظهران له اعتزازهما بما اختاره،بل ويشعرانه بان اختياره هو عين الصواب ،فلا يظهرا له أي معارضة أو تردد فيما ارتأه، فزاده ذلك ثقة بنفسه وأعطاه قوة إرادة لتنفيذ ما اختاره ،مما جعله يصل إلى درجة عالية من الثقة بالنفس والاعتداد بالرأي وقوة في الشخصية .
لنستعرض بعض الأمثلة على ما ذكرنا ،فانه عندما اخبرهما بما عرض عليه من السفر إلى صامطة لمواصلة دراسته فيها،لكونه من الطلاب المتميزين في مدرسة فيفاء التي أنشأها الشيخ القرعاوي، حيث وجه الشيخ القرعاوي معلمه بهذه المدرسة الشيخ محمد بن يحي القرني إلى اختيار النابهين من طلابه واصطحابهم معه لمواصلة تحصيلهم العلمي بصامطة،فكان الوالد من ضمنهم ،فلما استأذن والديه، تركا له مطلق الحرية في اختيار ما يراه مناسبا لنفسه، وقالا له (دلك الله على الخير فيما تختار لنفسك)، فلما اختار السفر شجعاها ولم يظهرا له جزعهما لفراقه أو تخوفهما من اغترابه، بل تصبرا وتحملا الم الفراق، مما زاده ثقة فيما اختار، وإصراراً منه وسعياً جاداً إلى النجاح والتفوق،فهما زرعا فيه الثقة بنفسه، فأثمرت تفوقاً ونجاحاً وقوة شخصية وعزيمة، ونفس قيادية وثابة، وثقة بنفسه وبتفكيره, بل بلغا في زرع تلك الثقة في نفسه أنهما كان يوكلان له حل أي إشكال يبرز لهما في حياتهما ويطلبان منه معالجته ،وقد لا يعجزهما حل ذلك الإشكال ،ولكنهما يقصدان اشعاره بحصافة رايه وثقتهما فيه، فهما يربيانه ويزرعان فيه الثقة بنفسه،ليكون ذو شخصية واثقة لما سينتظره في مستقبل حياته ، من اجل هذا اصبح يتصرف تصرف الواثق بنفسه.
وعندما اصبح رجلاً ظهرت قدراته على حسن التصرف ونورد لذلك مثالين قام بهما ونجح فيهما:
الاول: كانت والدته يرحمها الله، قد ورثت نصيباً من ماء المورد المسمى (معّين آل احمد) وينطقونه (معينا احمد)، فإذا تأخرت الأمطار وشحت الآبار، تمسك كل من له قسم أو نصيب في احد الموارد بحقه في ذلك، ففي أواخر الستينات الهجرية من القرن الماضي قلّت الأمطار، مما تسبب في تشاح الناس على الموارد التي يملكونها، فكان يشارك الوالدة في ملك هذا المعين مجموعة دور من أبناء عمومتها الذين تسلسل فيهم هذا الورث ،بل نقول إليهن لأنهن بنات أعمام، وهن أهل بيت المداحل، وأهل بيت السقف، وأهل بيت الحمراء، و(جدتي)صاحبة بيت الرثيد ،فكل هولاء قد ورثن هذه الانصباء في هذا المورد، منذ أجيال قديمة، بالسماع فقط ،دون أن يكون هناك ما يثبت ذلك كتابة ،والناس بطبعهم في الغالب يتظالمون إذا ما وجد احدهم الفرصة، أو ضعف من الشخص المقابل ،فالكثير لا يتوانا عن استغلال المواقف في إيقاع الظلم بالآخر إلا ما رحم ربك ،وذلك ما حصل ، فقد اتفق الشركاء على إخراج ابنة عمهم والدة الوالد من نصيبها، ومنعوها من اخذ حصتها المقررة لها بموجب هذه التركة، بدعوى أنها لا تدلي للمورث بما يدلون به إليه من القربى، فهم الأحق منها وهم الأولى بهذا الماء دونها ،اشتد الأمر عليها وعلى زوجها فالحاجة شديدة إلى الماء، ولا يعرفون وسيلة للخروج من هذا المأزق فالحيلة قليلة، ولابد من التصرف فالأمر جد خطير لهما،ولكن كيف السبيل ، لم يخطر على بالهما في هذه الحالة إلا ولدهما ، ولكن أين هو الآن ؟ فهو مسافر لطلب العلم، وهما يثقان به إذا حضر ولاشك سيجد الحل المناسب،وسيثبت حصتهم الأكيدة في هذا الماء ،عملت هي وزوجها على جانبين ،الأول الاسنتصار بمن سيوقف هذا الحضر عليهما في الوقت الحاضر حتى يتم البت في صحة هذه الدعوى من عدمها،والثاني هو إثبات حقها وبطلان دعوى هولاء في حرمانها من نصيبها، لأجل ذلك سعت أولاً بالاتجاه إلى شيخ قبيلة آل ظلمة جارهم الشيخ سليمان بن علي الظلمي رحمه الله لمكانته في المجتمع وقوة شخصيته ،ولكون والدها أوصى بها إلى أسرته لحفظها ومناصرتها والدفاع عنها لكونها كانت وحيدة ولا يوجد لها عضيد أو قريب من الرجال يدافع عنها ، ولما كان يدلي به اليهما من نسب فهم أخواله ،فجاء وقته الآن فقد التجأت إليه ليقف معها ويعينها على رفع أمرها لولاة الأمر لإنصافها وإحالتها مع خصومها إلى المحكمة لتحكم بما تراه ، والاستمرار على الوضع الحالي من قسمة الماء على ما هم عليها من قبل ،حتى يصدر بينهم حكم فاصل ،وهو ما حصل فقد وقف معهما وقفة جادة ،وأما التصرف الثاني فانهما كتبا رسالة إلى ولدهما (علي) يستعجلانه في الحضور، وكتدليل له على أن الأمر جد خطير يتطلب حضوره سريعا ،فقد رمزا له بإحراق طرف الرسالة، حسب