• ×

08:57 صباحًا , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

إياك أن تسجل إسمك في مزبلة التاريخ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إياك أن تسجل إسمك في مزبلة التاريخ

بقلم المشرف التربوي / يحي يزيد سلمان الحكمي الفيفي


[HR]
كان كافور الإخشيدي وصاحبه عبدين أسودين فجيء بهما إلى قطائع ابن طولون صاحب الديار المصرية وقتئذ ليباعا في أسواقها , فتمنى صاحبه أن يباع لطباخ حتى يملأ بطنه ما شاء , وتمنى كافور أن يملك هذه المدينة ليحكم وينهى بأمره , وقد بلغ كل منهما مناه فبيع صاحب كافور لطباخ وبيع كافور لأحد القادة المصريين , فأظهر كفاءة واقتداراً , ولما مات مولى كافور قام مقامه واشتهر بذكائه وكمال فطنته حتى صار رأس القواد وصاحب الكلمة عند الولاة , وما زال يجد ويجتهد حتى ملك مصر والشام ومر كافور يوماً بصاحبه فرآه عند الطباخ بحالة سيئة فقال لمن معه : لقد قعدت بهذا همته فكان كما ترون وطارت بي همتي فكنت كما ترون , ولو جمعتني وإياه همة واحدة لجمعنا عمل واحد \"
ليس المهم أن تكون أبيض البشرة , ولا طويل القامة , ولا قوي البنية , ولا ثقيل الوزن , ولا كثير الأموال , ولا من أسرة متعلمة , ولا من علية القوم !!. حتى يشار لك بالبنان , ويكون ذكرك على كل لسان , وعلمك منثور بين الأنام , وسيرتك يتناولها الناس عبر الزمان .
ولكن من المهم والمهم جداً أن تكون أبيض القلب , طويل البال , قوي العزيمة , عالي الهمة , من أسرة مكافحة مناضلة لا تستسلم لليأس .
من المهم أن تكون صاحب طموح يناطح السحاب , صاحب همة لا ترض إلا بالقمة , صاحب شعلة لا تهدأ ولا ينطفئ لهيبها حتى الوصول إلى الهدف المطلوب. إنسان مثابر يستغل الفرصة المتاحة , وإن لم يجد الفرصة صنعها .
هذا عمر بن عبد العزيز معبراً عن طموحه فيقول \" إن لي نفساً تواقة , وما حققت شيئاً إلا تاقت لما هو أعلى منه , تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها , ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها ,ثم تاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها , والآن يا رجاء تاقت نفسي إلى الجنة فأرجوا أن أكون من أهلها \"
إن علو الهمة ,وقوة الطموح , والرغبة في تحقيق الهدف , لا بد له من قوة إرادة , لأن قوة الإرادة هي التي تقود إلى النجاح والتفوق واحترام الجميع .
ولولا قوة الإرادة لما صار عباس محمود العقاد علماً من أعلام الفكر والأدب والثقافة , وأصبح جامعة بمفرده رغم أنه اكتفى بالمدرسة الابتدائية , لكن قوة إرادته دفعته إلى اكتساب العلوم والمعرفة بجهده وعرقه وكده حتى صار نموذجاً للإرادة الصلبة العنيدة . فأين أصحاب الشهادات العالمية من العقاد ؟؟؟
وطه حسين عميد الأدب العربي الذي اكتسب المعرفة والثقافة والأدب من منابع شتى رغم أنه كان كفيفاً واستطاع أن يحفر اسمه في سجلات التاريخ بقوة إرادته وتحديه لإعاقته التي كانت سبباً داعياً لنجاحه وتفوقه ونبوغه وتربعه على عرش الأدب والفكر والثقافة . فأين أصحاب الأعين المبصرة من كفيف البصر طه حسين .
ومع الهمة والطموح وقوة الإرادة فإنه من الضروري القناعة والتسليم بأمر الله قبل كل شيء مع بذل كل الجهد لتحقيق الطموح بطريق مشروع , فإن تحقق نحمد الله وإن لم يتحقق نحمد الله , وهنا تكون القناعة .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث دائماً على طلب المعالي والتنزه عن الدنايا فيقول عليه السلام :\" إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرفها ويكره سفاسفها \"
أما الإنسان الذي ليس لديه طموحات يسعى إلى تحقيقها إنما هو إنسان فارغ من المعاني التي خلق لأجلها , يرضى بالقليل , ويشبع من الفتات , يده دائماً هي اليد السفلى في العلم والأدب ,و في الفكر والثقافة .
كان الحاجب المنصور , محمد بن أبي عامر يعمل حمالاً يحمل البضائع في السوق , وكان له رفيقان يعيشان معه ويعملان معه بنفس المهنة , وفي يوم من الأيام وعند رجوعهم من يوم عمل شاق جلس يتسامر مع صديقيه , وقال لهما : إذا أصبحت حاكم الأندلس ما هي أمنية كل منكما التي يرغب أن أحققها له .. ضحكا , وقال الأول : أريدك أن تعطيني قصراً منيفاً وجواري حساناً , وكذا من المال .. أما الآخر فقال له : إذا أصبحت حاكماً على الأندلس أتمنى أن تأمر بي فأحمل على حمار ووجهي إلى دبر الحمار وأن يدار بي في أنحاء المدينة وأن يقال : نصاب كذاب لا يباع ولا يشترى منه ....ضحكوا.... ومرت الأيام ففكر وعرف أنه لو استمر على مهنته هذه لن يصل إلى هدفه .
تركه وانضم جندياً في الجيش الإسلامي فعلت به الرتب حتى أصبح حاكماً للأندلس .. وفي حكمه رجعت لدولة المسلمين هناك هيبتها , وبعدما استقر له الحكم أرسل في طلب صديقيه .
فوجدهما ما زالوا حمالين ويسكنون نفس السكن , فلما حضروا وكان لديه وجهاء الدولة قال لهما : أتذكروني ؟... قالا : نعم ولكن خشينا أن تكون قد نسيتنا , فقال : أتذكرون ما حدثتكم به ؟ قالا : نعم , قال : فاحكوا القصة فحكوها .
فقال للأول : ماذا تمنيت علي وقتها ؟
قال : طلبت قصراً منيفاً فقال : أعطوه القصر الفلاني .. قال : وماذا بعد ؟
فقال : وجواري حساناً , فقال : أعطوه الجواري , وقضى له طلبه وزاده مالاً فوق الذي طلب .
فقال للآخر .... وأنت ماذا تمنيت ؟
فأطرق وقال : أيام وانقضت
فأصر عليه .. فقال طلبت أن أحمل على حمار ووجهي إلى دبر الحمار ويقال كذاب محتال لا يباع ولا يشترى منه .
فقال للجند : افعلوا به كذلك .
الفرق بين الثلاثة الطموح .وكل دفع ثمن طموحه
والخلاصة : دعوة صادقة إلى كل إنسان بأن يسعى جاهداً للوصول إلى المعالي وخصوصاً في طلب العلم لأن العلم الناس فيه شركاء فليس حكراً على أحد ,وليس شرطاً في الحصول على العلم والفكر والثقافة أن يكون ذلك من خلال المدارس والجامعات النظامية فالمؤلفات منتشرة , والمصنفات متوفرة .


 12  0  1002
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:57 صباحًا الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.