• ×

08:45 صباحًا , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

العبقرية تتحدى - 1 -

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
العبقرية تتحدى (1)
أ. علي بن جابر الفيفي


[HR]

ليست العبقرية درجة من درجات الذكاء العالي ، وليست حتى السقف للملكات التفكيرية لدى الإنسان ، العبقرية شيء أكبر من هذا بكثير ، هي مثل الدينيميت الذي يفجر الأشياء من حوله ، ليصل إلى الشيء الذي خلق لأجله، يمثل علي الطنطاوي في ذكرياته النابغة بالرجل الذي يسبق القافلة ليدلهم على الطريق ، وما فيه من مفاجآت ، بينما يشبه العبقري بالرجل الذي يشق طريقاً جديداً للبشرية ، فهو لا يرضى أن يسير في نفس الطريق المسلوك سابقا ، بل يصنع لنفسه نهجاً خاصا .

ولكن هل فكرتم ماذا سيصنع العبقري لو لم تتهيأ الظروف المناسبة لعبقريته ؟

ماذا كان سيؤول إليه حال خالد بن الوليد على سبيل المثال لو نشأ في بيئة سلم ، لا سيوف فيها على الإطلاق ؟

وماذا كان سيصنع ابن خلدون لو أنّه خلق قبل أن يبتكر الإنسان الكتابة ، وقبل أن يصنع القلم ؟

بل في أي صفحة سيدون التاريخ اسم شكسبير لو ولد مبتور اليدين لا يستطيع كتابة مسرحية ولا قصيدة ولا رسالة لصديق حميم ؟

هل العباقرة للبشرية كالأنبياء ! لا بد من وجودهم لتسير البشرية قدماً في طريق حياتها الدنيوية على الأقل ؟ فتجد أن الظروف تتهيأ لهم حتى يتم الله أمرا كان مفعولا ؟

فكما أن النبي ضروري لسير البشرية إلى ربها ، فإن البشرية تحتاج أيضا العبقري حتى يخترع لها المصباح الكهربائي ، ويكتشف لها قانون الجاذبية ، ويبتكر لها العتلة ؟

ولكن ماذا لو وقفت الظروف حائلة بين العبقري وموهبته ، بين العبقري وعبقريته ؟ ماذا كان سيصنع بالطاقة الهالة التي يكتنفها مخه ، ماذا كان سيفعل بخلايا عقله ذات النشاط غير العادي ؟

باختصار : هل ستحترق العبقرية في نفسه، فيغدو شخصا من الدهماء ، يمارس حياته بشكل طبيعي ، لا فرق بينه وبين أبسط بائعة كبريت. .

نقرأ ونسمع عن أولئك العباقرة الذين أوصدت الأبواب في وجوههم ، ولم تتح الفرص أمام عبقرياتهم لتتشكل في وضع طبيعي ، ماذا صنعوا ؟

هذا طه حسين يروي في الأيام أنه تدرّع بقدر لا بأس به من العلم الشرعي ، وحفظ القرآن في كتاتيب القرية ، ثم توجه إلى الأزهر الشريف ، وفي نيّته أن يكون عالماً ، فيجد أمامه جلادي العبقرية يحولون بين عبقريته ومسارها الطبيعي ، فيرسب في امتحان القبول في الأزهر ، وكأن أولئك المغمورين الذين تم قبولهم في تلك السنة أذكى من طه حسين ، أو كأن في عقولهم شيئا ليس في عقل طه حسين ، فيؤلف كتابا يسخر فيه من أولئك الذين لم يعرفوا قدر عبقريته ويسميه : \" جلسة في الضحى بين العمائم واللحى \".. ثم تنطلق تلك العبقرية المقيدة ، إلى ما وراء الحدود ، فتجد مكانا جيداً عند برج إيفل ، في شارع الشانزليزيه ، قريبا من قوس النصر، في جامعة السوربون تحديدا.. ليعود إلى مصر ، فيصبح عميد الأدب العربي ، ويبتدع نظرية الشعر الجاهلي ( التي يزعم شاكر أن طه حسين سرقها من مرجليوث ! ) فيكاد أن يلغي بها قدسية الأزهر الشريف ، فتهدد عبقريته المكان الذي كان سبباً في إقصائها ، ولا يقف الحال عند هذه النقطة، بل تجده وقد ألف كتاب الأدب الجاهلي، وأسس لنظريته بأسس أثرت على الحركة الفكرية، ثم أصبح يمتحن الطلاب في الجامعة بنظريته كما كان يمتحن المأمون العلماء في فتنة خلق القرآن ، مما نتج عنه خروج محمود شاكر من الجامعة ، معتزلا الحياة في غرفته، لمدة ستة أعوام قرأ فيها كل كتاب ألف باللغة العربية ...

هذا ما حدث للعبقري طه حسين عندما حالت الظروف بين عبقريته ، ومسارها الصحيح الذي اختاره ، لم يصبح طه حسين من أفراد الناس العاديين ، بل أصبح كابوساً يقض مضاجع أولئك الذين طعنوا عبقريته ، حتى أنهم أصدروا حكماً بتكفيره ، وإخراجه من الملة !



يتبع

 11  0  1443
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:45 صباحًا الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.