• ×

08:44 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

النجــــــاح

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
النــجـاح


بقلم الأستاذ/ عبد الله بن علي قاسم الفيفي .


الحمد لله الموفق إلى كل خيروالمنجي من كل شر والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وبعد:


تمضي السنين ويمضي العمر،والإنسان يتقلب في هذه الحياة بين نجاح وفشل توفيق وإخفاق، فالحياة كلها لها جانبان جانب النجاح وجانب الفشل، الطالب في مدرسته،والمعلم بين طلابه،والفلاح في مزرعته،والنجار في منجرته، والحداد في ورشته، والموظف في وظيفته،والتاجر في تجارته، فالكل يتقلب بين جانبي النجاح والفشل، والحياة الدنيا حياة وقتية، بمعنى أن لها حد تنتهي إليه،فكل شيء فيها بمقدار،وكذلك ما عليها مقيد بهذا الناموس المؤقت،فالنجاح فيها له وقت محدد ثم ينتهي عنده، والفشل والرسوب له وقت محدد ينتهي عنده، لا نجاح في الدنيا ابدي، ولا رسوب فيها ابدي، لان كل شيء على هذه الدنيا محدد ومؤقت، حتى الإنسان نفسه الذي يجري له هذا النجاح والفشل، له وقت محدد ينتهي به على هذه الحياة الدنيا ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) فقد يرسب الطالب في هذا الفصل أو في آخر العام، ولكن ليس معنى ذلك أن رسوبه هذا أصبح صفة ملازمة له، فقد ينجح في الفصل التالي، أو في الدور الثاني ويعوض فشله ذلك بنجاح آخر، وليس معنى انه إذا نجح استمرت هذه الصفة ملازمة له، فقد يرسب غدا أوفى العام القادم، وهكذا فالديمومة ليست صفة لازمة للمخلوق الفاني ولصفاته، إنما هي صفة خاصة بالله الواحد الأحد الفرد الصمد سبحانه وتعالى،وليس معنى أن الإنسان إذا رسب في الدراسة انه راسب في كل شيء، فليست معيارا فقد تكون قدراته في مجال آخر، فقد ينجح في عمل أو مهنة أخرى، وكذلك من نجح في الدراسة فليس معنى ذلك انه ناجح في كل شيء، بل قد يفشل في أشياء أخرى، لان قدراته التي منحه الله إياها تختص في هذا الشيء، فالبعض يحكم على نفسه أو على ولده أو قريبه بان نجاحه أو رسوبه في الدراسة هو معيار لنجاحه أو رسوبه في كل مجالات الحياة، فكم من نابغة في الدراسة فاشل فيما سواها،كم من نابغة في الرياضيات لا يستطيع شراء احتياجات بيته من السوق، وكم من فاشل في الدراسة تلقاه نابغة في مجالات أخرى، يصعب على الحاصل على أعلى المستويات النجاح فيها،فالعالم المخترع أديسون صاحب الألف اختراع، كان فاشلا في دراسته، وقد طرد من مدرسته أكثر من مرة، لتكرار فشله لان قدراته الخلقية منصرفة إلى مجالات أخرى غير مجال الدراسة، فليست هي المعيار .
لا ننكر أن الكل يحب أن يرى ولده أو قريبه ناجحا متفوقا في دراسته، ولكن ليس معنى ذلك انه إذا لم يتوفق في ذلك أن نجعل الفشل حكما عاما على كل حياته المستقبلية، فإذا لم ينجح هنا فقد ينجح في مجال آخر،في عمل حرفي، أو في الجندية أو في أي عمل يتوافق مع قدراته وميوله ورغباته،ولو كان الناس كلهم في مستوى واحد واتجاه واحد، لما استقامت هذه الحياة، ولما استمرت، فلا بد لكل مجتمع من تاجر،ومن معلم، ومن طبيب،ومن جندي،ومن حداد،ومن مزارع،ومن زبال،ومن جزار،ومن غيرها من المهن المتعددة، فلا يصح أن يتجه الكل وجهة واحدة، لان الله أرادهم هكذا لاعمار الأرض ولاستمرار الحياة عليها، قال تعالى ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون ) فلا بد من اختلاف القدرات ليس كل ينجح فيما نجح فيه الآخرون، وليس معنى نجاحه في هذا المجال انه ناجح في غيره، بل يجب على ولي الأمر خلق الفرص في كل المجالات، وتوجيه الطاقات إليها بما يخدم المجتمع .
ليست هذه دعوة للتثبيط والاعتذار بعدم القدرات والميول، ويكون سببا لتحجج كثير من الكسالى المهملين ،فان مراحل التعليم الأولية أو ما يسمى بالتعليم العام، هو تعليم أساسي ملزم به الكل،وقادر عليه الكل، إلا من كان متخلفا عقليا فلا يدخل تحت هذا التعميم، لان لهم تعليمهم الخاص بهم، إن هذه المراحل العامة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، هي مراحل أساسية وإجبارية مكفولة في كثير من الأمم المتحضرة للجميع، لأنها أساسيات لتكوين الفرد الصالح، ليتجه بعدها إلى التخصص المناسب لحياته، حسب ميوله وقدراته وحاجة المجتمع إليه، سواء كان توجهه في مجال التعليم، فيتجه إلى الجامعة في التخصص الدقيق الذي يريده لحياته المستقبلية، أما التربية والتعليم، أو القضاء والشريعة، أو العسكرية أو الطب أو الهندسة أو الزراعة وغيرها، من المجالات المتعددة الكثيرة، أو اتجه إلى الأعمال الحرة الأخرى، ولكن لا يتم ذلك إلا بعد حصوله على هذا القدر من التعليم العام، بل إن الذي لا يحصل على هذا القدر من التعليم العام يعد في كثير من الأمم المتحضرة أميا، فليس الأمي من لا يقرأ ولا يكتب، ولكنه من كان دون هذا القدر من التعليم .