ما هو متعارف عليه في ذلك الوقت أن الأمر لا يتحمل التأخير،فلما وصلت الرسالة بادر في الحضور، وكانت القضية قد أحيلت إلى المحكمة الشرعية بناء على مسعى شيخ آل ظلمة وفاء لمن استجارت به ، وقد استطاع الوالد كسب هذه القضية لوالدته بعد أن اثبت أحقيتها في هذا البير من خلال إثباته حصر الورثة الذين يحق لهم الاستفادة من هذا الماء، وسلسل النسب لكل واحد منهم حتى أوصله إلى المورث الأساسي ،وبذلك أبطل دعواهم ضد والدته واثبت حقها في نصيبها من هذا المورد ،فانكشفت عنها الغمة وانزاح عن كاهلها هم ما جرى، بل أتضح أن لها نصيب أكثر مما كانت تأخذه من قبل لكونها أكثر قربا من بعض الأخريات ولكنها لم تطالب بذلك.
فنلاحظ أن والديه هما في هذا المثال وثقا به،واطمئنا بأنه سيوصلهما إلي اخذ حقهما لوعيه وعلمه، فكان أهل لثقتهما، فقد عرف كيف يتوصل إلى حل هذا الإشكال بطريقة صحيحة، مبنية على أصول المواريث وأصول التحاكم بما لديه من علم ومعرفة ، وكان له ذلك درس عملي لما درسه ولمدى ما وصل إليه من قدرات، وزاد من ثقته بنفسه.
الثاني: أما القضية الثانية،فهي تتعلق ببيت والده المسمى خفرة الذي آل إليه بالتعصيب، فهو بيت عمه ،الذي خلف بنات وزوجه فلما توفين عاد إليه ارثاً بالتعصيب لكونه اقرب رجل وارث، وهذا البيت له حكاية طويلة ملخصها أن والد جدي وعمه توفيا في وقت متقارب، في سنة جوع ومرض، وذلك في العشرينات من القرن الماضي وكان بيتيهما متجاورين احدهما المسمى (نعيمة) وهو البيت الكبير الكائن بقمة ذراع منفة وهو لوالد جدي، وبيت (خفرة) لأخيه وهو بيت صغير مجاور لنعيمة في الجهة الشرقية منه، ولما لم يكن لهما من الورثة إلا جدي وأخ له صغير والبقية نساء فقط ، وكانت الأمور صعبة جدا يكتنفها الخوف والفتن والجوع والأمراض، فكان جدي هو المعيل الوحيد لكل هؤلاء مع صغر سنه في ذلك الوقت ،ومع ذلك فقد أدى دوره كما ينبغي فكانت زوجة عمه تقدر له هذا الجهد الذي يبذله لها ولبناتها وهو ليس ملزما بذلك، فاتفقت معه من باب رد الجميل بأنه إذا واصل العناية بها وببناتها إلى أن يموت من يموت أو يتزوج من يتزوج فالبيت (خفرة ) يكون له مقابل ذلك، وقد تم ذلك فقد أوفى بما التزم به لهن فرعاهن أتم رعاية حتى تزوجن البنات والى أن ماتت أمهن ثم توفين بعدها، وبالتالي أصبح البيت ملكا له،حسب ما تم عليه الاتفاق ،وهو في الحقيقة الوارث الوحيد لهذا البيت بالتعصيب لكونه اقرب رجل معصب لهن بعد موتهن حيث لا يوجد لهن وارث غيره،ولما انضوت فيفاء تحت حكم آل سعود وفقهم الله، وساد الأمن والأمان، تحركت بعض المطامع لدى بعض الناس ،وظنوا أنهم سيصلون إلى ما يريدون، باستغلال القوانين المطبقة لدى هذه الحكومة، وينزلونها على أمور سبقت هذا العصر، لأنها لو طبقت فستكون مدخلا لهم في الوصول إلى ما يرغبون ،فلما كان لأحدى بنات عم جدي بنت ، أغراها من له مطامع وأهداف إلى أن توكله ليرفع عنها قضية ضد جدي تطالبه بإرثها من جدها لامها في هذا البيت ، لأنها أصبحت الوارث الوحيد كما يظنون ، وهو ما تم فقد رفع باسمها مطالبة في المحكمة الشرعية ،فاستنجد جدي بوالدي في هذه القضية وسلمه كل الحقائق ليكون المحامي عنه ،وفي أول جلسة حضرها أمام القاضي وبعد أن انتهى المدّعون من دعواهم، كانت إجابته حاسمه ومنهية لهذه الدعوى ولأمثالها، مما لو فتحت فلن ترتاح المحكمة من آلاف القضايا أمثالها ،لقد كانت إجابته على دعواهم بان وجه سؤالا للقاضي عن مدى أحقيته في النظر في القضايا التي سبقت عهد الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله ،لانه يعلم بان هناك أوامر تقضي بعدم فتح مثل هذه القضايا فلما علم القاضي بان القضية سبقت هذا العهد بأكثر من ثلاثين سنة،صرف النظر عنها نهائيا وانتهت المشكلة ،مع انه أوضح للقاضي أن جدي هو الوارث الوحيد لهذا البيت بالتعصيب ، وللعلم فقد اعتذرت هذه البنت وأهلها لجدي عن هذا التصرف الذي أقحمت فيه جهلا منها لصغر سنها عن إدراك ما كان يرمي إليه هولاء وندمت وقبل منها عذرها .
تبرز هذه الثقة التي أولياه إياها في سائر أمور حياتهم، فقد أوكلا إليه الإشراف على تربية إخوانه وتوجيههم ،ومنحاه الثقة للقيام بذلك، فكانت ولاشك تهيئة له للأدوار التي سيقوم به في مستقبل حياته،وقد أكسبته الثقة المطلقة في نفسه والدراية المطلقة بإمكانياته وقدراته فأطلق لنفسه العنان فيما بعد وهو واثق بتصرفاته تمام الثقة .


