• ×

07:44 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

ضعف القوّة ، وقوّة الضعف

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ضعف القوّة ، وقوّة الضعف
قراءة في نزعة أبي ذر المتشددة
بقلم الأستاذ : علي بن جابر الفيفي


[HR]

يبدو أن بعض النفوس منطوية على شيء من الشدّة ، ويبدو أنه من الضروري أن نتفهّم هذه النفوس ، وأن نتعايش معها ، ولكنه ليس من الضروري ، ولا من المناسب أن يحاول أصحاب هذه النفوس أن يفرضوا سيطرتهم على الوضع العام للمجتمع ، لأن في ذلك جلب للعنت ، وتعميم لثقافة مالا يطاق .

لقد سبق هؤلاء المتشددين الصحابي الجليل \" أبو ذر الغفاري\" _ رضوان الله عليه_ ولكنّه لقي من يستطيع أن يوجهه ، وأن يوظف تلك الشدّة في نفسه لتتدفق عبر المسرب المناسب لها ، بل ويستطيع أن يكبح جماح التحفز في طبعه ، ويجعله يتوقف عند حد معين ، عندما عجزت تلك النفس أن تهدّئ من غلواء فورتها الدفّاقة ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلمس من صاحبه الكريم تلك النفس المتوثبة لعمل الخير ، ويلمح فيها أمارات الشدّة التي ينتجها في حقيقة الأمر ضعف في النفس ، فكان يوجه الدروس تلو الدروس الخاصة بأبي ذر ، حتى تهدأ تلك النزعة ولو قليلا .

سمع أبو ذر من النبي صلى الله عليه وسلم حديثا يذكر فيه أن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة ، فلم تطق نفس أبي ذر هذا التعميم الرحيم ، الذي كان وحيا من ربّ العالمين ، فتساءل: وإن زنى وإن سرق؟ أي هل يدخل الجنة من ذكرته يا رسول الله ، حتى وإن اقترف جرم الزنى أو السرقة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإن زنى وإن سرق ، أي نعم لا يمنع تلبّسه بهذه الكبائر العظام من دخوله الجنّة ، مادام أنّه من أهل لا إله إلا الله . ولكن كأن نفس أبي ذر لم تطمئن بعد ، وخشي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمعه ، أو لم يتصوّر تلك اللحظة المعنى الذي يختبئ تحت كلمة زنى وسرق ، فأعاد عليه: وإن زنى وإن سرق؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإن زنى وإن سرق؟ ولكن حتى هذه اللحظة لم يستوعب أبو ذر هذا الكلام ، فهو يشعر أن الجنّة طهر ممتد ، لا يصلح أن تتلوّث بأمثال هؤلاء العصاة ، فأعاد : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم منهيا تلك التساؤلات: وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي ذر . فليست الجنّة حكراً لأحد من الأطهار؟ وليست ملكاً لأحد من الأبرار حتى يمنع عنها عباد الله الموحّدين .

فهنا نرى ملامح شخصيّة أبي ذر رضي الله عنه ، تلك الشخصية الشديدة في ذات الله ، والتي تضخّمت لديها الغيرة حتى أنها أصبحت عنصراً سلبيّا فيها ، لأنّها باتت تريها الأشياء على غير ما هي عليه في الحقيقة ، فالذنب والمعصية مهما كبرا ليسا سببا في عدم دخول الجنّة ، ولهذا فقد كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم حسماً لمادّة الشدّة في النفس:\" وإن رغم أنف أبي ذر\" .

وقصّة \" ابن السوداء\" دليل على أن تلك الشدّة في جانب كبير منها إنّما هي جبلّة نفسيّة ، لا علاقة لها بالدين ، وإنّما جاء الدين على تلك النفس ، فلبست النزعات الشديدة لبوس الدين ، وهو شأن طبيعي ، فكل ذي طبيعة يصبغ مهنته ، أو توجهه ، أو إدارته بتلك الطبيعة حتى ليحسب الناظر أن السبب في تلك الطبيعة هو ذلك التوجه أو تلك المهنة والحقيقة أن الطبيعة التي تكون في مكامن ودواخل النفس قبل التلبس بذلك التوجه هو المسبب لذلك المسلك .

حصل نزاع ما بين أبي ذر وبلال _رضي الله عنهما_ فنهر أبو ذر بلالا ووصفه بابن السوداء! ، فاشتكى بلال ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: إنّك امرئ فيك جاهلية! ، فتلك الشدّة التي في نفس أبي ذر ليست من الإسلام في شيء ، وإنّما هي من صفات الجاهلية ، التي كانت الغلظة ، والجفاء ، والاعتداد بالعرق من أبرز ما يشكّل خليطها غير المنسجم ، فكان ذلك الدرس من النبي صلى الله عليه وسلم ( مع ما فيه من حزم) خير معين لأبي ذر رضي الله عنه للتخلص من عنجهية الجاهلية في نفسه تلك اللحظة ، فما كان منه إلا أن طأطأ رأسه وألصقه بالتراب وأمر بلالا أن يطأ برجله السوداء وجهه الأبيض ، فأنهضه بلال وتعانقا .

فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يعطي أبا ذر الدرس تلو الدرس ، لتهدأ تلك النفس الشموس ، والتي يظهر أنها لن تستطيع التعايش مع المجتمع كما ينبغي .

جاء أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالباً الأمارة ، فلم يعطه الأمارة كما أعطى بعض أصحابه ، بل لم يعظه في الأمارة وعظا رفيقا كما وعظ عبد الرحمن بن سمرة حين قال له: إنها نعم المرضعة وبئس الفاطمة ، بل قال له بحزم: إنّك امرئ ضعيف ، وإذا بلغ البنيان سلْع ، فاخرج من المدينة!
فأنت امرئ ضعيف ، حتى وإن ظهر للآخرين قوّة ما فيك ، فإن تلك القوّة التي تظهر في تصرفاتك ، وتلك الشدّة التي تنتجها فيك المواقف المتعددة ، ليست سوى ضعفا في النفس ، بل إن ضعفك يا أبا ذر يستلزم منك أن تخرج من المدينة إن بلغ البنيان جبل سلع ، فلست قادراً على العيش مع الناس ، فضلا عن أن تتأمّر عليهم! .

وبالفعل ، يبلغ البنيان سلعا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيحمل أبو ذر حقيبته ، ويخرج من المدينة ، ليقضي بقيّة حياته في الربذة ، وحيداً .

وقد سبق وتنبأ النبي صلى الله عليه وسلم لحبيبه أبي ذر بهذه النهاية ، عندما رآه قادماً من بعيد في غزوة تبوك فقال: يرحم الله أبا ذر ، يعيش وحيداً ويموت وحيدا . . فقد كان وحيداً في نهاية حياته ، وكان موته أيضا لوحده ، بل أنه كان في أيام حياته في المدينة وحيداً في شخصيّته ونفسيّته ، فقد خاض الناس في الدنيا ، وهو باق على عهده الأول ، لدرجة أنه كان يدخل على الخليفة عثمان بن عفان مجالسه التي يقسم فيها التركات مع أصحابه ، فيغلظ لهم القول ، فهو يراهم مغرقين في الدنيا وملذاتها . .

وهنا يجب علينا أن نأخذ العبر ، فوجود شخصيات ذات ضعف ما في المجتمع ، يظهر ضعفها في عدم قدرتها على التعاطي مع المستجدات ، وعدم استطاعتها قبول التغيرات ، أمر طبيعي ، طبيعي إلى حد كبير ، بل هو من دلائل حياة المجتمع ، فالمجتمع يتقبل الجميع ، أو ينبغي أن يتقبل جميع أفراده ، ومع ذلك يجب على المجتمع أن يحسن التصرف مع هؤلاء ، فلا يعطيهم مسؤولية ما تضر بمن هم تحتهم ، ولا يسمح لتلك النفسيات أن تتجاوز حدودها المعقولة ، حتى وإن زعمت أن تلك الشدة إنّما هي صمود على المبادئ ، وأخذ للكتاب بقوّة ، فعلى ورثة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعوا الدرس ، ويعلموا أن الله تعالى لم يجعل في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الزاني إلا لنعلم كيف نتعامل مع الزناة ، ولم يجعل فيهم شديد الذاكرة _ كأبي هريرة_ إلا لنعلم كيف نرعى المواهب المتميّزة ، ولم يجعل فيهم الإداري المحنّك _ كعمر_ إلا لنعلم كيف نتيح المجالات للخامات المتميّزة لتقود الحياة ، ولم يجعل أيضا فيهم أولئك الذين ينطوون على شيء من الشدّة _ كأبي ذر_ إلا لنعم كيف ينبغي لنا أن نتعامل مع من هم مثله في هذا التوجّه ، فعلى ورثة الأنبياء أن يقفوا ضد منهجَة تلك الشدّة وقفة حازمة ، ليتضح للعامّة أن الدين منها براء ، وأن مرجعها إلى ضعف في النفوس ، وفي الشخصيات ، وليس مردّها إلى الله وإلى رسوله الكريم ، مع حفظنا لكرامتهم ، وحبّنا لهم ، ومراعاتنا لما نستطيع من تصرفاتهم ، والحرص على محاولة تهذيبها ، وتشذيبها .

نعم يجب علينا أن نحب أبا ذر ، وجميع الذريين ، ونحاول أن نقتدي بشيء من ورعهم ، وعزوفهم عن الدنيا ، ولكن ليس لدرجة أن نعتبرهم قدوات في كل ذلك المنزع الشديد ، بل يجب علينا أن نصحح المسار ، وأن نعلم أن المنهج العام هو التوسط ، وأن الطريقة الأقرب للصواب هي ما كانت إلى اليسر والرحمة أقرب ، وأن الدين للجميع ، ولا يصح أن تختزل فهم الدين فئة ما ، تغلب عليها نوازع نفسية ، وطبائع خاصة ، لا تلتحم مع المقاصد الشرعية العامة .

 7  0  1116
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:44 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.