النجاح والرسوب نجدهما اليوم في كل بيت من بيوتنا، طالب ناجح وآخر مخفق، فهما نتيجتان تتحققان باكتمال شروطهما، والإخفاق في مادة من المواد لا يكون راجعا إلى عدم ذكاء هذا الطالب،بل أكثر ما يكون سببه هو إهمال الطالب وكسله، وعدم متابعته لهذه المادة، سواء لشرح المعلم أو حل الواجبات والمذاكرة، وقد تكون المادة لها طريقة تركيبية خاصة، لم يستوعبها هذا الطالب فصعب عليه فهمها وحل رموزها، فمثلا مادة الرياضيات أو الإنجليزي أو الفيزياء، مواد مترابطة تراكمية ،كل درس منها مرتبط بالذي قبله، والذي بعده حلقة واحدة، إذا فاته درس منها أولم يفهمه، صعب عليه فهم الباقي منها، وانغلقت عليه المادة بكاملها، وقد يصيبه ذلك بالإحباط، وشعوره بالفشل، وإحساسه النفسي انه دون الآخرين من زملائه، والأمر ليس كذلك وإنما قد يكون السبب انه فقد الترابط في دروسها وفصولها لا غير، وعدم قدرته أو اهتمامه بإيجاد هذا الترابط بينها ليفهمها ككل، ولكن المراجعة المتأنية الدقيقة وإيجاد الترابط الكامل والفهم العام الجيد لها يبسط هذه المادة ويجعلها سهلة ميسورة، ولا أدل على ذلك من أن تجد زميلا بنفس القدرات، يرى هذه المادة التي تصعب عليك سهلة بسيطة، لأنه ركز على الترابط الموجود فيها ولم يهمل بعض الجوانب، أو يتكاسل فيها كما فعلت أنت، فزيادة الاهتمام والتركيز تجعل الأمور سهلة بسيطة . نسال الله التوفيق للجميع، والنجاح المضطرد في كل المجالات.
إن النجاح والرسوب شيء نسبي في هذه الحياة الدنيا، ينسى ويزول بمرور الوقت كما هي الحياة بكاملها على هذه الدنيا الفانية، ولكن الإنسان عندما يمر به نجاح أو فشل في أي مجال من مجالات حياته لا يقف عنده، بل يجب أن ينطلق بالنجاح إلى نجاح آخر،ويجعل من الإخفاق دافعا له إلى التحدي والإصرار، إن الإنسان أي إنسان لا يعمل أي عمل ألا وهو ينشد النجاح ويهرب ويتجنب الرسوب، لانهما نتيجتان حتميتان لأي عامل، فأما نجاح أو رسوب لا ثالث لهما، ولكن الحياة الدنيا فيها مجالات أخرى لتدارك الرسوب والاستزادة من النجاح، فهي نتائج نسبيه ووقتية يتعامل معها الإنسان في هذه الحياة في كل وقت وكل حين، فشل ونجاح نجاح وفشل، ولكن هناك حياة أبدية مخلدة يؤمن بها المسلم تمام الإيمان، ومن شك في الإيمان بها فهو غير مومن مهما ادعى، تلك هي حياة الآخرة الحياة الباقية الحياة الأبدية السرمدية، الرسوب فيها هو الرسوب لا نجاح بعده، والنجاح فيها هو النجاح لا رسوب بعده، أتاح الله سبحانه للإنسان في هذه الحياة الدنيا كل مقومات نجاحه أو رسوبه في الحياة الآخرة، أعطاه كل الإمكانيات وكل القدرات، وهيئ له أسباب العلم وأسباب العمل، وأعطاه كامل حرية الاختيار، وعرضه لكثير من الاختبارات، لتزول كل حججه وأعذاره ،ويصل حقيقةً إلى النتيجة الحتمية المؤكدة، إلى النجاح الحق أو الرسوب المستحق، عدل لا ظلم فيه ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) الإنسان يوجد على هذه الحياة لهذه الغاية، ولا يكون مسائلا أو مكلفا إلا بعد اكتمال شروط ذلك، من توافر العلم لديه بحقيقة أمره وحياته،وتوافر قدراته العقلية المتكاملة، فإذا توافرت هذه الشروط، فكل حياته بحركاته وسكناته تكون مرصودة له أو عليه، يعيش ما أراد الله له أن يعيش وهو مراقب مسجل له أو عليه، فهي حياة مجملها عمل ولا حساب، فإذا فارقها وانتقل إلى الدار الآخرة ،كفت يده عن العمل والتحصيل، لا له ولا عليه، وأصبح في مرحلة الحساب ولا عمل، ينظر إلى ما قدم ولم يعد له مجال في زيادة ولا نقصان، فقد عقدت اللجنة لتصحيح ودراسة ما قدم، واصدر الحكم الذي يستحقه دون ظلم أو حيف، وتعلق النتائج وتوزيع الشهادات، أما نجاح ابدي أو رسوب ابدي ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآوم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عشية راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابية ولم ادري ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عنى ماليه هلك عنى سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه انه كان لا يومن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون) صدق الله العظيم نسال الله التوفيق لنوال مرضاته والفوز بجنته وصلى الله وسلم على محمد وآله.

أبو جمال /عبد الله بن علي قاسم الفيفي

 3  0  700
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:44 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.