image



الدعابة والمرح:

يحب الدعابة وتستثيره النكتة ويستوعبها ويؤلفها، فهو ذو نفس مرحة شفافة، لا يخلو مجلسه من الدعابة والمرح، وبالذات المجالس الخاصة، إن كان خالي الذهن من المشاغل والهموم، ويحلو له ذلك في الأسفار، ولكن ذلك يكون بمقدار، (ساعة فساعة) فإذا جد الجد أو جلس في مجلس الحكم تغير الوضع وساد الحزم والالتزام والهيبة والصمت, وكأنّ على رؤوسهم الطير ، بعكس المجالس الخاصة مع أهله وضيفه وخاصته، فهو ذو روح مرحة وضحك وتبسط، مما يضفي جواً من السعادة والألفة على مجالسه، لا يمل الجالس فيها وكان يتيح الفرصة للكل بالمشاركة والسعادة ،ولعل ما أورده في دواوينه من حوارات فكاهية،كحواره مع فضيلة الشيخ القاضي على بن مديش بجوي.

image


أو مع بعض الشعراء الشعبيين كالشاعر سليمان بن حسين الداثري
image


أو على بن جحمة المالكي رحمه الله أو على بن سلمان العمامي خير شاهد على ذلك .
وكان حفظه الله يستعمل الحوار في تثبيت معلومات معينة كحواره شعراً عن علم الاجتماع ، وقد يعالج بذلك قضايا اجتماعية وعادات سيئة كما حصل منه في الحوار المبين بين الدخان والتخزين ، وما حاور به بعض المولعين باستعمال القات وفند ما في هذه العادة من السلبيات والسيئات في حوار ضاحك يناسب القوم ومن هو على شاكلتهم ، وهذا أسلوب حكيم من أساليبه في الدعوة وتغيير بعض العادات السيئة .

يتبع في حلقات قادمه








بواسطة : faifaonline.net
 0  0  906
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:03 صباحًا الأحد 12 ربيع الأول 1438 / 11 ديسمبر 2016.